-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى ينهض المارد الإسلامي؟

صالح عوض
  • 4135
  • 0
متى ينهض المارد الإسلامي؟

في ساحات المواجهة العديدة بيننا والغرب على مدّ الجسم الاسلامي من طنجة إلى جاكرتا، يبدو أن محاولات المشروع الاستعماري لم تحقق نجاحاتٍ حاسمة علينا في أي جبهة من الجبهات.. صحيح أن جسد الأمة يدمي والألم بالغ القسوة في مناح عدة، إلا أن المقاومة مستمرة في كل الأجزاء.

وعندما نستخدم مصطلحات الجسد الواحد والأمة الواحدة.. فالمسألة هنا ليست أخلاقية فحسب، إنما هي أيضا موضوعية وواقعية، فالغرب الرأسمالي بشكل خاص اتخذنا عدوا استراتيجيا لطموحه ولتمدده وهيمنته، بل وبقاء نظامه الاستغلالي الامبريالي، وبناء على فهمه لأسباب العداء ولطبيعته ذهب يجيِّش كل ما بوسعه من وسائل وأساليب لانهاك الأمة بضربات متلاحقة شرقا وغربا في السياسة والجغرافيا والاقتصاد والثقافة، بل وأحيانا بالقائه في أوساطنا بأفهام معيّنة عن الإسلام لصناعة التفريط أو الإفراط، وذلك كله لمنعنا من إمكانية النهوض.

لابد من تسجيل معطيات غاية في الأهمية، تلك التي تدور حول حضارة الغرب وكيفية هيمنتها على العالم.. خمسمئة عام من صعود الغرب هي الحقبة الحضارية الغربية السيدة التي عززها التنوير والثورة العلمية وانتشرت عبر المحيط الاطلسي، ووصلت حتى أقاصي العالم، والسؤال هنا: كيف تمكنت حفنة من الدول الصغيرة الواقعة عند الطرف الغربي من أوروبا، بدءا من العام 1500 ميلادية من السيطرة على بقية بلدان العالم بما فيها من كثافة سكانية؟

 الاجابة على هذا السؤال المهم ضرورية ولكن لا يتسع لها المجال هنا، فهي أكبر حدث تاريخي، وهي الحضارة الأولى في تاريخ البشرية التي تهيمن على العالم في كل شيء حتى في ذوق الناس العام وأنماط حياتهم.. وقبل أن تكتمل الدورة الحضارية التقطت الولايات المتحدة الأمريكية رايتها لتعطيها المدى الأوسع، وينتقل بذلك مركز الحضارة والهيمنة الغربية إلى مانهاتن، وقد أصبحت أوروبا عجوزا تتعيّش على مكتسبات تاريخية منها التحالفات الاستراتيجية مع المركز، وكذلك صلاتها القديمة المتنوعة مع دول الجنوب التي لازالت مخدوعة بوهم قوة المستعمر القديم.. وفي هذا الصدد يكتشف المتأمل لمآلات الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية أن انحسارا كبيرا تحقق للهيمنة الاستعمارية عن مناطق عديدة كانت ترزح لعقود طويلة تحت نير الهيمنة الغربية.

هنا تطل علينا آلة المادية الأمريكية كأكبر تجلٍّ للحضارة الغربية بما تملك من آلة علمية وترسانة أسلحة واستراتيجية توسّعية وروح تسيُّد على العالم لم يتردد في إظهارها كل الرؤساء الأمريكان الذين جعلوا من التسيُّد الأمريكي على العالم غاية وهدفا، وعزز لديهم هذا الاعتقاد مفكرون أمريكان حول نهاية العالم.. إلا أن القوة الأمريكية تعاني في أعماقها نقائص مميتة:

عجز في القوة البشرية وتجلى ذلك في حرب أمريكا في أفغانستان والعراق، حيث كان نقص الجنود سببا مباشرا في هزيمة أمريكا في أفغانستان والعراق، حيث لحقت بها هزائم نكراء أفقدتها القدرة على تسجيل انتصارات مستقرة.

عدم تحوّل الحرب الخارجية إلى عقيدة مجتمع وبقاء العملية رهينة بالساسة وترويجاتهم الاعلامية حول أهداف في ظاهرها البعد الانساني، الأمر الذي لم يزوّد التمدد الخارجي الأمريكي المسلح بقوة دفع معنوية من الشعب الأمريكي.

عدم وجود ما يكفي من المدخرات للاستثمارات وعدم فرض ضرائب كافية بالنسبة إلى الإنفاق العام.. إنها الأزمة المالية الكامنة في عمق الامبراطورية ذاتها، والتي تظهر من حين لأخر في هزات اقتصادية عنيفة.. في أزمة سوق العقار وإفلاس البنوك وأزمة الديون، حيث ضعفت جميع المكوّنات الرئيسة للنظام المالي الدولي بشكل كارثي نتيجة الاستدانة  المفرطة لآجال قصيرة الأمد، وكذلك الرهونات المقيمة على سندات مبالغ فيها، وهكذا في شتى العملية الاقتصادية التي تشير إلى خلل بنيوي في طبيعة النظام الاقتصادي كله والمهدد دوما بالانهيار..

