ماسينيسا للشروق:الفنان الجزائري ينشط في الصيف ويلتهم مدخراته في الشتاء
في حوار القلب المفتوح واللسان الصريح، يكشف الفنان الشاوي علي شيباني المعروف باسم ماسينيسا نقمته على وضع الفنان في الجزائر والتعسف الذي يتعرض إليه من طرف متحكمين في بعض المهرجانات لأسباب أرجأ كشفها إلى وقت لاحق، متعهدا أنها ستزلزل كثيرا من الأهرامات الزائفة، كما انتقد التراجع الخطير للأغنية الشاوية التي صارت مجرد تهريج أعراس، كما يكشف عن سر غنائه باللغة العربية والتأثير الذي أحدثته أغانيه العاطفية التي أصلحت ذات بين الأزواج وحفظت أسرا من لعنة الطلاق.
-
= أنت من أوائل مطربي الأغنية الشاوية بالأوراس،، لكنك صرت ناقما على واقعها اليوم؟
-
== والله أنا أتحسر على حال الأغنية الشاوية التي تعب الجيل الأول لإبرازها وإخراجها من عنق الزجاجة ولرفعها لمستوى انتشار أغنية الراي والأغنية القبائلية، وقد تحقق ذلك في التسعينيات، حيث عرفت الأغنية الشاوية رواجا كبيرا في كافة التراب الجزائري، لكنها دخلت في موت إكلينيكي الآن، ومستواها في درجة الصفر حتى لا أقول في القبر.
-
-
= :في رأيك، ما هي أسباب هذا التراجع الرهيب، مسؤولية الفنان أم المنتجين أم المستمعين؟
-
== المسؤولية الأولى تعود رلى الفنانين أو أشباه الفنانين الذين يقبلون كل شيء، يدخلون الأستديو من أجل ترديد كلمات دون معنى وبلا بحث موسيقي، هؤلاء هم أصحاب “أطلق للبندير وغني واش بغيت”، أنا لا أتجنى هذا هو الواقع اليوم، الإغنية الشاوية ذهبت ضحية مطربين بلا موهبة يعتمدون على علبة الريتم “لابوات أريتم” يسجلون ما هب ودب، ثم يقبضون 2 مليون سنتيم ثم يصنعون من أنفسهم نجوما، للأسف أيضا، فإن المنتجين لهم ضلع في ذلك، والمؤسف أن الأذن الموسيقية للمستمع تلطخت ولم تعد قادرة على التفريق بين الغث والسمين، بين الفن الحقيقي والعفن المنتشر هذه الأيام، ليس فقط في الأغنية الشاوية، فالمرض عام على ما أعتقد في كافة الأنواع الموسيقية، الفن الذي لا يخدم رسالة تربوية وتثقيفية ولا يهذب الذوق بأساليب جمالية متقنة استخفاف بعقول الناس. وبالعودة إلى الأغنية الشاوية في السابق، كنا نقدمها في توزيعات جميلة وبنوتات عديدة أو ما يسمى في لغة الموسيقى “الأوكتافات” ويتساوق مع حركة موسيقية عبر التوزيع المضبوط مع الجملة الموسيقية المحيطة بالأغنية، كما كنا نفكر في الموضوع قبل التلحين، وقد استطعنا أن نلفت نظر موسيقيين أجانب من فرنسا وانجلترا وإيطاليا، كنا نلتقي بهم في مهرجانات دولية، وكانوا يندهشون للألحان الجديدة والمبتكرة المبشرة بالتحاق الأغنية الشاوية بركب العالمية مثلما حدث مع الراي والأغنية القبائلية، اليوم أغلب فناني الأغنية الشاوية يشتغلون دون توزيع موسيقي ولا تنويع في النوتات، لقد قتلوا الأغنية الشاوية في نوتتين فقط هما الدو والري، طبعا هذه ليست موسيقى، بدليل أنك لا تستطيع أن تتذكر أغنية شاوية خلال السنوات الأخيرة فهي سريعة التلف لأن الأساس الفني خاطئ.
-
-
= ربما تقول هذا لأنك فنان معروف بالأغنية الملتزمة، حتى أن الثوار الليبيين من المناطق الأمازيغية يستمعون لأغانيك، ثم ألا يعتبر حكمك قاسيا؟
-
== لا علاقة للقضية بالالتزام بل المسألة مسألة اتقان، صحيح أنني مارست الغناء منذ كان عمري خمس سنوات، كنت أردد أغني وألحان جدتي التي كانت موهوبة في الغناء، وقد بدأت الغناء في الأعراس والحفلات وعمري 15 سنة، وقد سمح لي الغناء بالشاوية من اكتشاف الثقافة الأمازيغية وأنا ابن العشرين سنة، وقد كرست فني مع فرقة أمناي – الفارس- لإثبات الهوية الأمازيغية الممنوعة والمقموعة أثناء مرحلة الحزب الواحد، وقد اعتقلت من منزلي بلدية وادي الماء ودخلت الحبس لأسابيع سنة 1987 وتعرضت إلى الضرب والتعنيف، لكن المسألة اليوم هي مسألة الإبداع المفقود، وصراحة خارج الفنان جمال صابري المعروف باسم جو وفرقة ايثران لا يمكن الحديث عن موسيقى وأغنية شاوية، هناك أغان تصلح للأعراس، لكن للفن أنا آسف، وصدقني أنا لم أتفاجأ في أن يظهر بعض الثوار الليبيين المنحدرين من مناطق أمازيغية وهم يستمعون لبعض أغنياتي في تقرير بثته قناة الجزيرة، فقد كنت أعرف من بعض تجار باتنة أنها منتشرة هناك قبل الثورة على نظام القذافي.
