-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قال إن استمرار المنع يتنافى مع قيم الديمقراطية:

مؤرخ فرنسي ينتقد الغلق المبرمج لأرشيف الاستعمار في الجزائر

محمد مسلم
  • 206
  • 0
مؤرخ فرنسي ينتقد الغلق المبرمج لأرشيف الاستعمار في الجزائر
ح.م

محاكمة ضابط فرنسي وحرمانه من الترقية بسبب نبشه في الوثائق التاريخية
إخضاع أرشيف احتلال الجزائر لـ”إذن خاص” من وزارة القوات المسلحة

قال المؤرخ الفرنسي، جيل مونسيرون، إن على وزارة القوات المسلحة الفرنسية مراجعة سياسة إدارتها لأرشيفها، وقدر بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد مبررا من جميع النواحي السياسية والقانونية، لكونه يتنافى وأبسط أبجديات الحقوق الأساسية للإنسان والقيم التي بنيت عليها الديمقراطية الفرنسية.
وجاء في دراسة للمؤرخ الفرنسي، نشرها في مدونة صحيفة “ميديا بارت” الفرنسية نهاية الأسبوع، إن “حق المواطنين في الإطلاع بحرية على الأرشيف العام، يعتبر حق أساسي من حقوق الديمقراطية، وذلك استنادا إلى العديد من النصوص الدالة على ذلك، وفي مقدمتها إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789”.
واستند المؤرخ الفرنسي في قراءته على إدانة المحاكم للدولة الفرنسية بسبب إقدامها على محاكمة ضابط بسبب بحثه عن الأسلحة الكيميائية في الجزائر، وكذا لرفضها السماح لابن جندي قُتل في ثياروي (السنغال) عام 1944 بالوصول إلى الأرشيف، فضلا عن مواجهة العديد من المستخدمين لقرارات تعسفية بهذا الخصوص.
وأشار الأكاديمي الفرنسي إلى أن هناك العديد من النصوص ما يكفي لتبرير رفع الحظر عن الأرشيف الموجود تحت إدارة وزارة القوات المسلحة الفرنسية، وعلى غرار المادة 15 من إعلان حقوق الإنسان لسنة 1789، التي نصت على أن “للمجتمع الحق في مطالبة كل موظف حكومي بتقديم حساب عن إدارته”. وكذا قانون 24 جوان 1794 الذي نص في مادته 37 على أنه “يجوز لكل مواطن أن يطلب، في جميع المحفوظات، في الأيام والأوقات التي تُحدد، الإطلاع على الوثائق الموجودة فيها”.
ودعم جيل مونسيرون قراءته بجهود مؤرخ فرنسي آخر هو كريستوف لافاي، الذي عمل في دائرة التاريخ الدفاعي الفرنسي (SHD) وباحثًا في معهد البحوث الاستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية (IRSEM) خلال الفترة 2019-2020، في دراسة عنونها “عودة الأرشيف المحظور.. السرية الدفاعية والأرشيف العسكري”، والمنشور في مجلة “إيستوار بوليتيك” التابعة لمعهد العلوم السياسية في باريس، والتي أشارت إلى حقيقة مفادها أن “إمكانية الوصول إلى أرشيف وزارة القوات المسلحة تثير العديد من الإشكاليات”.
كما أشار أيضا إلى كتاب “الأرشيف المحظور. المخاوف الفرنسية في مواجهة التاريخ المعاصر”، بقلم سونيا كومب، وهي أيضا مؤلفة مقال “الأرشيف والمشرع وآثار الرقابة”، الذي نُشر أيضًا في مجلة “إيستوار بوليتيك” عام 2008، والتي اتُهمت بإلقاء اللوم على أمناء الأرشيف لكونهم “متواطئين في إخفاء أسرار الدولة”.
ولاحظ المؤرخ أن “حرية الوصول إلى الأرشيف العامة مبدأ هش، ويجب على المواطنين أن يحرصوا على تطبيقه الفعال”. مستشهدا بمحاكمة ضابط فرنسي، هو القائد رومان شورون، أستاذ التاريخ في أكاديمية “سان سير كويتكيدان” العسكرية، بتهمة “إفشاء أسرار الدفاع الوطني”، ورافق ذلك تفتيش ومصادرة وثائقه التي لم تُرد إليه، وكذا حرمانه من الترقية بعد حصوله على الدكتوراه، لجعله عبرة لغيره، علما أن الضابط شورون أنهى أطروحته للدكتوراه عام 2023 حول حرب المقاومة في الجزائر (1954-1962(.
وعلى الرغم من خضوع الأرشيف العام لنفس القواعد المتعلقة بالإطلاع عليها منذ عام 1887، إلا أن المقاومة داخل الدولة الجمهورية نفسها أعاقت تطبيقها باستمرار، يقول جيل مونسيرون، الذي أكد أن حكومة الجبهة الشعبية حاولت وضع حد لهذا الوضع، لكنها اضطرت في نهاية المطاف إلى التراجع والاكتفاء بمحاولة تخفيف آثاره.
