-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متاهات “الخبير” أحمد تسّة !!

متاهات “الخبير” أحمد تسّة !!

كلما حاولنا تتبّع خطاب الخبير البيداغوجي أحمد تسّة، وجدنا أنفسنا أمام متاهة من الأفكار والمزاعم التي تتداخل فيها الوقائع مع التأويلات، والتاريخ مع السياسة، والتربية مع الأحكام المسبقة.

وفي كل مرة نقترب من سؤال محدد، يجرنا الخبير بنقاشه في حواراته الإعلامية إلى مسألة أخرى دون استيفاء مطالب السؤال السابق، وعند عجزه تُستبدل الحجة بنعت من يخالفه بنعوت قبيحة وبوضعه في خانة العملاء وإلصاق التهم الأيديولوجية الجاهزة. وكالعادة فنحن لا نتعرض لشخص الخبير ولا لغيره، بل سنركز على إبراز المعلومات الخاطئة والمغالطات التي يبني عليها بعض أطروحاته بتعالِ لم نفهمه.

1. ويرمينا بالاتهامات الباطلة

والغريب أن لا أحدَ من محاوري الخبير أفادنا خلال تقديم ضيفه حول مسيرته الأكاديمية والمهنية، عدا التأليف في التربية وشغله منصب المستشار. لو كانت لدينا مثل هذه المعلومات لربما سهل علينا مخاطبته بالأسلوب الذي يساعد على التفاهم. ومع كل ذلك، فنحن نشاطر الخبير آراءه في كثير من المحاور، وقد دافعنا عنها في عشرات المقالات والمواقف، مثل ضرورة التكوين المستمر للمعلم، وضرورة النظر في طرق تدريس كل المواد -ومنها اللغة العربية والفرنسية-، وبناء المناهج في المواد العلمية، وسوء نزعة التلقين في تدريسنا والحفظ عن ظهر قلب في المسيرة التربوية في معظم المواد.

عندما ناقشنا أفكاره في مقال سابق، مستندين إلى اقتباسات نصيّة من كتاباته، اكتفى بردّ يقول فيه: “لا أفهم ما الذي تقصدونه. اتهاماتكم وأكاذيبكم لا تمنعني من النوم… أنتم الوهابيون”. هكذا يردّ الخبير المتعالي الذي يضعه ذبابه الإلكتروني قامة في التربية فوق النقد، وفوق كل اعتبار رغم ما ينشره من مغالطات ومعلومات خاطئة يبني عليها مواقفه حول للمدرسة الجزائرية.

2. البناء على المزاعم الواهية

يقول الخبير، في جوهر كلامه المدافع عن مكانة اللغة الفرنسية ضمن أحد ردوده في استجواب تلفزيوني: “بعد الاستقلال، تعلّم أبناء الشهداء والمجاهدين باللغة الفرنسية، ونجحوا بها، وأصبحوا أطباء ودكاترة [“دكاتير” حسب تعبيره] ومهندسين، ولم يقل أحد منهم يومها إن الفرنسية هي لغة المستعمر. فلماذا يأتي اليوم [بعد التسعينيات] من لم يعرف الاستعمار ليقول إنها لغة المستعمر ويريد تنحيتها؟”. ويضيف أن موضوع اللغات لم يكن مطروحًا بهذه الطريقة قبل التسعينيات، وأن إثارته بعد ذلك “كانت بفعل أناس أوحى إليهم إيديولوجيون بهذه الأفكار”. ومن هذا المنطلق يرى أن الفرنسية لا ينبغي أن تُزاح لصالح الإنكليزية في المدرسة الجزائرية.

وأول خلل في هذه الحجة أنها تنتقل من وقوع شيء إلى وجوب استمراره: صحيح أن دفعات من التلاميذ ما بعد 1962 تعلمت بالفرنسية ونجحت. لكن هذا لا يثبت أن الفرنسية أفضل من غيرها، ولا أن المدرسة يجب أن تفضّلها. ويتناسى الخبير أن عند الاستقلال كانت الفرنسية لغة الإدارة والجامعة والطب والتقنية والاقتصاد. ولم تكن خيارًا تربويًا حرًا، بل إرثًا استعماريًا فرضته البنى القائمة.

ثانيًا، يذكر الخبير الأطباء والمهندسين، لكنه يغض الطرف عمن فشلوا بسبب جهلهم للغة الفرنسية، ومن انقطعوا عن الدراسة، ومن بقوا على هامش المدرسة. فمن كان يدرس في الجزائر عام 1962 وبعده بسنوات؟ كان الأمر يتعلق بنخبة تعيش في المدن ذلك أن الأمية كانت منتشرة و”دمقرطة التعليم” آنذاك لم يصل صداها بعد إلى القرى والأرياف. ومن جهة أخرى، فالقول إن الفرنسية كانت لغة المستعمر لا يعني الدعوة إلى “تنحيتها” كما يكرر الخبير: إنها مغالطة في صياغة المسألة.

