مبررات وجود الخيار الإسلامي
إذا كان وجود كثير من الخيارات الإيديولوجية يحتاج إلى تبرير، فإن الخيار الإسلامي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يحتاج إلى مبررات لوجوده فهو أصيل في ضمير الأمة وقيمها وأخلاقها.. ومن هنا بالضبط يمكن القول إن الخيار الإسلامي على المستوى الإيديولوجي هو الخيار الأصيل في الأمة وسواه يقف على مسافات منه اقترابا أو ابتعادا بمقدار تقاطعه مع قيم الإسلام وشعائره.
-
ومن المفيد هنا الإشارة إلى حجم انتشار الخيار الإسلامي بين النخبة المثقفة والمتعلمة كما في طبقات الشعب لنجد أنها التيار الواسع الذي يتضاءل حجوم التيارات الأخرى في ظله.. ولكننا سريعا نريد التأكيد أن هذا الانتشار لا يعود لإدارة فائقة في قيادة المشروع الإسلامي ولا في علمية محكمة في برامجه ورؤيته ولا كذلك في مناقبية مثالية يتحلى بها الأشخاص، إنما هو الضمير الجمعي والوعي الجمعي الذي لا يقبل أن يكون هناك بديلا عن الإسلام.. وهذا ما يفسر أنه إذا فتحت صناديق الانتخابات بنزاهة وحرية وحيادية، فإن أصحاب الخيار الإسلامي يحصدون الثقة الواسعة من جماهير شعبهم.. وهذا في حد ذاته يمثل تحديا حقيقيا لأصحاب الخيار الإسلامي الذين يفاجأون بجحم الإسناد الشعبي لهم، في حين قد لا يكونوا قد جهزوا أوضاعهم على الأصعدة جميعا بما يتناسب مع قيادة الشعب والأمة بمسئولية نحو تحقيق الأهداف التي يطمح الشعب إليها في ظل الإسلام من حرية وعدالة وكرامة وسد الحاجات وتوفير الرفاه وتكريس النزاهة..
-
إنه لصحيح تماما لا يمتلك أي خيار سوى الخيار الإسلامي في حظه في ثقة الجماهير ولقد أدرك أصحاب الخيارات الأخرى والإيديولوجيات المخالفة أن السنين، مهما طالبت، والجهود، مهما عظمت، لن تستطيع صرف الناس إلى إسناد الخيارات غير الإسلامية.
-
إذن، نريد أن نقول بوضوح إن هذا الانتشار لفكرة ضرورة أن يعاد استئناف الحياة الإسلامية، يرجع في الأصل إلى عمق الوجدان العربي والإسلامي المشبع بروح الإسلام وثقافته، فلقد تواصلت عطاءات الإسلام المادية والفكرية من لدن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا دون توقف.
-
وقد يتجاوز الناس عن كثير من القضايا ويحيلونها إلى عدم القدرة، كأن لم يستطع الإسلاميون إلى تحقيق فوز أو انتصار.. لكن الناس لا يتجاوزون عن حدوث خلل في القيم التي يحميها الإسلام. لا يتجاوز الناس في التحلل الذي يصيب بعض قادة المشروع الإسلامي على الصعيد القيمي والسياسي.. وإذا صبرت جماهير المسلمين على المحنة والابتلاء والهزيمة، فإنها لا تصبر على تشويه الإسلام أو أن يتقدم أحد للحديث باسم الإسلام فيما هو من ألدّ الخصوم هتكا لحرمات الإسلام ونهبا لحقوق الناس.. حينذاك يعرف الناس أين يصنّفون هذا الصنف من البشر، فلقد زوّدهم القرآن بمصطلح (المنافقين) لكي يسمو به كل منحرف عن أصول القيادة في الإسلام.
