متّى يهذّبُنا الصيام؟
أيام معدودة بقيت تفصلنا عن حلول رمضان، هذا الشّهر الذي كان في قرون مضت وعقود سلفت شهرا لتخليص النّفوس من عيوبها وآفاتها وكفّها عن غوائلها وشهواتها، شهرا للرحمة والتآزر والتعاون؛ يحسّ فيه الأغنياء والموسرون بمعاناة الفقراء والمحتاجين، فيمدّون الأيدي بالصّدقات والأعطيات.. لكنّ الواقع تغيّر في السّنوات الأخيرة، حين أصبح رمضان في حياة كثير من المسلمين شهرا للموائد المليئة والأطباق المنوّعة، وموسما للإسراف والتبذير ومضاعفة المصاريف، والانكفاء على رغبات النّفس عن حاجات الآخرين.
لماذا يا ترى نستسلم في كلّ مرّة لأنفسنا الأمّارة بالسّوء فننظر إلى رمضان على أنّه شهر لملء البطون؟ لماذا يكون الهمّ الأكبر لنا بين يدي رمضان من كلّ عام، لا يبتعد عن المصروف والأواني والمواد الغذائية؟ ليس حراما ولا مكروها أن يفرح المسلم بفطره ويأكل ممّا أباحه الله، لكن أن تكون مائدة الإفطار هي أهمّ شيء في يومه، يفكّر فيها طول النّهار، ولا يكاد يتحدّث في ساعات الصيام إلا عن الأصناف التي توضع فوق المائدة، وربّما يصل به الأمر إلى حدّ شغل زوجته وبناته بها طول النّهار، بل ربّما تقضي الزّوجة معظم الليل وهي تغسل الأواني، فتحرم القيام والتهجّد؟ يقول أبو الحسن الندوي -رحمه الله-: “تضخَّمت معِدةُ الحِرصِ في الإنسان؛ حتى صارت لا يُشبعُها مِقدارٌ من المال، وتَوَلَّدَ في الناسِ غليلٌ لا يُرْوى، وأُوار لا يُشفى، وأصبحَ كلُّ واحدٍ يحملُ في قلبِه جهنمَ لا تزالُ تبتلعُ وتستزيدُ، ولا تزال تنادي: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟” (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)
رمضان يفترض أن يكون شهر الالتفات إلى القلب والرّوح، شهرا لتربية النفوس وتهذيبها، شهرا لوضع خطوة مهمّة على طريق إخراج الدّنيا الدنية من القلوب، عملا بقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).. أحد عشر شهرا ونحن نجري خلف الدنيا في شره، لا همّ لكثير منّا إلا ما يدخل بطنه.. يأتي بعدها شهر رمضان ليعيننا على المراجعة والإصلاح، ليذكّرنا بأنّنا أرواح تهفو إلى السّماء وقلوب تخفق للعلياء ولسنا بطونا تلتصق بالتراب والغبراء.
إنّه ليس يليق بالإنسان أن يكون عبدا لبطنه وشهوته، لا يرفض لنفسه طلبا ولا يردّ لبطنه مطلبا ممّا يزيد على حاجته ويوصله إلى الإسراف والتبذير، ويصل به إلى رمي الأطعمة في القمامة.. كلّما اشتهت بطنه مدّ يده إلى جيبه، وكلّما اشتهى اشترى: عن جابر بن عبد الله –رضـي الله عنه- قال: رأى عمر بن الخطاب لحماً معلقاً بيدي، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحماً فاشتريته، فقال: أو كلما اشتهيتَ اشتريتَ يا جابر!
رمضان فرصة كلّ تاجر مسلم ليزيد رصيده من الحسنات، بأن يكون أمينا صادقا، سمحا في بيعه، راجيا أن يكون في ركب من قال عنهم النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ” (الصّحيحة)، وممّن دعا النبيّ لهم بالرّحمة حين قال: “رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى” (رواه البخاري).
رمضان فرصة التاجر المسلم ليتاجر مع الله، في إنظار الفقراء والمعسرين، وبين عينيه قول النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-: “من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله” (رواه مسلم)، وقوله صلوات ربّي وسلامه عليه: “كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه” (رواه البخاري ومسلم).
رمضان فرصة لنتعاون ونتراحم، ولم لا، ليؤثر بعضنا بعضا.. ووالله لو تحلّينا بالتراحم بدل التّزاحم لانتهت الأزمة في أسبوعين.. قدوتنا أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- كانوا في وقت الأزمات والضّيق يجمعون ما عندهم ليقتسموه بينهم بالسوية: عن أبي موسى الأشعريّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم” (متفق عليه).
رمضان فرصة لنربّي أنفسنا على السّكينة والطمأنينة وعلى ترك الجزع والهلع.. خاصّة أنّنا نصلّي ونخطّط لنكون بين القائمين والمتهجّدين؛ فلا يليق أبدا لعبد يصلّي لله أن يكون هلوعا جزوعا.. يقول الله تعالى: ((إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)).. المصلّي ينبغي له أن يكون هانئا هادئا، واثقا برحمة ربّه وفضله، محسنا ظنّه بمولاه، لا يخاف من الغد ولا من الفقر؛ فلنكن من المصلّين الذين تنهاهم صلاتهم عن الهلع والجزع والشّره، ولنكن من الصّائمين الذين ينهاهم صيامهم عن اللغو والرّفث، والله من وراء القصد وهو يهدي السّبيل.