متى يستقيم عود تقويم مادة علوم الطبيعة والحياة في امتحان شهادة التعليم المتوسط؟
مرة أخرى، ينبغي التأكيد أن هناك ترابطا وثيقا لا ينقطع ولا يبطل بين التقويم التربوي وعملية التعلم. ونظريا (لأن الممارسات تفند هذا الإدعاء)، وجب أن ينصب التقويم في نظامنا التربوي الحالي على اكتشاف مدى تحكم المتعلم في مجموعة الكفاءات المدرجة في المناهج طالما أن المقاربة المعتمدة في الأداء الفصلي (ونظريا بشكل أوفر) هي المقاربة التدريسية بالكفاءات.
من باب التذكير، نلمح إلى أن التقويم لا يعتد به وبنتائجه إلا إذا تحلى بثلاث مواصفات لا يجوز الاستغناء عنها، وهي: الوجاهة، الصحة “السلامة” والوثوقية “الثبات”.
يفترض أن تبنى التقويمات المدرسية (الفروض والاختبارات الفصلية) ونظيراتها الرسمية (اختبارات الامتحانات الرسمية) على أسس سليمة تحفظها من الاختلال والوهن والانحراف، وأن تنطلق عمليات بنائها من ضبط مجموعة الكفاءات المتناولة التي يراد تقويمها وتحديد المعارف المستهدفة التي يدور حولها موضوع التقويم.
عندما نأخذ اختبارات مادة علوم الطبيعة والحياة في امتحانات شهادة التعليم المتوسط المتعاقبة أنموذجا للتمثيل، تظهر لنا المعاينات المتعاقبة منذ إصلاحات 2003 أنها تفتقد الأسس والركائز التي تصون مصداقية النتائج المحصل عليها عقب كل عملية اختبار. وفي غالب الأحيان، يتم الاكتفاء بمنح علامة (غير دقيقة في الغالب) يتحدد على إثرها مصير المتعلم الذي يكون موزعا بين النجاح والرسوب.
حتى يتحقق الفعل التقويمي النقدي لاختبار مادة علوم الطبيعة والحياة في امتحان شهادة التعليم المتوسط لدورة جوان 2024، علينا أن نضعها تحت عدسة المجهر، وأن ننظر بعين الاستكشاف الفاحصة في التمرينين المقترحين وفي الوضعية الإدماجية. وقد ارتأينا، هذه المرة، أن يكون التركيز على هذه الأخيرة “الوضعية الإدماجية” أكثر حظا قليلا اعتبارا لأهميتها.
التمرين الأول: لا تأتي الجمل الإعلامية “السياق” التي تقدمت التمرين بأي فائدة طالما أنها لا تطرح وضعيةـ إشكالية محددة وذات صلة بالمطلبين المتوجين للتمرين. وحذف هذه الجمل لا يستتبع أدنى تأثير. وأما تثبيت تبيانة صمّاء للجهاز الهضمي للإنسان والمطالبة بكتابة بياناتها، فهو واقع خارج المنهاج، والاحتكام إلى المعارف المستهدفة هو الحكم الفصل. وتنبلج من هذه الملاحظة مشكلة طاغية، وهي أن معظم أساتذة المادة (ومفتشي الجيل الثاني كذلك) لا يفرقون بين مضمون المنهاج ومحتوى الكتاب المدرسي!.
يدور المطلب الأول حول ذكر عناصر الجهاز الهضمي المرموز لها بأرقام، وصيغ كما يلي: سمّ البيانات المرقمة من 1 إلى 6؟ وإذا كانت الأرقام تشير إلى الأعضاء، فكيف يطلب تسمية البيانات؟ وكيف يصح تسمية المسمّى؟ وتقتضي الدقة المانعة لكل لبس أن يصاغ المطلب بالشكل الموالي: أذكر أسماء العناصر المشار إليها بأرقام، أو: استبدل أرقام الوثيقة بالبيانات المناسبة (طالما أن السؤال مباشر واسترجاعي). والتحجج بأن التعليمة التقويمية: “سمّ” هي تعليمة إجرائية لا يغطي على الخطأ، ولا يبرّر قبحه المشين.
إذا كانت أهمية العنصر “6” المقصودة في المطلب الثاني من التمرين نفسه تتحدد في جانبها الوظيفي “الفيزيولوجي” البحت، فكيف يتم استخراجها من وثيقة تكتفي بإظهار مورفولوجية “الجانب الشكلي” لهذا العنصر فقط؟ وفي هذه الحالة تكون التعليمة التقويمية “استخرج” قد ذهبت إلى اليمين، في حين أن المطلب انعطف نحو اليسار؛ لأنه لا يمكن استدرار ولو نتفة من المعلومات من السند الأول (الوثيقة 01) يمكن توظيفها في الإجابة.