ثالثًا، التحجج بأن أبناء الشهداء والمجاهدين تعلموا بالفرنسية يحتاج إلى قراءة أكثر دقة. هؤلاء الأبطال حاربوا الاستعمار من أجل استقلال البلاد، لكن استعمال لغة المستعمر بعد الاستقلال كان نتيجة واقع تاريخي قائم، لا استفتاءً شعبيًا على أفضل لغة للمستقبل. ولذا من الخطأ تحويل الضرورة التاريخية في ظرف معيّن إلى قاعدة تربوية أبدية يوهمنا بها الخبير.

أما القول إن الجيل الجديد “لم يعرف الاستعمار” فهذا صحيح، لكنه لا يعني أنه عاجز عن معرفة تاريخه وآثاره: الإنسان لا يحتاج إلى أن يعيش حدثًا حتى يدرسه ويفهمه… وإلا لما كان للتاريخ معنى. يمكن الدفاع عن الفرنسية بحجج واقعية: حضورها التاريخي، واستعمالها في قطاعات معينة، والعلاقات مع الفضاء الفرنكوفوني والجالية الوطنية. ويمكن كذلك الدفاع عن الإنكليزية انطلاقًا من حضورها الدولي في البحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد. لكن لا تكفي قصة نجاح جيل سابق لإثبات أفضلية لغة على أخرى.

يقول الخبير إنه لا أحد تطرق من قبل إلى جودة تعليم العربية والفرنسية والإنكليزية، ويؤكد أن الجزائريين كانوا “قبل تسعينيات القرن الماضي “يُجنقِلون” (نحته الخبير من الفعل jongler) بالعربية والفرنسية والإنكليزية”، وإن قضية اللغات لم تُطرح إلا بعد التسعينيات “بسبب الوهابية”. ونحن نرى اليوم كيف “يُجَنقل” الخبير بالعربية نقول إن هذا كلام لا أساس له: كان هناك في ذلك الوقت من يتقن الفرنسية (لأنه درس أو يدرس بها في الجامعة)، ثم بعد بداية التعريب وُجد من يتقن العربية. أما الإنكليزية فلم يكن يتقنها إلا النادر، بل كان من النادر أن نجد من يتقن لغتين. كان هذا هو الواقع الذي كنا نعيشه…. وهو الواقع المنطقي الذي لا نعتقد أنه غاب عن الخبير. فلماذا نزيّف الحقائق ونحن “خبراء” في التربية؟

3. الجزم بلا علم

يذهب الخبير إلى أبعد من ذلك، فيجزم بقوة أن الإمارات والسعودية وقطر تدرّس “من الحضانة إلى الجامعة” جميع المواد بالإنكليزية، باستثناء اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية. وهنا نستغرب كيف أن صحفيينا من محاوريه لا يصححون له هذه الأخطاء؟ فالمؤسسات التربوية الحكومية في السعودية والكويت والبحرين، تُدرَّس الرياضيات بالعربية مع العلوم الأخرى من الحضانة إلى نهاية المرحلة الثانوية، مع وجود مسارات أو مؤسسات تعليمية خاصة، بعضها أجنبية، تختلف لغتها التعليمية عن التعليم الحكومي.

وفي قطر نجد المسار نفسه إلى جانب مسار خاص بالنخبة (أقل من 1% من إجمالي التلاميذ) يواصل دراسته للمواد العلمية بدءا من المرحلة المتوسطة باللغة الإنكليزية. والإمارات لها مسارات تعليمية متعددة، أشبه بالنظام القطري مع اختلافات طفيفة. ويكفي الولوج إلى مواقع وزارة التربية لتلك البلدان والتنزيل المجاني للكتب المدرسية والاطلاع على اللغة التي ألفت بها لنتأكد بأن اللغة العربية هي السائدة. فمن أين أتى الخبير بهذه المعلومات الزائفة؟

يبني الخبير استنتاجاته التربوية على معلومات بهذه الدرجة من الجهل أو الافتراء؟ في المنطق الرياضي الذي يؤمن بها الخبير وينادى به، نعتبر أن كل ما بني على خطأ لا يُعتدّ به في تقديم الحجج والبرهان حتى إن كان صائبا. والأغرب أن هذا الحكم يُتبع بسؤال ساخر: “ومع ذلك، هل صنعت هذه البلدان صاروخًا؟”. وعلى كل حال فالسؤال، في هذا السياق، لا يعني شيئًا… إذ إن نجاح منظومة تعليمية أو إخفاقها لا يُقاس بصنعها الصواريخ، كما لا يمكن تقييم سياسة لغوية كاملة بمثل هذه العبارات الساخرة. وإذا كان المقصود من السؤال الاستدلال على أن اعتماد الإنكليزية لغةً للتعليم لا يؤدي تلقائيًا إلى صناعة المعرفة والتكنولوجيا، فهذا صحيح ولا يحتاج إلى برهان.

