لوكا.. كيليا.. والقادم أفضل
هناك أشياء بسيطة في شكلها، تبدو كفُتات حياة عابرة، لكن وقعها في الحقيقة عظيم، إن لم يكن في زمن وقوعها، فسيكون في زمن آت.
تنقُّلُ نجل زين الدين زيدان للّعب بألوان الجزائر، عرّف العالم بأسره من الذين ربما نسوا أو تناسوا أن اللاعب السابق والمدرِّب الحالي، الذي أطلقوا عليه أوصاف عبقري الكرة وفيلسوفها وظاهرة المتعة ومُبدعها، جزائريٌّ أيضا، وعندما يتنقل ابنه وربما ما بقي من أبنائه للعب في أرض أبيه وجده، فإنّ هذا يجعل الفرنسيين أنفسهم يطلقون مستقبلا اسم “الجزائري” على رمزهم زين الدين زيدان.
حتى كيليا نمّور، التي ما كانت لتنتقل إلى منتخب الجزائر، لولا المشاكل الإدارية التي حصلت لها مع منتخب الجمباز الفرنسي، توصَف الآن بـ”الجزائرية” هي وأمُّها الفرنسية وشقيقتها الصغرى “إلينا” التي مثلت مؤخرا الجزائر في دورة دولية جرت في إسطنبول التركية وتُوّجت بميدالية. وإذا كان “لوكا”، لم يمنح وقد لا يمنح الجزائر لقبا، فإن كيليا منحت الجزائر ميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية التي جرت في باريس، وعزفت بها “قسما” في قلب فرنسا.
بعض الجزائريين وخاصة الفرنسيين وهم يشاهدون تأهُّل المنتخب الجزائري لكأس العالم 2026، أو تألق لاعبيه في مختلف الأندية الأوروبية، يسارعون للقول إن محرز وماندي وبن طالب هم صناعة فرنسية خالصة، زرعتهم أراضي الكرة الفرنسية، وحصدتهم وعجنتهم وطبختهم، وقدّمتهم للجزائر على طبق من نرجس وأقحوان، ولكنهم ينسون أكثر من عشرة آلاف طبيب جزائري من الذين بذلت لأجلهم الجامعات الجزائرية وكلياتها، المال والجهد، ولما اشتدّ ساعدهم وجهزوا للإبداع العلمي والعطاء المهني، أخذتهم فرنسا رفقة مهندسين وعلماء وحتى رياضيين وفنانين وأدباء على طبق من ذهب.
ليس خبلا أن تُنزل فرنسا رقم التأشيرات الممنوحة لعامة الجزائريين بمن فيهم الدبلوماسيون، وتقوم بالمقابل برفع رقم التأشيرات الممنوحة للذين يفضِّلون الدراسة في الجامعات الفرنسية العريقة، فهي تعلم بأن المدرسة والجامعة الجزائرية مطبخٌ للمواهب والأدمغة والعلماء، وأكيد أن خطف عالم، أخطر من خطف لاعب كرة أو جمبازية.
زمنُ الغلَبة الفرنسية ولّى ولن يعود، وفي الجزائر أبدع الكاتب “ألبير كامي” واكتشف الطبيب “ألفانس لا فرون” واخترع الفيزيائي “طنوجي”، وكلهم وُلدوا أو عاشوا العمر كلّه في الجزائر، وحصلوا جميعا على جائزة نوبل في الآداب والطب والفيزياء، ولا أحد من الجزائريين زعم أنهم جزائريون، فكيف لأصوات هناك وحتى هنا تزعم الآن أن لوكا وكيليا ومحرز وماندي.. فرنسيون؟
الهجرة المعاكسة قادمة لا مفرَّ منها، والجزائريون الذين هربوا من تبعات حرب التحرير ومن مخاض الاستقلال العسير وعشرية الجحيم، إلى هناك، سيعود أبناؤُهم وأحفادهم، وحتى إن لم يعودوا الآن، فسيختارون وجهات أخرى غير فرنسا التي ظلَّت تفتخر بزيدان وبعلماء الجزائر، وإن سرق شابٌّ جزائري حقيبة في الميترو، أو ارتبط اسم آخر بعملية إرهابية أو إجرامية، ألصقت به كلمة جزائري، حتى ولو كان من مواليد فرنسا ومن نتاج شوارع مدنها.
شكرا لوكا.. شكرا كيليا والقادمُ أفضل.