-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا يريد الروس في منطقتنا.. تحالف ام استعمار؟

صالح عوض
  • 4088
  • 0
ماذا يريد الروس في منطقتنا.. تحالف ام استعمار؟
الأرشيف
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

لم تكن مكالمة بوتين لأردوغان قبل نصف ساعة من الانقلاب الفاشل محذرا من قصف طيران سيستهدفه في منتجعه الا توقيع حقيقي على وثيقة شراكة استراتيجية بين روسيا وتركيا من طرف الروس.. لم يتصرف الروس بدوافع النخوة او الصداقة البريئة فلقد جاء الانقلاب في مرحلة بدأ الأتراك والروس فيها طي صفحة التوتر الذي نشب على إثر اسقاط الطائرة الروسية سوخوي.. اتصل بوتين لينقذ اردوغان من موت محقق وهو يعرف أنه ينتظر من الرئيس التركي خطوات كبيرة تجعل من العلاقات الثنائية قاعدة اساسية لتشكيل المنطقة السياسي في المنظور القريب.

الدول ليست جمعيات خيرية.. هذه جملة مكثفة تفسر نشاط الدول الخارجي لاسيما وهي تقوم بتقديم مساعدات لأطراف خارجية، فالدول مصالح ومن اجل تحقيق المصالح تنهج كل ما يمكن أمنيا واقتصاديا وعسكريا وسياسيا وفي اللحظة التي تختل فيها المقاييس ولحسابات على أي صعيد تتصدع الدولة وقد تنهار.. كما أنه ينبغي عدم تحميل الدولة ما يصطدم بقدرتها على الاستمرار في تحقيق مصالح الرعية.

وعند الحديث عن الدور الروسي في الإقليم ينبغي توسيع دائرة الرؤية إلى مواقع جيوسياسية عديدة في اوكرانيا والدرع الصاروخية الأمريكية وبحر الصين وكوريا الشمالية والغاز الروسي وبحر قزوين والمتمردين المحتملين في مناطق عديدة في روسيا والجمهوريات التي كانت في ظل الاتحاد السوفيتي.. وهكذا يمكن النظر إلى مساحات التداخل والاشتباك بين المصالح الغربية والمصالح الروسية وقضايا الصراع والتوافق.

يعتبر الإقليم موقعا استراتيجيا على الصعيد الأمني والاقتصادي للروس وإن كان الاتحاد السوفيتي قد اخفق في الاقتراب من المياه الدافئة عندما تورط باحتلال افغانستان فيبدو ان الروس المعاصرين يحاولون بدأب ان يكونوا متواجدين بقوة ناعمة مطلوبة من دول المنطقة.. ولهذا فتح الروس كل الملفات وأبدوا الاستعداد للتعامل مع كل القضايا في لحظة تاريخية فارقة فلقد انهكت المقاومة العراقية الجيوش الأمريكية وألحقت بها خسائر معنوية ومادية واخلاقية معتبرة واظهر الأمريكان فجاجة في السياسة وجهل في إدارة الأزمات وضعهم في صورة القوة الغاشمة الظالمة المستهدفة التي ثورت التطرف في المنطقة والتمزق السياسي والاجتماعي متفجرا في وجهها.. 

لم يمر مخطط الشرق الأوسط الجديد او حسب اصطلاح كونداليزا رايس بسلاسة، فصحيح ان الأمريكان وحلفاءهم في الإقليم قد نشطوا من أجل ذلك وأطلقوا شرارة البداية ولكنهم لم يتحكموا في مساراته فهو أصبح مجالا لتدخلات اقليمية ودولية عديدة، كما انه ثور قوى محلية ليس بالضرورة ان تكون متقاطعة مع المصالح الأمريكية، بل بعضها يعتبر التواجد الأمريكي خطرا ولذا فإنه يجعله على قائمة الاستهداف.. وكان صمود الدولة السورية امام عملية الاجتثاث المسلح العقبة الحقيقية امام المشروع الغربي، فكان تماسك الدولة والحزب في كل المؤسسات الدبلوماسية والأمنية والمدنية حجر ارتكاز لمرحلة اخرى بمعطيات اخرى ستجعل من التصادم سائرا في غير المخطط له امريكيا، حيث كان المتوقع ان ينتهوا من سورية خلال أشهر قليلة يتم في اعقابها توزيع الجغرافيا على الأقليات والطوائف، وفي كل مجموعة سكانية قوى متصارعة تضمن النزيف المستمر مما يحقق الضمانة الحقيقية لأمن الكيان الصهيوني.. وعلى أرض سورية يتم تمرير كل المشاريع من مد انبوب الغاز القطري نحو اوروبا وإقامة قواعد عسكرية غربية في موقع استراتيجي مطل على دول المنطقة الحساسة.

