ما يجب أخذه كدرس من تألق وتتويج “أسود التيرانغا” بالكأس
أعطى المنتخب السنغالي العديد من الصور الجميلة في “الكان”، بشكل يعكس صحة إمكاناته الفنية وحضوره الذهني، ناهيك عن الأجواء المميزة السائدة في المجموعة من الناحية الإنسانية والتواصلية، خاصة في ظل تواجد قائد محنك يحترمه الجميع، وهو ساديو ماني، ومدرب منح إضافة نوعية، ناهيك عن التنسيق الحاصل بين الشق الإداري والفني، ما يعكس مواصفات المنتخب الناجح، المبني أساسا على الاستقرار والاستمرارية والروح الجماعية، وقبل هذا، تفادي الصراعات الهامشية غير المجدية.
إذا كان الكثير من المتتبعين يجمعون على أن النسخة الـ 25 من الكان التي جرت بالمغرب تعد الأسوأ في تاريخ المنافسة، بسبب طغيان الظلم التحكيمي والممارسات السلبية الخفية والمكشوفة، وهو الأمر الذي اتضح جليا من خلال التجاوزات الحاصلة من الناحية التنظيمية، كاستفزاز المنتخبات المنافسة وهضم حقوقها فوق الميدان وفق سلاح الكولسة والطبخات التحكيمية التي تمت على المقاس بغية إخراج عديد المنتخبات البارزة من المنافسة، مثلما حصل مع المنتخب الوطني ومنتخبات أخرى ذاقت من مرارة نفس الكأس، وهذا كله من أجل تعبيد الطريق لمنتخب البلد المنظم لنيل اللقب القاري بشتى الطرق الرياضية وغير الرياضية، إلا أن المنتخب السنغالي أبطل هذه الطبخة التي تمت في الخفاء، وفضح زملاء ساديو مناني الجميع في نهائي مثير جعلهم يبرهنون عن صحة إمكاناتهم الفنية من جهة، وكذلك إصرارهم على محاربة الظلم بشتى الطرق، بدليل تهديدهم بالانسحاب ومغادرة الميدان نحو غرف تغيير الملابس، ما جعل الحكام والمنظمين والقائمين على الكاف والفيفا يجدون أنفسهم في حرج كبير، ورغم أن البعض صنفه خارج الأطر الرياضية، إلا أن البعض وصفه بالخيار الحتمي لتثبيط نوايا ومساعي جماعة النفوذ التي عملت ما بوسعها حتى يفوز المنتخب المغربي بالكأس، وسط تواطؤ جميع الجهات النافذة في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم و”الفيفا” كذلك. موقف يجمع الكثير على أنه يحسب للمنتخب السنغالي الذي فضح الجميع ووضعهم عند حجمهم الحقيقي من منطق أن “الحق يعلو ولا يعلى عليه”، وأن العدالة الإلهية حاضرة دوما، بحكم أن الظلم مهما كبر، فإن الحق هو الذي ينتصر في النهاية، وهو الأمر الذي تجسد ميدانيا من الناحية الفنية و”المناوراتية”، كرد فعل على ركلة الجزاء المشكوك فيها التي منحها الحكم لمنتخب البلد المنظم في آخر أنفاس الوقت بدل الضائع، وقبل ذلك حرمان ذات الحكم المنتخب السنغالي من هدف يجمع الكثير على شرعيته، حيث سمح تهديد المنتخب السنغالي بالانسحاب وسط تدخل العقلاء بالعودة في وضع جميع الأطراف المتواطئة في الصورة، ما جعل العناصر السنغالية تستثمر في تضييع المنافس لركلة جزاء، وهو الأمر الذي تطلب اللجوء إلى الشوطين الإضافيين، حيث عادت الكلمة لـ”أسود التيرانغا” الذين برهنوا عن صحة إمكاناتهم وطموحاتهم فوق الميدان، بتوقيع هدف حاسم بعد عمل منسق انطلاقا من وسط الميدان، ناهيك عن التسيير الجيد لبقية فترات اللقاء إلى غاية إعلان صافرة الحكم بتتويج مستحق في أجواء ستبقى راسخة في الأذهان.
وفي الوقت الذي ذهب البعض إلى وصف انتفاضة المنتخب السنغالي على الظلم التحكيمي والتنظيمي بأنها كانت كرد فعل للظلم الذي تعرضت له عديد المنتخبات في الأدوار الإقصائية على الخصوص، بغية إفراغ الساحة لصالح المنتخب المغربي حتى ينال اللقب القاري، إلا أن “أسود التيرانغا” لم يبرهنوا عن إمكاناتهم الفنية والبدنية فقط، بل كسبوا احترام الجميع بفضل القيم الإنسانية السامية، وفي مقدمة ذلك نبذ الظلم، وفضح جميع الأطراف التي تسببت في الممارسات البالية التي تابعها الجميع على المكشوف بأسف كبير، ناهيك عن تحليهم بالروح الجماعية تحت قيادة لاعب محنك يجمع بين الكفاءة الفنية والرقي الإنساني وهو اللاعب ساديو ماني، وتحت إشراف مدرب عرف كيف يحمي حقوق المنتخب السنغالي فوق الميدان وخارجه، من خلال تنديده المسبق ومواقفه فوق الميدان في النهائي بمجرد وقوفه على الظلم التحكيمي، ناهيك عن التطور الكبير للكرة السنغالية التي أنجبت لاعبين كبارا ومواهب مميزة، بفضل سياسة التكوين والحرص على مبدأ الاستقرار والاستمرارية وتعزيز الروح الجماعية، مع تفادي الصراعات الهامشية من الناحية الفنية والإدارية، بدليل الاستفادة من النجوم السابقة، التي صنعت مجد الكرة السنغالية، وفي مقدمتهم الإيقونة حاج ضيوف، ناهيك عن الاستثمار في الكفاءات الفنية المحلية، بدليل الفترة التي أشرف فيها المدرب السابق إليو سيسي على المنتخب الأول، حيث نشط نهائي 2019، ونال لقب نسخة 2021، ليخلفه باب ثياو بنفس الاستراتيجية والطموح، فكان خير مكمل للعمل المنتهج على وقع الحفاظ على ديناميكية التألق، بعد التتويج بلقب نسخة 2025، مخلفا بصمة فنية وشجاعة ميدانية ومواقف إنسانية لن تمحى مع مرور السنين.