4. هاجسه تمكين اللغة الفرنسية

وفي باب آخر، يتحدث “الخبير” مدافعًا عن مكانة اللغة الفرنسية ـ وهذا هو هاجسه في كل حواراته ..ـ وكأنها مهددة بالمحو من المدرسة الجزائرية، ليقرر أن عدم تدريسها سيؤدي إلى أن “الجزائريين لن يقرأوا الأدب الجزائري بالفرنسية”. وهنا نتساءل: أي مسؤول في السلطة أشار إلى عدم تدريس الفرنسية و”تنحيتها”؟ وقد كرر الخبير عديد مرات كلمة “التنحية” وشدد عليها… وهو تهويل مقصود. والواقع، في كل الأحوال، أن من يريد الاطلاع على هذا الأدب، إما أن يكون له مستوى في اللغة الفرنسية يسمح له بقراءته بلغته الأصلية، وإما أن يطلع عليه مترجمًا. وهذا هو ما يجري في كل البلدان: فمن يعرف لغة الكتاب يقرأه مباشرة، ومن لا يعرفها يقرأه في ترجمتها.
والهوس الآخر المصاب به الخبير هو أنه كلما تكلم عن اللغة العربية تكلم عن “العربية الجزائرية!” ولم يهضم أن تكون اللغة العربية في المدرسة هي الفصحى… ولا ندري عن أية لغة “عربية جزائرية” يتكلم. ومن التصريحات الغريبة التي سمعناها من غيره قبل أن نسمعها منه أن الجزائري حباه الله بمخارج حروف تجعله يتقن نطق أي لغة بشرية. ويكفي لإثبات خطأ هذا الزعم نطق الأصوات الفرنسية مثلا U و P و E و EN و ONT. فالكثير من تلاميذنا وجامعيينا اليوم لا يحسنون نطقها، ومعظم من تعلم الفرنسية بعد سنّ معينة لا ينطقها نطقا سليما أو ينطقها بصعوبة.

5. حديث شريف طوله 3 صفحات !

أما حديث الخبير عن التربية الإسلامية، فبلغ درجة لا تضاهى من الانزلاق. فهو يقول إن الكتاب المدرسي الذي كان يسمى كتاب “التربية الأخلاقية والمدنية والدينية” قبل التسعينيات، أصبح بعد ذلك يسمى كتاب “التربية الإسلامية”، ليؤكد أن تغيير التسمية دليل على تحوّل أيديولوجي. ثم يربط ذلك مباشرة بظهور “الوهابية” في مطلع التسعينيات، ويضيف أنه أصبح يُطلب من التلميذ “حفظ نص قرآني حجمه صفحتان وحديث شريف طوله ثلاث صفحات”!! يصرح بذلك دون أن يستوقفه المحاور لحظة ليدرك ما يقول من ترهات؛ فالأمر لم يكن زلة لسان. ومع ذلك يبني خبيرنا منطقه على هذه الخرافات.

كان أجدى بالخبير -بدل الغوص في هذا التضليل الإعلامي- أن يحدثنا كخبير بيداغوجي عما يدور بين الخبراء في المنظمة الدولية المسماة “مجلس أوروبا” اليوم من نقاش تربوي حاد حول “التربية الإيجابية” و”التربية السلبية”: فريق يدافع عن المرافقة واللاعنف والإصغاء واحترام حاجات الطفل، وفريق يدعو إلى تأديب أكثر صرامة ويرى في التربية الإيجابية تفريطًا. بينما تبنّى هذا المجلس، منذ 2006، تعريفًا للتربية الإيجابية قائمًا على اللاعنف والحوار، وهو ما يشتدّ انتقاده اليوم، علمًا أنه أُنشئ عام 1949 ويضم 46 دولة ويمثل 700 مليون نسمة. نقول كان أجدى بالخبير، بدل أن يكرر في كل لقاء إعلامي أحكامًا جاهزة، أن ينيرنا بما يجري في هذه النقاشات، ويوجه التربية في بلادنا نحو حلول عملية تراعي خصوصياتنا في هذا الباب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!