-
-
= ألا تخشى أن يسبب لك ذلك عداوة وانتقادات فناني الأغنية الشاوية الكثر؟
-
== هذه هي الحقيقة، أعرف أن الحقيقة مزعجة، وأنا أقول الحقيقة التي يرددها هؤلاء أنفسهم، الجميع يجرون وراء الدراهم، لا يهمهم البحث الموسيقي والتفكير في موضوع ونص الأغنية ولا في الألحان، لذلك سقط مستوى الأغنية الشاوية في الحضيض وأنا يهمني مستوى الفن لا مصير الأشخاص،المسألة الجوهرية هي كيف نخرج الأغنية الشاوية من مستنقع علبة الريتم والدربوكة.
-
-
الشروق اليومي: على ذكر العداوات بين الفنانين،ما حكاية خلافاتك مع المرحوم كاتشو؟
-
== (أجاب وعيناه تغرورقان بالدموع) كاتشو كان مثل أخي تماما، لقد منحته كامل عتاد فرقتي الموسيقية لأسبوع كامل لتحضير ألبوم نوارة الذي كسر الدنيا فيما بعد، كانت علاقتنا مثالية لكن بعض النمامين دخلوا للتفريق بيننا والتقرب منه لاستغلال نجوميته، لكنه تفطن لذلك والتقينا في مارسيليا شهورا قبل وفاته وأمضينا أوقاتا أخوية رائعة. عندما سمعت بخبر وفاته أصبت برعشة كبيرة وبقيت مصدوما في منزلي لساعات غير مصدق أنه مات.
-
-
= غنيت بالعربية وقيل أن لجوءك كان بدافع الخروج من الوضع المادي المزري وبسبب محدودية انتشار الغناء بالشاوية؟
-
== سؤال مهم كي أوضح بعض الأمور التي أثيرت بخصوص هذه النقطة، عندما غنيت بالعربية احتج بعض أنصار الأغنية الشاوية على ذلك، ليس كموقف ضد العربية، لكن بحكم أنني الوحيد ربما الذي استمر في الغناء بالأمازيغية الشاوية، وقد أثار غنائي بالعربية خشية هؤلاء من انطفاء الصوت الشاوي بعد هجرة الكثيرين نحو الأغنية الأوراسية التي تغنى بالعربية، عكس الغناء الشاوي المتغنى به باللهجة البربرية، وقد غنيت بالعربية كي أثبت لبعض الأبواق أنني لست ضد العربية، تخيل لقد اتهمت بالعنصرية وقد أضحكتني هذه التهمة فغنيت بالعربية، لأنني لست ضد اللغة العربية التي أقرأ بها ويدرس بها أولادي، فمن حقي أن أتمسك بلساني وهويتي وثقافتي وحضارتي الأمازيغية الجزائرية، لكن دون إنكار للأخر أو إقصاء لأي لغة كانت، لأن الفن رسالة ولغة عالمية ينبغي أن يعبر عنها الفنان بإتقان وإبداع وبكلمات محترمة، غنيت بالفرنسية والإنجليزية دون عقدة، كما استمع كثيرا واحترم جدا الفنان كاظم الساهر الذي يقدم فنا راقيا وموسيقى مبدعة وهذا هو الشيء الجوهري، والمهم أن تقدم فنا إبداعيا وفق القواعد والأصول الموسيقية والفنية، كما أحب موسيقى الشاب خالد وكنت أتمنى أن يغني بكلمات ترتقي لمستوى موسيقاه الرائعة والمدهشة.