التمرين الثاني: مثلما يطالَب المتعلم بأن يجيب عن أسئلة التقويمات بلغة سليمة مبنى ودقيقة معنى، فإن خلو ورقة الاختبار من الأخطاء اللغوية يرفع من قيمتها. وفي اللغة لا يقال: “نزيف دموي”، وإنما يقال: “نزف دموي”، وكلمة النزيف يراد بها الشخص الذي ينزف، وهي على وزن: مريض، عليل، سقيم.. إلخ. وفي التعبير العلمي، لا يصحّ أن يقال: “يحقن الدّم”، وإنما يقال: ينقل الدم.
من حق الطالب الممتحَن “بفتح الحاء” أن يرى الوثيقة 03 بلا جدوى، وأن يسأل محتارا: ما الإضافة التي تأتي بها؟ ووجود هذه الوثيقة أشبه ما يكون بالإطناب والزيادة المستقبحة. وإذا كان الإطناب مملا في النصوص اللغوية، فإنه يكون مربكا وعنصر تشويش ومبعث قلق في التقويمات.
في مستوى التعليمين المتوسط والثانوي، لا تتجاوز المادة العلمية المقررة في مادة علوم الطبيعة والحياة والمتعلقة بالصحة، لا تتجاوز عتبات الجانب الوقائي. أما الجانب العلاجي فلا يُتعرّض له إطلاقا. ولكن المطلبين الفرعيين “أ” و”ب” من المطلب الأول في هذا التمرين تجاوزا الفعل الوقائي من خلال استعمال التعليمتين التقويميتن: “أشرح” و”فسّر”. وزد على ذلك، أن التمعن في المطلبين يظهر وكأنه مطلب واحد مكرّر. وأتوقع أن الإجابة المقترحة لهذا التمرين ستكون مثار جدل واختلاف كبير بين الأساتذة المصححين قبل انطلاق عملية التصحيح، ولا ينتهون إلى اتِّفاق جامع. ولكن قد يصلون، ومن باب التراضي، إلى “توافق مقنع” يصنع تفاوتات في تقديراتهم لأجوبة المتعلمين. وتترتب عن ذلك متاعب أثناء مزاولة عملية التصحيح هم في غنى عنها.
الوضعيةـ الإدماجية: لا ترقى الوضعيةـ الإدماجية المقترحة في الاختبار المناقش إلى الدرجة المطلوبة؛ لأن الاسم وحده لا يصنع الشيء وجوهره. ومن دون مبالغة، فإن هذه الملاحظة تنسحب على هذا الجزء الهام من اختبارات كل المواد في امتحان شهادة التعليم المتوسط وفي غيرها.
والوضعيةـ الإدماجية هي انعكاس لكفاءة معقدة نسبيا يحققها المتعلم. ويمكن اعتبارها فرصة للممارسة الكفائية من لدن المتعلم نفسه. وفيها يحاول أن ينجز دمجا لعدة تعلّمات من خلال عمل فردي يجند فيه طائفة من الموارد (معلومات مكتسبة في القسم، قدرات خاصة، بيانات مستصدرة من السندات…) بغرض بلورة حل للوضعية الإشكالية الإدماجية التي لم يسبق التطرق إليها؛ أي ينجز مَهمّة (بفتح الميم الأولى) وفق منظور بنائي سليم. ومهما كان الحال، فإن الإدماج لا يعني المراكمة، فجمع كومة من الحجارة بطريقة فوضوية لا يعني بناء جدار بناءً حذقا يعكس إتقانا ومهارة.
تتألف الوضعيةـ الإدماجية من ثلاثة مكوّنات، هي: السند أو السندات، المَهمّة المراد إنجازها والمطلب المعبَّر عنه بتعليمة تقويمية إجرائية ترفض التأويل وتعدد القراءات.