وجد الاستراتيجيون الأمريكان ان انشغالهم في  الإقليم يستنزف قوة دفعهم ويعزز صورتهم بأنهم قوى غاشمة محتلة وانهم هم من يولد الارهاب في المنطقة ويفجر الكراهية والغضب ضد الأمريكان، هذا من جهة، ومن جهة اخرى وجدوا ان هذا الانشغال يحرمهم من مواجهات ضرورية واستراتيجية ضد الصين وكوريا الشمالية وروسيا في مواقع المواجهة الحقيقية بعناوين الدرع الصاروخية ونشر الغواصات النووية في بحر الصين ومواجهة الغول الصيني والتهديد الكوري.. في ظل تقييمات الموقف هذه تحرك الروس للتدخل في الإقليم بالتوافق مع الأمريكان.

من الواضح ان الروس اصبحوا الآن يمسكون بكل الملفات في الإقليم فهم اللاعب الأساسي في سورية وهم من يدخل على الملف الفلسطيني بقوة، حيث يجمع الروس في ايديهم علاقة استراتيجية مع الكيان الصهيوني وكذلك علاقات تاريخية متميزة مع الفلسطينيين، ويبدو ان ما اشار اليه الرئيس المصري مؤخرا عن استعداد روسيا لاستقبال قيادة السلطة والقيادة الصهيونية لمفاوضات في موسكو يكشف عن اي دور محتمل للروس في القضية الفلسطينية دون ان نغفل ان اكثر من مليون روسي الآن موجودون في فلسطين يشكلون خمس الكيان الصهيوني.. ويمسك الروس بتحالف قوي مع ايران آخذ في التطور اقتصاديا وأمنيا وسياسيا إلى درجة تشكيل قوة دولية اقليمية من روسيا واذربيجان وايران تعمل على توسيع دائرتها بدول اقليمية اخرى رغم ما بدا مؤخرا من تحسس ايراني من استخدام قواعد عسكرية ايرانية من قبل الطيران الروسي.. ويمسك الروس الآن بعلاقات متسارعة مع الأتراك. وكانت زيارة الرئيس اردوغان إلى موسكو في غاية الأهمية لاسيما بعد ان وجه التهمة إلى الأمريكان والغربيين وبعض الأطراف العربية في المشاركة بالانقلاب الفاشل، وهناك دعوات قوية من اليمنيين بأن يدخلوا مع الروس في شراكة لمواجهة الارهاب، الأمر نفسه كرره العراقيون عن ضرورة اشراك الروس في مواجهة المجموعات المسلحة.. ومن جهتها لا تبدي مصر ترددا في ضرورة تفعيل الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الروسي وتطويرها باتفاقيات جديدة.. حتى ان السعوديين قد أبدوا اهتماما بالغا لعلاقات استراتيجية مع الروس وعرضوا عليهم امكانية الإفساح لهم بدور أهم من دورهم الذي كان ايام الاتحاد السوفيتي.

كما هو واضح فإن ملفات الإقليم كلها اصبحت على طاولة الكرملين، وان الحيوية البادية على الروس لا تتوقف عند حد معين، فالمنطقة حيوية واستراتيجية ونافعة تماما للاستثمار فيها سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا.. والمنطقة كذلك بوابة أمنية خطيرة على روسيا لاسيما ان تصورنا في جوهرها الدولة التركية التي انخرطت في سنوات فائتة في تدريب وتسليح مجموعات مسلحة يمكن ان تمدد إلى روسيا وأماكن التوتر فيها..

بعد كل هذا الشرح ما هو حقيقة الدور الروسي في الإقليم، هل هو تحالف او استعمار..؟ ان يكون استعمار فهذا صعب في ظل دولتين اقليميتين كبيرتين هما تركيا وايران لديهما حساسية بالغة من التدخل الأجنبي ولهما طموحهما ومشروعهما ولديهما من القوة ما يكفي لحماية قرارهما وموقفهما.. صحيح ان المنطقة العربية مهمشة ورخوة وفاقدة القدرة على التماسك بعد ان اصبحت حالة متآكلة فيما بينها، لكن تداخلها مع الإقليم ومصالحه الاستراتيجية تركيا وايران يجنبها امكانية تجدد الاستعمار الأجنبي.. ومن هنا يصبح التفاهم التركي الإيراني الاستراتيجي ضرورة حقيقية لمستقبل المنطقة، وهذا يستدعي تعديلات وتوجهات جديدة لاسيما تجاه دول المنطقة ومكوناتها في انتظار تماسك الموقف العربي وذلك للاستفادة من الروس في أمن المنطقة وإحداث توازن في العلاقات الدولية تحررا من الأحادية القطبية الأمريكية الغربية.. يكون الروس قد حققوا أهدافا عديدة حتى الآن وهم سيخسرون كل شيء لو جنحت بهم مشاعرهم إلى دور استعماري يكون يغريهم في ذلك هشاشة المنطقة.. والمستقبل رهين بتطورات حقيقية في الإقليم.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!