-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
إثنان وثلاثون يوماً غيّرت كل شيء

ما بين الخطاب والواقع… حرب تكشف تحولات أعمق في النظام الدولي

لعلى بشطولة
  • 139
  • 0
ما بين الخطاب والواقع… حرب تكشف تحولات أعمق في النظام الدولي

“نحن لسنا في حرب.” ليست هذه جملة عابرة، بل مفتاح لفهم لحظة كاملة. لأن ما حدث بعدها لم يكن مجرد خطاب، بل محاولة لإعادة تعريف الواقع نفسه. مدن تحترق، مدنيون يُقتلون، مضيق هرمز يُغلق، ونحو خُمس نفط العالم يتوقف. الأسواق تهتز، والتحالفات تتصدع، والنظام الدولي يدخل حالة ارتباك نادر. تسع عشرة دقيقة من الكلام لم تغيّر شيئاً؛ حين ينفصل الخطاب عن الواقع، لا يختفي الواقع… بل ينهار الخطاب.

في الأول من أفريل 2026، يتحدث رئيس أقوى قوة عسكرية في العالم عن حرب أطلقها قبل اثنين وثلاثين يوماً دون تفويض من الكونغرس، دون شرعية أممية، ودون تحالف واضح. خلال أسابيع: آلاف القتلى، عشرات الآلاف من الجرحى، بنى تحتية مدنية متضررة، وممر بحري استراتيجي يدخل في حالة شلل. تسع عشرة دقيقة… بلا أسماء، بلا أطفال، بلا مدارس. التاريخ لا يُكتب فقط بما يُقال… بل بما يتم حذفه عمداً.

في النظام الأمريكي، الحرب يعلنها الكونغرس. لكن قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 تم تجاوزه. لا تصويت، لا غطاء قانوني واضح، بل إعادة تأويل للقوة كبديل عن الشرعية. تقارير مراكز بحث أمريكية تشير إلى تدخل “وقائي” يفتقر إلى أساس قانوني صلب. هذه ليست ثغرة، بل اتجاه. أما الخطاب، فلم يكن تفسيراً بل إعادة تركيب: لا تغيير للنظام ثم تأكيده، تهديد نووي ثم لا مبالاة، إعلان هدنة ثم نفي، أرقام بلا مصادر. هنا لا يُستخدم الكذب لتجميل الواقع… بل لاستبداله بالكامل.

في 28 فيفري، تُقصف مدرسة للبنات في ميناب. اسمها: شجرة طيبة. بين 165 و175 طفلة قُتلن. تقارير وتحليلات تشير إلى بقايا صواريخ توماهوك وإلى خطأ استخباراتي في تحديد الهدف. المشهد: توابيت صغيرة، قبور جماعية، وأب يبحث بين الركام عن أثر لطفلته. شاهد يقول: “اختفى الصوت… ثم اختفت الحياة.” تقارير أممية تحدثت عن “صدمة عميقة”. ومع ذلك، لا يُذكر الاسم. حين تُمحى الأسماء، تتحول الجريمة من حدث… إلى بنية.

استراتيجياً، الحدث الأهم ليس الضربة… بل مضيق هرمز. هذا الشريان الذي يعبره نحو 20٪ من نفط العالم يتوقف. رغم التفوق العسكري، لا تتمكن القوة الأعظم من إعادة فتحه بشكل مستقر. أدوات بسيطة تفرض واقعاً معقداً. القوة التي لا تفهم الجغرافيا، تخسرها… مهما بلغت من التفوق.

في الخلفية، يتصدع الحلف الغربي، وتظهر مؤشرات إعادة ترتيب داخل مراكز القرار. تباعد، قيود، وتوترات غير معلنة. حين تبدأ الأنظمة في إعادة ترتيب نفسها بصمت، فذلك لأنها فقدت قدرتها على ضبط الضجيج.

هنا يصبح استدعاء الفكر ضرورة، لا ترفاً.
عبد الرحمن بن خلدون رأى أن الدول تبلغ ذروة ضعفها حين تستبدل الشرعية بالقوة، لأن القوة حين تنفصل عن معناها تصبح عبئاً على صاحبها.
مالك بن نبي حذّر من أن الحضارات لا تُهزم فقط من الخارج، بل تسقط حين تفقد قدرتها على نقد ذاتها، فتستمر في تكرار أخطائها وهي تظن أنها تتقدم.
أما علي شريعتي، فنبّه إلى أخطر لحظة في تاريخ الأمم: حين تتحول الحقيقة إلى خطاب، والخطاب إلى أداة لإخفاء الحقيقة.

وهنا تحديداً، تتقاطع هذه الرؤى الثلاث: لسنا أمام خلل في حدث… بل أمام خلل في الوعي الذي يدير الحدث.

أخيراً، هذه ليست حرباً فقط، إنها لحظة كشف، كشف حدود القوة، كشف هشاشة الخطاب، وكشف موقع من لم يستعد.

اثنان وثلاثون يوماً لم تغيّر موازين القوى فقط… بل كشفت أن موازين الفهم نفسها كانت مختلة.

“كل شيء تحت السيطرة.”

لكن الحقيقة التي لا تُقال:
حين تضطر قوة إلى تكرار ذلك… فذلك لأن السيطرة لم تعد في يدها، بل في يد اللحظة التي لم تفهمها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!