تظهر مناقشة الوضعية الإدماجية المقترحة أن السند الأول (الوثيقة 04) المرفق بها قد تضمن مفاهيم علمية غير معتمدة في المنهاج، وهي ذكر الاسم الأجنبي للبكتريا والاسم العلمي “التسمية الثنائية” لها مع إهمال الاحتكام إلى قواعد كتابة الأسماء العلمية المتعارف عليها عالميا. ولو جيء بالاسم العربي لهذه البكتريا والاكتفاء به لقطعت جهيزة قول كل خطيب. وفضلا عن ذلك، لا يمكن اعتبار السند الثاني (الوثيقة 05) موردا مفيدا، وإنما هو تكرار لجزء من السند الأول (الوثيقة 04). وكان من اللائق أن يحتوي مضمونه على صورة لعلبة مصبرات سمك التونة منتفخة وأخرى في حالة عادية، فيكون الانتفاخ دليلا على التخمر أي الفساد. وأما السند الرابع (الوثيقة 07) فلا يجد فيه المتعلم فائدة جاهزة بالإضافة إلى احتوائه على مفهوم من خارج القاموس المفاهيمي للمنهاج، وهو مفهوم: “الأيض” الذي يصعب على المتعلم استيعاب معناه.
حذف هذه الجمل لا يستتبع أدنى تأثير. وأما تثبيت تبيانة صمّاء للجهاز الهضمي للإنسان والمطالبة بكتابة بياناتها، فهو واقع خارج المنهاج، والاحتكام إلى المعارف المستهدفة هو الحكم الفصل. وتنبلج من هذه الملاحظة مشكلة طاغية، وهي أن معظم أساتذة المادة (ومفتشي الجيل الثاني كذلك) لا يفرقون بين مضمون المنهاج ومحتوى الكتاب المدرسي!.
تعدّ الوضعيةـ الإدماجية هي المحك الأكبر الذي يُظهر مدى تحكم كل متعلم في الكفاءات المنجَزة في القسم، وهي الوسيلة الأولى التي تبرز الفروق الفردية بين المتعلمين. وتنتهي المَهمّة المطلوبة بإنتاج نص علمي ذي مواصفات إدماجية متمثلة في التلخيص “التركيب” والربط بين المعارف المكتسبة وتلك التي تعرضها السندات ربطا محكما مع اقتراح حل علمي للوضعية الإشكالية المطروحة في السياق. والعيب الذي يعرّي منتوج المتعلم من هذه المواصفات هو كثرة المطالب التي تفرض تفكك محاولته وتجزئتها وتشتت عناصرها وتشظيها، فإرفاق الوضعيةـ الإدماجية التي نحن بصدد مناقشتها بأربعة مطالب متداخلة جرّدها من كل ما يضفي عليها الصفة الإدماجية بكامل أوصافها.
كبديل علاجي للخطأ المشار إليه في السطور القليلة القريبة، نستطيع أن نقترح صياغة مطلبية ناضجة تقود إلى مزاولة الإدماج وإتيانه كأن تأتي على الصورة التالية: (باسترجاع مكتسباتك المعرفية في القسم، وتوظيف معلومات السندات المقدمة، أبرز في فقرة علمية تأثيرات التسمم الغذائي للمواد المصبرة على صحة الإنسان، وأطرح توصيات تفيد في تجنُّب أضراره). وتكون الإجابة كما يلي: (من بين أسباب حدوث التسمم الغذائي عند الإنسان هو تناول مواد غذائية مصبرة فاسدة نتيجة تخمّرها. وفي الحالة المعروضة، عملت بكتيريا البوتيليزم التي ظهرت في مصبرات علب التونة، وعن طريق السموم التي أنتجتها، على إصابة من تناولوها بتسمم كانت أعراضه المتأخرة فادحة وخطيرة. وتمثلت هذه الأعراض في الشلل الناجم عن تعطيل عمل المشابك العصبية، وتراجع في الوظيفة التنفسية التي يُستدل عليها بانخفاض نسبة الأكسجين في الدم. ويلاحظ أن أجسام المصابين أبدت ممانعة من خلال الزيادة في عدد كريات الدم البيض التي تعدّ من أهم وسائل الدفاع الجسمية.
يعدّ تناول المصبرات، وهي من الأطعمة الجاهزة، تصرفا كثير الانتشار وخاصة بين فئة الشباب. ولتجنب أضرارها الخطيرة على الصحة الجسمية يُنصح بمعاينة طرق حفظ علبها والتعرف على أقصى أجل لاستهلاكها قبل اقتنائها. ووقائيا يوصى بالتخلي التام عن الفاسدة منها بسبب التخمر الذي يدل عليه مؤشر انتفاخها).
وفي الأخير، اعتقد أن السؤال الجوهري الذي ينبغي لوزارة التربية الوطنية أن تتكفل به بكل عناية بعد تنقية أجواء منظومتنا التربوية من سموم الدروس اللصوصية البوتليزمية هو: ما السبيل العملي إلى تجويد بناء التقويمات في الامتحانات المدرسية وفي شقيقاتها الرسمية؟ وهو سؤال لا مفر من مواجهته مواجهة بيداغوجية راقية وبلا هوادة.