-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما جدوى ترقية المقاطعات الإدارية إلى ولايات جديدة؟

بشير فريك
  • 1633
  • 0
ما جدوى ترقية المقاطعات الإدارية إلى ولايات جديدة؟

التقسيم الإداري أو التنظيم الإقليمي للبلاد  كان ومازال وسيبقى إحدى أهم المواضيع التي تسترعي اهتمام المواطنين لاسيما في الحواضر والتجمعات السكانية الحضرية الكبرى التي يطمح مواطنوها لارتقائها إلى مصاف البلديات أو الدوائر فما بالك إذا تعلق الأمر بارتقاء دوائر ومقاطعات إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحية .

ومن هنا نلاحظ  كيف يتهافت نوابٌ في غرفتي البرلمان  مطالبين  بارتقاء دوائرهم  إلى ولايات، وقد عشنا  منذ عقود التعددية وخلال الحملات الانتخابية البرلمانية والرئاسية زحمة وعود المترشحين إزاء عديد الدوائر الكبرى بالعمل على ارتقائها إلى مصاف الولايات الجديدة  .

وأمام  ذلك، فإنه من الأهمية بمكان التساؤل عن أسباب  هذا الإلحاح والاهتمام بموضوع الولايات الجديدة، وما هي الفوائد التي يمكن  ان تجنيها الولايات الجديدة؟

إن  أول  ما يتبادل إلى  الأذهان هو أن استحداث كيانات إدارية جديدة (ولايات أو دوائر و بلديات) من شأنه أن  يقرب المرافق الإدارية من المواطن الذي  أنهكته البيروقراطية  وبُعد المسافات  عند  قضاء  مصالحه،  وتضمن هيكلة الأقاليم  وحسن  تسيير  الخدمات العمومية  بما فيها  الاجتماعية  والاقتصادية وخاصة الأمنية،  لأن البلاد مترامية الأطراف  ولا يمكن  التحكم في آليات تسيير  وتنظيم  شؤون  المجتمع  إلا  بتقريب  المرافق والمنشآت العمومية  من التجمعات السكانية  الحضرية  وحتى الريفية.

إلا أن العامل الأكثر أهمية  في رفع عدد الولايات  هو البعد  التنموي الاقتصادي  والمالي  المترتب عن إنشاء  ولاية جديدة، وذلك من خلال ما يلي:

-1 إن أنشاء  ولاية جديدة سيؤدي حتما إلى  تخصيص  اعتمادات مالية ضخمة  لإنجاز  وتهيئة المقرات الإدارية الجديدة  من مقر الولاية إلى الدائرة والمديريات التنفيذية  المحلية ومقرات المصالح الأمنية وهذه المرافقة إجبارية للولاية، وغيرها من المصالح المالية من ضرائب ومحافظات عقارية  ودواوين  ومقار الشركات الوطنية  الكبرى والبنوك والمؤسسات الإدارية على اختلافنا  .

وهذا بطبيعة الحال سيؤدي  إلى  توظيف آلاف الإداريين  والتقنيين  عبر هذه  الهياكل الإدارية  المستحدثة  .

-2   نحن نعرف بالتجربة والواقع أن التقسيم الإداري معناه الرقيّ  بالتنمية العمومية من خلال  عمليات التهيئة الحضرية  والعمرانية وإقامة المرافق والمنشآت العمرانية المواكبة  للولاية من مدارس وثانويات ومعاهد التكوين ومؤسسات جامعية وشق الطرق و البنية التحتية  على كثرتها  تنوعها  .

وغني عن  التسجيل هنا أن  الحركة العمرانية ستمتد حتما إلى الإسكان إذ ستعرف  الولايات الجديدة  مشاريع   إسكانية  مكثفة  لتدارك العجز الذي قد  تكون  تلك  الحواضر  تعاني منه  قبل ترقيتها إلى مصاف الولايات.

نعتقد جازمين أن التفكير  في نظام  “الجهْوَنة الإدارية” أصبح يفرض نفسه لأن المساحة الشاسعة للتراب الوطني وارتفاع  عدد الولايات (69 ولاية) وسوف يرتفع العدد تأكيدا في المستقبل،  من شأنه إيجاد  آلية إدارية  للتنسيق والرقابة والمتابعة  بين عديد الولايات حسب خصوصيتها الجغرافية والإقليمية والتنموية، قد تكون في شكل مقاطعة أو جهة  يشرف عليها وال جهوي أو وزير منتدب أو أي تسمية أخرى.

-3 كل ذلك من شأنه  أن يجعل الولايات الجديدة  ورشات  مترامية الأطراف  في كل القطاعات فتنتعش الحركة التعميرية  وتمتص بالتبعية اليد العاملة العادية والمتخصصة،  ومعنى ذاك  أن ظاهرة  البطالة ستتقلص  تدريجيا  في هذه الولايات الجديدة .

-4 أما البعد الاقتصادي لهذه  العملية  على الأمد المتوسط فهو الاهتمام بالقضايا  ذات البعد الاقتصادي  من خلال  إنشاء  مناطق النشاطات  أو المناطق الصناعية  ومدّ  شبكات الطرق والسكك الحديدية والكهرباء  والمحيطات الفلاحية  والسدود  الصغيرة أو الكبيرة  حسب أهمية المنطقة وطبيعتها، وقد تستفيد بعض الولايات الجديدة من مطارات  داخلية  أو حتى دولية  عند توافر شروط  ومعطيات  إقامة مثل هذه  المنشآت  الكبرى.

