-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ليس دفاعا عن الدروس الخصوصية (2)

بقلم الدكتور: عبد المالك أمين بوقفة
  • 2880
  • 0
ليس دفاعا عن الدروس الخصوصية (2)

خلصنا في الجزء الأول من هذاالمقال إلى أن السبب الرئيسي لتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية وانتشارها هو فساد المناهج التربوية المُملّة والصعبة التي أرهقت المعلم والمتعلم والأولياء، ما اضطر المجتمع، تلاميذ وأولياء وأساتذة، إلى اللجوء إليها من باب “وداوني بالتي كانت هي الداء”؛ فأصبحت ظاهرة مَرَضيّة خرجت عن دورها وحجمها الطبيعيين، بل أصبحت هَوَسا اجتماعيا، غير تربوية، غاية التلاميذ والأولياء منها تحصيل النقاط ورفع المعدلات، لا تحقيق المقاصد التربوية والاجتماعية والحضارية للتعلم من جهة، وأنها من جهة أخرى ـــولو في حالات قليلةـــ تورط بعض الأساتذة وأشباه الأساتذة في الجانب المادي، فسلكوا سلوكات غير تربوية ولا أخلاقية أساءت إلى المعلّم والمتعلّم… وهذه الظاهرة وتلك السلوكات في اتساع وانتشار لا يبشر بخير.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت النقاط السابقة وصفا وتشخيصا للظاهرة. فما الحلول التي تحدّ من هذه الظاهرة وتعيدها إلى حجمها ودورها الطبيعيين لتكون سندا ودعما للمدرسة النظامية لا بديلا مَرَضيّا غيرَ تربويّ عنها؟
تكمن هذه الحلول في تقديرنا وانطلاقا مما ذكرناه في الجزء الأول من هذا المقال في ثلاث نقاط رئيسية:
أولا: إصلاح المناهج التربوية بشكل عميق وجذري، ومن ذلك تخفيفها وخلق التوازن بين الجانب النظري والجانبين التطبيقي والإدماجي اللذين يرسِّخان المعارف المكتسبة، ويمتّعان المتعلم ويزيدان دافعيته ورغبته نحو التعلم، وذلك مبدأ وغاية من غايات المقاربة بالكفاءات ــــ التي ظلت شعارا يردَّد في الندوات والمناسبات التربوية من دون أن يتجسد على أرض الواقع ـــ ليكون ذلك بديلا لكثرة الدروس وكثافة المادة العلمية التعلمية اللذين أرهقا المتعلم والمعلم بل والأولياء من دون نتيجة مُرْضية، فالعبرة في المناهج الحالية بالكمّ لا بالكيف في أغلب المواد التربوية في الأطوار الثلاث خاصة في اللغة العربية، والعلوم الإسلامية والعلوم الطبيعية، والعلوم الفيزيائية، والرياضيات.. في الطورين المتوسط والثانوي، التي يجد الأستاذ نفسه فيها مُخيَّرا بين أمرين أحلاهما مُرّ: إما التقدُّم في الدروس من دون تطبيقات ووضعيات إدماجية كافية، وهذا الذي يحصل غالبا، أو محاولة أخذ ما يكفي من التطبيقات والوضعيات الإدماجية وما يترتب عن ذلك من تأخّر في المنهاج وتفاوت بين الأفواج المسنَدة إلى أساتذة مختلفين في المادة الواحدة.. فما فائدة درس في “النحو” (قواعد اللغة) مثلا لطلبة الثانوي مدته الزمنية ساعة واحدة غالبا تكون تطبيقاته وإدماج معارفه لا يتجاوز ربع ساعة في أحسن الأحوال، مع أن أغلب الدروس مكررة تناولها الطالب في الطور المتوسط بنفس الطريقة؟ والأمر ذاته يقال في مادة الرياضيات والعلوم الطبيعية؛ فأغلب الدروس نظرية لا تترسَّخ بما يكفي من تطبيقات ووضعيات إدماجية تحقق مقولات ومبادئ المقاربة بالكفاءات ومنها: “لا تعطني السمكة وإنما علِّمني كيف اصطادها”، ولو أننا حذفنا ثلث المنهاج المقرر وتركنا حجمه الزمني للتطبيقات وإدماج المعارف وحل نماذج للفروض والاختبارات (ومن ذلك حوليات البكالوريا وشهادة التعليم المتوسط) لأقبل عليها التلاميذ والطلبة إقبالا؛ لأنها بديلٌ عملي نظامي تربوي عما يبتغونه في مستودعات الدروس الخصوصية، وكثيرا ما يُطلَبُ ذلك من الأساتذة في المؤسَّسات التربوية ولا يجدون حجما زمنيا كافيا لذلك، فقصارى جهدهم إكمال المنهاج بشق الأنفس.

ينبغي إصلاح طريقة بناء الفروض والاختبارات، الطريقة الحالية، في أغلب المواد، كرّست النمطية في الأسئلة والنمطية في الأجوبة، وذلك ما يكتسبه الطلبة من الدروس الخصوصية، مع غياب الإبداع والتفكير الدالين على بناء شخصية الطالب وإعداده للإبداع وحل المشكلات اللذين يعدّان غاية المقاربة بالكفاءات التي من مقولاتها التنظيرية: “غاية التعلم هي التعلم للحياة لا التعلم عن الحياة”.

ثانيا: إصلاح طريقة بناء الفروض والاختبارات، فالطريقة الحالية، في أغلب المواد، كرّست النمطية في الأسئلة والنمطية في الأجوبة، وذلك ما يكتسبه الطلبة من الدروس الخصوصية، مع غياب الإبداع والتفكير الدالين على بناء شخصية الطالب وإعداده للإبداع وحل المشكلات اللذين يعدّان غاية المقاربة بالكفاءات التي من مقولاتها التنظيرية: “غاية التعلم هي التعلم للحياة لا التعلم عن الحياة”، وهي مقولات ظلت مجرد شعارات لا أثر لها في الواقع ولا في بناء الاختبارات، فهل يعقل أن تُحذَفَ الوضعية الإدماجية من الامتحانات الرسمية، وهي بيت القصيد وغاية المقاربة بالكفاءات المعتمدة منذ ما يزيد عن العشرين سنة من اعتمادها ضمن إصلاحات المنظومة التربوية؟
ثالثا: توفير الوسائل التربوية، والتأطير الكافي، وتخفيف الاكتظاظ الذي وصل أرقاما قياسية في كثير من المؤسسات التربوية، وإراحة الطاقم التربوي، معلمين وإداريين وتربويين، ماديا ومعنويا ليتمكنوا من تسخير طاقاتهم وجهودهم للنهوض بالتعليم.
هذه شروط لا غنى عنها في أي إصلاح تربوي يبتغي النهوض بالتعليم الذي يُعدّ ركيزة من ركائز النهوض بالأمة، بل أهم ركائزها على الإطلاق لأنه يبني الفرد والفرد أساس النهضة وبناء المجتمع.
وفي الأخير نكررها مرة أخرى: أصلحوا المناهج التربوية، أصلحكم الله، عالجوا أصل الداء لا الأعراض الجانبية، فما الدروس الخصوصية إلا نتيجة وبديل وتعبير عن فشل المناهج التربوية الكثيفة الصعبة المرهِقة التي أرهقتنا وأرّقتنا جميعا، فهل من آذان صاغية وقلوب واعية، وإرادة كافية، تصلح المناهج؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!