في مقابل ذلك، تشهد الاقتصاديات الأسيوية العملاقة تحفيزا حكوميا شديد الفاعلية، حيث تشير الدراسات إلى أن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة من ناحية الناتج الاجمالي كما فعلت اليابان عندما تجاوزت بريطانيا عام 1963.. لقد أصبح السؤال كبيرا في الغرب عن توقيت انتهاء التفوّق الغربي.. وهنا يبدأ التأريخ لزحزحة الغرب الرأسمالي عن الهيمنة والتسيّد على العالم وذلك ببروز أقطاب اقتصادية تتحرك بثبات نحو التطوّر، كما برزت من جديد أقطابٌ سياسية استراتيجية تزيح تفرّد الامبريالية الأمريكية عن المسرح.

أين نحن من ذلك كله؟ على أرضنا تجري معظم المعارك والحروب، وفي بلادنا تكمن الثروات المتنوعة من الطاقة إلى المعادن والموقع الاستراتيجي الذي يتوسّط العالم كما تمثل كتلتنا السوق المهم.. والغرب يريد ارتهاننا في معركة استمرار تفوّقه الحضاري، على اعتبار أننا مخزونه الاستراتيجي ينهب ثرواتنا وياقي لنا بمنتوجات أسلحته معنا أو ضدنا المهم بالنسبة له قتلنا وسرقة أموالنا..

ومع هذا كله فإن أمتنا تمتلك عناصر التكتل والتوحد القوية المعنوي منها والموضوعي وهي تكتنز مرارات من الحضارة الغربية التي لم تجلب لها إلا الدمار والخراب والقتل والتجهيل.. تتجمع هذه العناصر لتشكيل حالة تحت السطح تشعر بضرورة استرداد الكرامة واستعادة المبادرة التاريخية بمنهج مختلف تماما في جوهره وبرامجه.

المسلمون عالمٌ مستقلّ ويملك تراثا روحيا وحضارة ذات أصالة.. ويستطيعون إقامة قواعد لعالم مستقلّ دون الحاجة إلى الحضارة الغربية، وإذا تهيأت لهم سبل الانتاج الصناعي فإنهم سينتقلون إلى العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين.. وسينتشرون في الأرض.. إن العالم الاسلامي عملاق مقيّد لم يكتشف نفسه بعد. 

ظنت الامبريالية الغربية أنه بإمكانها القيام بخطوات حاسمة لإبقائنا تحت الوصاية، ومن خلال مناورات إجرامية عمدت إلى تفسيخ البلدان وتدمير بناها التحتية وتمزيقها وإشعال الفتن فيها لاشغالها بنفسها ولفتح أبواب لبيع السلاح ونهب الثروات.. ولقد دخلت جيوش التحالف الصليبي بلداننا في أكثر من مكان مقاتلة محاربة لبعثرة نسيجنا الاجتماعي وإنهاء عناصر قوتنا وعلى رأسها وحدتنا.

حتى هذه اللحظة لا تزال سورية والعراق وليبيا والسودان تقاوم عمليات التفسيخ، ولقد دفعت هذه البلدان أثمانا باهظة للحفاظ على وحدتها الترابية والسكانية، وقد انحسرت قوة الدفع الغربي في هذه المعارك.. ولن تتمدد هذه المعارك إلى سوى هذه البلدان التي تسير نحو المعافاة..

أما المستقبل فهو يحمل نُذرا واضحة بانهيارات في صلب الحضارة الغربية، وهذا ما يشرحه بعمق كثيرٌ من المفكرين الغربيين والفلاسفة رجال العلم، ولعل كتاب “كيف هيمنت حضارة الغرب على الشرق والغرب؟” لكاتبه نيال فرغسون أحد أهم العلماء في العالم يشير بمنهجية بحثية تحليلية إلى نهايات محققة للحضارة الغربية وسوى هذا الكثيرون، ولكن الغربيين لا يرون في العملاق الأسيوي بديلا عن حضارتهم إنما يلتفتون مباشرة إلى البديل الحضاري الاسلامي..

وتحتشد أمامي الأن مئات النصوص لساسة ومفكرين ورجال علم يتحدّثون عن مستقبل قريب لنهوض العرب والاسلام كبديل حضاري ضروري قريب.. فكما جاء على لسان نائب وزير الخارجية الفرنسي السابق “سالازار”: إن الخطر الحقيقي الذي يهدِّد الغرب بشكل مباشر وعنيف هو الإسلام.. فالمسلمون عالم مستقلّ ويملك تراثا روحيا وحضارة ذات أصالة.. ويستطيعون إقامة قواعد لعالم مستقلّ دون الحاجة إلى الحضارة الغربية، وإذا تهيأت لهم سبل الانتاج الصناعي فإنهم سينتقلون إلى العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين.. وسينتشرون في الأرض.. إن العالم الاسلامي عملاق مقيّد لم يكتشف نفسه بعد.

إننا في معركة الحضارة نكتشف أنفسنا بمزيد من التفكير في أدواتنا وتراثنا وواقعنا وإمكانياتنا العملاقة للنهوض.. نرتب جملة نهضتنا ونلقي بالأفكار الميتة إلى المزبلة ونرتفع إلى مستوى رسالتنا. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!