-
والموضوع هنا في غاية الأهمية، فلازالت جماهير الأمة تحفظ عن ظهر قلب طهارة علي واستقامة عمر ونبل أبي بكر وعطاء عثمان وزهد أبي ذر وتفاني مصعب بن عمير.. لازالت الأمة تعرف أن قائدها محمد بن عبد الله كان يمضي الشهر والشهران لا يوقد في بيته نارا وهكذا يصبح من العبث محاولة تكريس نموذج آخر للقيادة الإسلامية غير ذلك الذي يعيش في وجدان الأمة.
-
وإن الضمير الجمعي والوعي الجمعي في أمتنا على صواب عندما يقف هذا الموقف؛ ذلك لأنه لا عزة ولا مجد عاشته الأمة إلا في ظل قيم الإسلام التي صنعت له حضارة إنسانية متفرّدة وأقامت له أمة مترامية أطراف الجغرافيا في فترة زمنية قياسية ولازالت حضارته محط الاهتمام والتقدير على المستوى العالمي..
-
وفي العصر الحديث، حيث الانكسارات والهزائم وهجمات الإفرنجة المتعددة على بلاد المسلمين، لم يتصدّ لهم إلا روح هذا الدين الذي يدفعهم إلى الجهاد والمقاومة لنيل النصر أو الاستشهاد وكانت القيم العامة والمبادئ الكلية للإسلام هي الإطار الناجز لحملة مشاريع التحرير في الحركات الوطنية في الجزائر وفلسطين والمغرب وأفغانستان والعراق وسواها من ديار العرب والمسلمين.
-
في حالة النهضة، وحالة الدولة، كما في حالة الكفاح، كانت قيم الإسلام هي ضمانة الانتصار والحرية والكرامة…
-
والشيء المثير حقا أن كل الأفكار والاجتهادات المتطرفة على طول تاريخنا الإسلامي، ورغم ما أحاطها من اهتمام وقلق في زمانها، لم يبق منها سوى حالات هامشية معزولة لا قيمة لها في حياة الناس وبعضها لم يبق منه سوى ما دوّنه الكتاب والمؤرخون في متون الكتب.. ولم يبق في نهر الأمة سوى الأصيل من شخصيتها والأصيل من قيمها.. وأصبح اليوم من غير المحتمل أن يبرز في الأمة من يدافع عن شر وظلم وتجني.. وسيجد كل من يروج لفرية أو كذبة أو يطعن في قيمة رفضاً جماعيا في الأمة بكل تنوّعها، فغير موجود بالمطلق من يدافع عن تصرف بعض حكام بني أمية بحق آل بيت رسول الله من سبّ وشتم، ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يجوّز ما فعله جيش يزيد في الحسين بن علي، كما لا يوجد مسلم راشد يقول بجواز الخروج عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وفي المقابل مرفوض رفضا واضحا جازما صريحا لا لبس فيه سبّ أحد من صحابة رسول الله أو نسائه، كما كان يفعل المشعوذون الشاذّون فأفسدوا الوجدان والعقل في فترات طويلة من الزمن. لقد ذهب الزبد جفاءً، أما ما ينفع الناس فهو الذي استقرّ في وجدان الأمة وعقلها.
-
وهنا تتشعب الرؤية على عدة أبواب، أولها: كما أنه من الضروري ميلاد رؤية للتغيير والتطوير في مجتمعاتنا للتحرر مما تعانيه مجتمعاتنا من تخلف على أكثر من مستوى، فإنه من الضروري عدم تجاوز هذا المعطى المهم والأساس، ألا وهو عميق صلة الوعي الجمعي بقيم الإسلام وتاريخه، وستصبح كل محاولة للتغيير والنهضة في حكم الفاشلة والعابثه وهي في وجه من الوجوه متنكرة لما عليه الشعب والأمة من أصيل المعرفة والثوابت التي حمتها من الضياع.