-
-
= لماذا اخترت اللجوء للغناء العاطفي، وما قصة الأغنيات التي أعادت مطلقات إلى بيت الزوجية؟
-
== كما أسلفت الذكر، أغني أغاني ثقافية وكذلك عاطفية كي أملأ الفراغ الموجود في المجتمع الناطق بالأمازيغية الشاوية، وشعرت بالفخر والاعتزاز عندما علمت أن أغنية أرشال نتمزي “زواج الصغر” من ألبوم النداء الأخير أعادت زوجين، أحدهما للآخر، ولمت شمل عائلة كانت على أهبة الطلاق، فقد قال لي حارس بلدي من نڤاوس أنه استمع للأغنية التي تتناول فراق الأزواج وتيتيم الأطفال، وقد قرر الذهاب إلى منزل زوجته لإعادتها من بيت أهلها، وقد تفاجأ عندما دخل عليها وهي تستمع لذات الأغنية فأشارت له بعدم التفوه بأي كلمة بعدما لاحظت انه يحمل في يده شريط الأغنية،والحمد لله أن الزوجين طويا الخلافات واستأنفا حياتهما المشتركة مع طفلتهما،أيضا ساهمت أغنية سمعها شخص في المذياع مصادفة بينما كان متوجها في شاحنته من باتنة إلى وادي الماء لنقل أثاث زوجته تمهيدا للطلاق في العدول عن الطلاق، أفرح كثيرا عندما تكون أغنياتي سببا في خدمة الإنسان والإنسانية، وأملي أن أغني في دور العجزة والمرضى والأطفال وأن أقاسمهم يومياتهم بالمجان ودون مقابل، لكن للأسف لا توجه لنا دعوات رغم استعدادي لذلك.
-
-
= الفنان الجزائري يدخل الفرحة إلى الناس ويعالج هموم الشعب.. لكن أوضاع الفنان الجزائري تثير الشفقة ماديا واجتماعيا.. أليس كذلك؟
-
== هذا صحيح ومؤلم في نفس الوقت، الفنان الجزائري مغبون جدا، وصراحة الفن وحده لا يكفل للإنسان العيش بكرامة، قد يكفل الفن ذلك لواحد في الألف من الفنانين الجزائريين، لذلك أنصح ألا يعول الفنان على العيش من الفن وحده، هذه مخاطرة كبيرة في الجزائر، إذ لا وجود لحفلات على مدار السنة، عدد المهرجانات محدود جدا، كما أن الفراغ يقتل الفنان لذلك الوضع صعب جدا، كما أن بعض محافظي المهرجانات يتعمدون إقصاء الفنانين لأسباب خارج النص الفني. أنا دائما ما أشبه الفنان الجزائري بالصرصور الذي ينشط في الصيف ويختبئ في الشتاء للعيش من مدخراته، هذا هوالحال، وقد سعدت مؤخرا بالحديث عن حقوق الفنان، من الضروري أن يكون هناك قانون يحمي حقوقه الفكرية والمادية وعلى فكرة أنا منخرط في ديوان حقوق التأليف كفنان وكاتب كلمات وملحن منذ 20 سنة، من الضروري أيضا أن يكون هناك تقاعد وتأمين ونقابة فنانين تساعدهم على مجابهة الظروف الاجتماعية ومتطلبات الحياة.
-
-
= أحسست وأنت تتحدث عن محافظي المهرجانات بنبرة حسرة ومرارة عميقة من تقصد؟
-
== هناك أمور خطيرة تحدث في الكواليس من طرف بعض محافظي المهرجانات ومعاملتهم للفنانين، وأنا مستعد لكشفها للوزيرة خليدة تومي التي – والحق يقال – غيرت وجه الساحة الثقافية والفنية، وهي تستحق الاحترام نظير ما تقوم به للثقافة عموما والفن خصوصا، لكن بعض المحافظين والمسؤولين يتعاملون مع الأمانة التي ائتمنتهم الدولة عليها وكأنها ملكهم الخاص أو تركة ورثوها عن أبائهم وليس مؤسسات ذات خدمة عمومية، فبأي حق يحرمني محافظ مهرجان الشباب بأم البواقي للسنة الثالثة على التوالي من لقاء جمهور هذه الولاية العزيزة على قلبي، سمعت أنه برر ذلك بأنني أغني أغاني سياسية، سبحان الله مثلت الجزائر في بروكسل وفرنسا وتونس وغنيت وأغني في مهرجانات وطنية بحضور السلطات العمومية ولم أسمع أحدا قال لي ذلك سوى محافظ مهرجان أم البواقي وكأنه العبقري الوحيد الذي اكتشف ذلك، وعلى فرض أنني أغني السياسة فهل السياسة عيب، نحن نعيش السياسة مع المجتمع والعائلة والصحافة لأنها الإطار الذي يِِؤطر حياتنا الاجتماعية والديمقراطية ونعبر عنها بطريقة حضارية، ما هذه العقلية الجديدة؟
-
-
= أكيد أن هذا ليس مبررا، فأنت مبرمج بعد أيام في مهرجان تيمڤاد الأعرق والأكبر في الجزائر، ما هو المبرر الحقيقي إذن؟
-
== المبرر الحقيقي يعرفه المحافظ وأنا، وسأكشف ذلك للوزيرة وسأطلعها عن خفايا كثيرة لا يتحدث عنها الفنانون، لكني سأتحدث عنها بوضوح وجرأة لأنني لا أقبل أبدا ببعض السلوكيات المسكوت عنها في الوسط الفني، وعندما أكشف ذلك فالأكيد أن عرش الفن الخفي في الجزائر سيتزلزل. لا تنتظر من فنان دخل الحبس من أجل قضية أن يتنازل عن مبادئ وقيم عاش من أجلها.