كما ظل أرشيف وزارة الحرب (التي أصبحت فيما بعد وزارة الدفاع ، ثم وزارة القوات المسلحة)، ومجلس الدولة، ووزارة الخارجية، ومحافظة شرطة باريس، في حوزة هذه المؤسسات وليس الأرشيف الوطني، يقول المؤرخ، في حين أن أرشيف وزارة المستعمرات (التي أصبحت فيما بعد وزارة فرنسا ما وراء البحار)، فقد نُقلت إلى الأرشيف الوطني كجزء من الأرشيف الوطني لما وراء البحار (ANOM) في إيكس أون بروفانس.
أما دائرة التاريخ الدفاعي الفرنسية (SHD) فبقيت، وفق جيل مونسيرون، حالة خاصة لا يُطبق فيها هذا القانون دائما، وهو ما جعل الهيئة الرقابية فيها طاغية على العاملين فيها، الذين غالبا ما يُبدون اهتمامًا بطلبات المستخدمين بسبب حصرية احتفاظها بقرار منح أو رفض تصاريح الوصول وفقًا لشروط تعكس درجة من السيادة تُفضي إلى التعسف.
وعلى الرغم من اعتماد قانون الأرشيف في عام 1979، إلا أن التقييم الذي قدمه مستشار الدولة غاي بريبان في عام 1995، خلص إلى أن “قاعدته التشريعية الليبرالية للغاية” أصبحت “غير فعالة بسبب النصوص التنظيمية”، وهو ما كان سببا في إقرار قانون جديد في عام 2008 ينص على “الحق الكامل في التواصل” مع الأرشيف التي يزيد عمره عن خمسين عاما، على الرغم من أن المؤرخين اعترضوا على احتكاره لفئة من الأرشيف توصف بأنها “غير قابلة للتواصل بشكل دائم”، بحجة اعتبارها تندرج تحت “سرية الدفاع”.
ولفت جيل مونسيرون إلى احتجاج عدد من المؤرخين بسبب استحالة الإطلاع على وثائق فترة الاحتلال في بعض مراكز الأرشيف، مثل رسائل التنديد المحفوظة في بعض الأرشيفات الإدارية، وفكروا في المطالبة بذلك في مقال رأي بمناسبة الذكرى الخمسين لتاريخ استسلام ألمانيا، وذلك تزامنا مع اقتراب الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
وقال المؤرخ إنه بعد فترة وجيزة من انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسا، بدأت مرحلة إغلاق الأرشيف، والتي رويت في كتاب “المفقودون في الحرب الجزائرية”، وكذا كتاب “معركة الأرشيف (2018-2021)”. وجاء هذا الإغلاق متناقضًا مع تصريحات إيمانويل ماكرون بشأن الاستعمار باعتباره جريمة ضد الإنسانية (فبراير 2017)، ومع زيارته لجوزيت أودان (سبتمبر 2018)، حيث أقرّ ليس فقط بمقتل زوجها على يد جنود فرنسيين، بل أيضا بالنظام الذي نفذه الجيش الفرنسي، بما في ذلك التعذيب والاختفاء القسري.
ولاحظ أن هذا الإغلاق بدأته قطاعات معينة من الجيش والدولة، ولاسيما الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي، المعارضة للاعتراف بالجرائم الاستعمارية، مع الإجراءات القانونية المذكورة آنفا ضد القائد رومان شورون، فضلًا عن تهديداتٍ جدية باتخاذ إجراءاتٍ مماثلةٍ بتهمة “المساس بأسرار الدفاع الوطني” ضد الباحثين وأمناء الأرشيف الذين اطلعوا على وثائق “مصنفة” أو تبادلوها.
ووفق المؤرخ، فإن هذا الإغلاق اتخذ شكل اشتراط رفع السرية المسبقة عن جميع الأرشيفات العسكرية التي يطلبها الباحثون والتي تعود إلى حرب الجزائر، بحجة أن العديد منها كان يحمل ختم “سري”. واستند هذا الإغلاق إلى تفسير ضيق وغير قانوني لتعليماتٍ وزارية مشتركة، والتي جعلت الإطلاع عليها مشروطا بموافقة مسبقة صادرة عن المؤسسة العسكرية القائمة، الأمر الذي كان وراء رفع طعون إلى مجلس الدولة الفرنسي، الذي أصدر حكما في جويلية 2021، ألغى بموجبه الإجراء الإداري غير القانوني.
وعلى الرغم من قرار مجلس الدولة، فقد جرى القفز عليه بمبررات واهية مثل قانون مكافحة الإرهاب، ما دفع مجلس الدولة الفرنسي إلى التنديد بذلك، لأن هذه الإدارات مخولة الآن بإبقاء بعض الوثائق سرية بما يتجاوز الحدود التي حددها قانون 2008، التي تحصر المدة في خمسين سنة فقط.
وخلصت الدراسة إلى أنه وعلى الرغم من أن القانون العام ينطبق أيضا على الجيش، الذي أصر على الحفاظ على أرشيفه التاريخي، إلا أن ممارساته لا تتوافق دائما مع القانون. فقد أدانت المحاكم هذه الممارسات عندما قضت المحكمة الإدارية في باريس ضد الدولة لتقاعسها عن القيام بمهامها. كما أن دائرة التاريخ العسكري الفرنسي أول من طبق بصرامة التوجيه الوزاري المشترك الذي أعاق وصول الباحثين إلى العديد من الأرشيفات المتعلقة بالحرب الجزائرية في سنة 2008.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!