-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ما سبب الإخفاق الدراسي لأولادنا؟

ليلى حفيظ 
  • 849
  • 0
ما سبب الإخفاق الدراسي لأولادنا؟
بريشة: فاتح بارة

“اللي خانو سعدو أو خانوه يديه يقول السحور بيا”. هذه هي العقلية التي يتعاطى بها غالبية الجزائريين مع انتكاساتهم وإخفاقاتهم الحياتية. بدليل أنه كلما نظمت حملة لتنقية وتنظيف المقابر، تأمل الكثيرون أن تستخرج صورهم من أحد القبور. فإن لم يحدث ذلك ابتأسوا لتيقنهم من أن القضية “ماشي قضية سحور”. وإنما ذلك هو حظهم في الحياة. وهذه العقلية، للأسف، تنسحب وتنطبق كذلك حتى على تعاملاتنا مع مشاكل أطفالنا التي ننسب الكثير منها إلى السحر والعين والحسد.. حتى في ما يتعلق بإخفاقاتهم الدراسية.

نؤمن- نحن الجزائريين- بشدة، بنظرية المؤامرة. ربما، لأنها تعفينا من الإحساس بالذنب، الناجم عن إدراكنا لحقيقة أن حياتنا هي من صنع أيدينا. فنرتاح حين ننسب إخفاقاتنا ومشاكلنا وظروفنا الحياتية الكارثية لعوامل خارجة عن نطاق ذواتنا أو إرادتنا. وبالأخص، العوامل الروحية والميتافيزيقية، كالعين والحسد والسحر. وهذا، ما لاحظه الدكتور هشام زكاغ، طبيب مختص في الصحة النفسية والعقلية للطفل والمراهق، من ولاية سطيف، من خلال متابعته العيادية للكثير من الأطفال. إذ يؤكد أن: “أكثر من 50% من المتابعين عنده لديهم إيمان شديد بأن جزءا كبيرا من الصعوبات التي يواجهها أبناؤهم، سببها العين والسحر والحسد. فيلجؤون إلى البيخة والجبيرة والحجامة والرقية لعلاجهم، على أمل أن تتحسن حالهم. ويهملون التشخيص الطبي والتفسير العلمي لتلك الحالات.”

تفسيرات غيبية

ولتوضيح مدى إيمان الناس بتأثير العين والحسد والسحر على أولادهم. ودورها في إخفاقهم الدراسي أو إصابتهم بالتوحد أو فرط الحركة والعناد الشديد وسوء الأدب والمعاملة وأي مشاكل، أو أمراض نفسية أو جسدية أخرى، يعطينا الدكتور زكاغ أمثلة لحالات قام بعلاجها بعيادته: “الحالة الأولى لطفل عرف منذ ولادته بجماله. فكانت كل الأسرة تشهد له بذلك. عرضه أهله لشاشة التلفاز والهاتف بشكل مبالغ فيه. فظهرت عليه أعراض من نقص التواصل. وأصبح لا يستجيب لاسمه، وحركيا بشكل مبالغ فيه ومزعج، عنيدا وعصبيا، يرمي ويكسر الأشياء، وينفعل لأبسط عدم استجابة له. الأمر الذي جعل أهله يجزمون بأنه قد أصابته العين وأم الصبيان، يعني، بعد أن عرضوه بشكل مبالغ فيه ولفترة طويلة لشاشة التلفاز، وحرموه من التواصل الاجتماعي الطبيعي. في النهاية، أغفلوا كل الأسباب الحقيقية والواقعية العلمية لإصابته، المتمثلة في الحرمان البيئي الذي مارسوه عليه، وتجنبوا الطرح العلمي، ليتبنوا طرحا غيبيا روحانيا.”

الحالة الثانية، لفتاة كانت متفوقة وممتازة في دراستها. والكل يشهد لها بالذكاء والفطنة. وبدأت كل أسرتها تتوقع لها مستقبلا زاهرا. ولكن، مع الوقت، أخذ يتملكها الخوف من أن تخيب أمل أهلها، وألا تحقق لهم ما يتوقعون منها. الأمر الذي سبب لها ضغطا نفسيا رهيبا. وبمرور الوقت، أصابها رهاب الدراسة والامتحانات. فبدأ مستواها الدراسي في التراجع. وكان تفسير أهلها لذلك، أنها قد سحرت، أي إن هناك من وضع لها سحر التعطيل والغشاوة، لكي لا ترى ورقة الامتحان. وبهذا، زادوا الطين بلة. وفاقموا من مشكلتها، بدل من أن يأخذوها لطبيب نفسي كي تعالج خوفها وتواجهه. فإنهم رسخوا في ذهنها فكرة أنها مسحورة. ولا حول ولا قوة لها.”

الحالة الثالثة، لطفل توحدي غير ناطق. أرسلناه للعلاج عند مختصة أرطوفونية. عملت معه لمدة سنة بشكل جيد جداً. في نفس الوقت، كان والداه يأخذانه كل شهر للعلاج بالرقية الشرعية. وبعد سنة، الطفل تحسن بشكل مبهر. وأصبح يستطيع تكوين جملة من كلمتين. وهذا إنجاز كبير جدا ونقلة نوعية بالنسبة إلى طفل توحدي غير ناطق، بسبب عمل جبار لمختصة أرطفونية. لكن، في نهاية المطاف، ماذا كان تفسير أهله لسبب تحسن حالته.. تصوروا أنهما أخبراني أن الفضل يعود لحصص الرقية الشرعية!”.

عجز وجهل

وعن أسباب ذلك وعلاجه، يختم محدثنا: “الجهل والعجز المادي وإثراء هذه الثقافة وطبيعة بعض الأشخاص الهستيرية القابلة للإيحاء، ساهمت في ميل الجزائريين إلى تعليق مجمل مشاكلهم ومشاكل أولادهم على شماعة التأويلات الغيبية، والعلاج النفسي فعال للتخلص من مثل تلك القناعات واكتساب تفسيرات علمية”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!