ما يحبناش.. ما يهبّلناش !
لا أدري لماذا يلجأ سياسيون إلى استعمال كلمات ليست كالكلمات، وبمقدورهم تجنّب ما يثير استفزاز وغضب المتلقـّي، وحتى إن كانت بعض الألفاظ المستعملة، تدخل ضمن القاموس الشعبي للجزائريين، وبينها كلمات في ظاهرها سبّ وشتم وإساءة، لكن المراد منها المزحة والترويح عن النفس!
“يلعن بو ألـّي ما يحبناش”، “روح تلعب بعيد”، “ما تفهمش”، “راسك يابس”، “مفريني”، “بورني”، هي بعض المصطلحات المستخدمة بين أفراد وجماعات، في كثير من الأحيان بطريقة عفوية وتلقائية، ويضحك الناطق بها والمستهدف بها، عند سماعها أو إطلاقها، بالرغم من أنها تخرج كالسهم تجرح وتـُؤلم، ولا تفرّق بين كبير وصغير!
عندما يتمّ استخدام هذا القاموس الشعبوي في إطار ضيّق وبين أحباب وأحزاب، فالأمر لا يثير التوقف، لكن حين يلجأ سياسيون وممثلون عن النخبة إلى “السبّ الجميل”، فمن الطبيعي أن ينتفض هؤلاء وأولئك، حتى وإن كان مُصدر الكلمة “لا يقصد” أو أنه يقصد ما لم يفهمه المتلقـّي!
إن الجزائريين بحاجة إلى من يُسمعهم كلمات جميلة لا تخدش الحياء، ولا تجرح المشاعر، ولا تستفز الدواخل، ولا تنبش في الجراح، ولا “تنشّ” ولا “تحشّ”، كلمات لا تصنع الغضب ولا تكذب ولا تنصب ولا تسلب، وكلمات لا تهين ولا تسيء ولا تستعرض العضلات!
لقد اختلطت الكلمات ببعضها وتلاطمت المفاهيم، وامتزج الهزل بالجدّ، ولذلك لم يعد هذا يفهم ذاك، ولم يعد هؤلاء يسمعون لأولئك، ولم تعد الكلمة تصل إلى هدفها بالسرعة المطلوبة، وبالطريقة التي يجب أن تصل بها حتى تحقق هدفها دون أن تخسر أو تضيّع!
على هؤلاء وأولئك في الطبقة السياسية الموبوءة بالطاعون والكوليرا، أن يحترموا بعضهم البعض، وأن لا يسيئوا لبعضهم البعض، ولا يُهينون بعضهم البعض، فالتنافس يفقد قيمته ومبرّره عندما لا يكون شريفا ونظيفا وعفيفا، وصدق من قال: للخصومة شرفها!
المطلوب “رفع المستوى”، وعدم تنزيله والسقوط في مستنقع التفاهات والوقاحات، ولا طائل من “اللسان الطويل”، حتى لا تصبح الخصومة بلا شرف والمعركة بلا نيف ولا كبرياء، وهذا ليس اختراعا جديدا أو صناعة مجهولة المنشأ، وإنـّما هذه أخلاق السياسة وتقاليدها، أفلا تفهمون؟
إن الذي يسبّ ثم يعتذر، كالذي يقتل ثم ينتحر دون أن يلقى جزاءه، ودون أن يُسأل عن دوافع ما ارتكبه من تجاوز وانحراف، حتى وإن اعتقد في لحظة “فهامة” أنه لم يُخطئ، أو أسيئ فهمه، أو أنه كان يقصد هذا وليس هذه، لكن أيّ معنى للاعتراف والاعتذار والانتحار بعد وقوع الفأس على الرأس؟