-
أما الباب الثاني، فهو أن الأمة لا تقبل من إسلاميي اليوم بأقل مما هو في ذهنها عن مسلمي الأمة من بطولة ورجولة ومجد وفروسية وعدل وعلم.. وهنا يكون التحدي الخطير لمن سيحاول تجشّم أعباء المشروع الإسلامي في التغيير.
-
وهنا يصبح الحديث ليس عن مبررات وجود الإسلام في حياة الناس إنما حول مبررات وجود العاملين لهذه الفكرة.
-
يصيب كثير من العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية شعور بالغربة عن المجتمع، وهنا تولد نقطة الانحراف الخطيرة في العقل والوجدان.. يتولد عن ذلك تشكل جماعات وأحزاب تكون بينها الألفة (المفقودة) مع المجتمع والأخوة (المفقودة) مع المجتمع وعليهما يظهر التمايز وعلى ضوئها تتشكل البرامج والخطط، وهنا نصبح نواجه تحدّيا جديدا ينتج للمجتمع عاهة مرضية جديدة تحتاج علاجا في مرحلة لاحقة لتفتيتها بعد أن تحوصلت وتحجّرت وأصبحت ضاغطة على جملة أعصاب في الأمة تحرمها من وضوح الرؤية وسلامة الطريق.. يكون العلاج ضروري بشتى الأدوات لجعل هذا التحوصل سائلا إنسيابيا في جسد الأمة أو بتفتيته لتتساقط حجارته اليابسة..
-
وصحيح أن واقع الحياة البشرية أكثر تعقيدا من إجراء عملية جراحية لعضو أو جزء لم تعد له منفعة، بل فيه مضرة.. لأننا إزاء البشر نرى ظواهر متكررة في احتمال الاستغفار، والتحلل من القيود الضمنية، والمبادرة نحو فعل ما أهو أفضل، ولهذا يبقى الرهان حقيقيا على إمكانية أن تتطور الحركة الإسلامية من داخلها، وأول خطوات التطور هو كسر الحاجز بينها وبين الشعب وذلك برفع لواء قضاياه الخاصة والعامة على اعتبار أنها هي قضية الإسلام في هذا الزمان والمكان.. وتجنّب رفع شعارات لقضايا تعالج زمانا غير الزمان ومكانا غير المكان.
-
إن هذه هي الخطوة الأولى الضرورية التي لابد منها لكي يوفر أصحاب الخيار الإسلامي مبررا لوجودهم وعليها يبدأ بناء منظومة أفكار التغيير ووضع الخطط.. وهذا يستدعي فهم واستيعاب كل العناصر الإيجابية في المجتمع ووضعها في خانة المعطيات ومحاولة معالجة السلبيات بمنهجية الأولويات، في حين تكون قضايا إجماع الناس هي قضايا أصحاب الخيار الإسلامي التي توضع من أجل حلها الخطط والدراسات وأن يتقدم العملية الكبيرة هذه جيل من الرجال المؤمنين بدورهم وقضيتهم، تتجلى فيهم قيم الإسلام والوعي بالواقع والشجاعة والقدرة والمبادرة.
-
إن هذا الصراط هو الذي يجنّب أصحاب الخيار الإسلامي احتمالات الفوضى والعبث والأزمة.. وينزّههم عن علاقات مشبوهة أو مناورات غير مفهومة تثير حولهم شكوكا.
-
ما يمكن قوله في هذا المقام، إنه لا خوف على الإسلام، فهو اليوم يتجلّى عن روعته وعظمته وهو يشق طريقا في حياة الإنسانية كأعظم منهج علمي إنساني.. ولا خوف كذلك على ضمير الأمة ووعيها العميق، فهو غير قابل للانحراف والاشتباه.. فهذان الثابتان قويان لا تلويهما ريح ولا تأخذ منهما العواصف.. إنما الخوف على النخبة من أصحاب الخيار الإسلامي المنشغلين بالدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية.. وهم المقصودون بحديثنا وإثارتنا لهذه القضايا.