ومعنى ذلك  أن الولايات الجديدة  ستفرض احتياجاتها و مطالبها  التلقائية لتكون  مماثلة وموازية تنمويا  للولايات القديمة ولو أن  ذلك سيكون  بصورة نسبية  وعلى مراحل.

والخلاصة أن  تكثيف  النسيج الإداري بارتقاء   11 مقاطعة  إدارية إلى ولايات جديدة   لا يمكن إلا أن يكون مفيدا  للوطن والمواطن  إذ ستتحسن  ظروف الحياة  ببعدها الشمولي.

وتضمن  الدولة  آليات التسيير  والتحكم  والهيكلة  للمجتمع.

وإذا سلمنا بأهمية  التنظيم الإقليمي  للتراب الوطني بارتقاء  الحواضر  العمرانية  إلى  وحدات  إقليمية  ولاية  وبلدية، وما يواكبها من  هياكل إدارية  واجتماعية ومنشآت اقتصادية  تنموية ستساهم  حتما في الرقي والرخاء الاجتماعي وتحسن ظروف المعيشة وجودة حياة  المواطنين  بصفة عامة وشاملة، فإن  التجارب السابقة للتقسيم أو التنظيم الإقليمي للبلاد منذ   تقسيم  1974 ثم تقسيم 1984 وما تبعها من تذمر  وغضب  واسع  بشعور  المواطنين في عديد  المناطق بنوع من الإجحاف والتهميش في حقهم  لعدم ارتقاء  حواضرهم  ودوائرهم  إلى ولايات رغم  أحقيتها  من غيرها في ذلك –حسبهم-  مما ولّد  عدم الرضا والإحباط  لديهم. والأمثلة كثيرة ومتداولة منذ  عقود  الاستقلال والى الآن  في عدة جهات من الوطن.

ومن هنا نعتقد أنه  كان  من الأهمية بمكان اعتماد منهجية  علمية أكثر  شفافية  وأكثر  موضوعية في إجراء التقسيم الإداري  باعتماد  معايير  مضبوطة  مسبقا  قد تكون  على أساس  الكثافة السكانية، أو الشساعة الترابية، أو البعد عن  كبريات الحواضر  والمرافق العمومية،  أو على أساس فك العزلة  الجغرافية عن  السكان، أو على أساس إحداث التوازن التنموي الوطني، أو لاعتبارات جيو إستراتيجية  لاسيما في المناطق الحدودية  المترامية الأطراف إذ أن  إنشاء الوحدات الإدارية الإقليمية  من ولايات وبلديات من شأنه  أن يعزز  الأمن القومي من جهة ويدعم  الانتماء  الوجداني  واللحمة الوطنية لدى السكان إزاء  الدولة  بشساعتها.

هذه المعايير  وغيرها كان من الممكن  اعتمادها من طرف السلطات العمومية  بتحديد  الأولويات  وفق ذات  المعايير وطرحها  للنقاش  وإسقاطها على المناطق والتجمعات السكانية وعلى ضوء  ذلك  يمكن لتلك  المعايير  أن  تضبط الولايات الجديدة  تلقائيا، وعندئذ  نكون أمام  تقسيم  إداري  مرتكز على أسس  علمية معيارية  قد لا ترضي الجميع ولكنها لا تغضب  فئات واسعة في مناطق أخرى.

وإذا كان هناك ما نضيفه هنا، فإننا  نعتقد جازمين أن التفكير  في نظام  “الجهْوَنة الإدارية” أصبح يفرض نفسه لأن المساحة الشاسعة للتراب الوطني وارتفاع  عدد الولايات (69 ولاية) وسوف يرتفع العدد تأكيدا في المستقبل،  من شأنه إيجاد  آلية إدارية  للتنسيق والرقابة والمتابعة  بين عديد الولايات حسب خصوصيتها الجغرافية والإقليمية والتنموية، قد تكون في شكل مقاطعة أو جهة  يشرف عليها وال جهوي أو وزير منتدب أو أي تسمية أخرى، لأن الملاحظ تنمويا أن هناك  مشاريع مشتركة  بين عدة ولايات  تحتاج إلى تنسيق وضبط  بين الولاة المعنيين محليا  .

ومن زاوية أخرى،  فإننا  نرى أن  أفضل أسلوب للتقرُّب من المواطن والتكفل بانشغالاته زيادة عدد البلديات  وفق معايير  دقيقة مستمدة أساسا من مبادئ  وأسس  وشروط اللامركزية وخاصة منح صلاحيات حقيقية للبلدية بمنتخبيها وإدارييها  من خلال تفويض الصلاحيات التنفيذية للمجالس المحلية  .

أما على مستوى الولاية، فإن  إعطاء المجلس الشعبي الولائي الصلاحيات التقريرية والتنفيذية يبقى إحدى أهم الخطوات التي تعطي للمجموعات المحلية توازنها ودورها في الحياة العمومية باعتبارها  الركيزة الأساسية لنظام اللامركزية الذي نعتمده دستوريا منذ  الاستقلال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!