-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مخاطر التلاعب بتشتيت الانتباه!

مخاطر التلاعب بتشتيت الانتباه!

إن المعركة التي ينبغي أن ننتصر فيها اليوم هي معركة الانتباه: ينبغي عدم السماح بتشتيت انتباهنا حول قضايا متعددة يتم التحكم في المدى الزمني المُعطَى لها بحيث لا ننجز أيا منها، لا الثقافي ولا العلمي ولا الاقتصادي ولا السياسي، جميعها تبقى مُعلَّقة! كمن يمنع عاملا في ورشته أو باحث في مختبره من إتمام أي عمل يقوم به، بمجرد أن يتقدم في مشروع ما يُلهيه بمشروع آخر فلا هو يتم الأول ولا الثاني ولا الثالث …الخ، حتى يستنزف كامل وقته وجهده، فيقدم له البدائل الجاهزة في كافة الميادين ويُبقي سيطرته عليه من دون تأخير…

تشتيت انتباهنا يكون عادة إما بتقديم بديل أجندات جاهزة أو من خلال أسلوب “صناعة القَبول”، والغاية منه أن نُصبح في وضع لا نستطيع التمييز فيه بين الرئيسي والثانوي من القضايا التي تهمنا، ولا ندري لماذا نقبل هذا ولا نقبل ذاك، فجأة نجد أنفسنا ضمن “مشروع” ليس من إعدادنا لا نعرف كيف نستطيع إنهاءه!! نكون باتجاه البحث عن حلول لمشكلاتنا الرئيسة، نسير باتجاه طريق التقدم الحقيقي، فنُفَاجَأ بظهور مشكلات غير متوقعة وأحيانا مصطنَعة تسرق منا وقتنا وتستنزَف جهدنا والأكثر من ذلك تشتت انتباهنا، وهذا الذي يحدث اليوم!

لذلك، علينا أن نتحدث وبوضوح تام عن ضرورة الانتباه إلى كيفية التعامل مع استراتيجية تشتيت الانتباه!

إن هذه المسألة ليست مفصولة عن المرحلة التي يمر بها الاقتصاد العالمي اليوم، مرحلة اقتصاد الانتباه التي بدأت مع السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين وهي تسير بنا تدريجيا نحو المرحلة القادمة من الاقتصاد التي بدأت تتشكل فيما يُعرَف باقتصاد المعنى. تركز أدوات الاقتصاد العالمي (شركات، مؤسسات عالمية، أفراد لديهم مداخيل ضخمة) على سرقة انتباه الناس بالكامل أو جزئيا لِتُمرِّر سلعها أو أجندتها من خلال الخواريزميات التي تتحكم في شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف شبكاتها الأخرى المادية. وعادة ما يكون ضررها محدودا عندما يتعلق الأمر بشراء سلع أو خدمات، لكنه يكون أكبر عندما يستهدف عالم الأفكار والبني الاجتماعي والسياسية والدول، أو صناعة أدوار ضمن استراتيجيات مختلفة يتم إعدادها مسبقا.

ولعل هذا ما نراه يتجسد في أكثر من بلد على شكل انقلاب في المفاهيم، وتبدل حاد في المواقف، وأحيانا يتجلى في شكل صراعات بينية لم تكن مُتوقَّعة البتة، تبرز بعد أن يتم الانتقال من مرحلة التحكم في الانتباه إلى مرحلة التلاعب بالانتباه…

وإذا كانت شعوب الدول الصناعية المتقدمة تعيش هذه الظاهرة وأحيانا بشدة أقوى من شعوب الجنوب العالمي، فإن النتائج المترتبة عن حالتي التحكم في الانتباه والتلاعب به مختلفتين تماما.

في الدول الصناعية المتقدمة يكون الثمن هو مزيد من سيطرة رأس المال ومزيد من التحكم في أذواق الناس وعاداتهم الاستهلاكية وأسلوب معيشتهم، في حين يكون هذا الثمن في بلداننا مختلفا، فبالإضافة إلى الجوانب سالفة الذكر، يتم إحداث اضطرابات في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية من شأنها أن تؤدي إلى ضرب التماسك الداخلي برمته وأحيانا إلى انفجارات في شكل حروب أهلية وصراعات وعلى تغيير شكل الدول ذاتها!…

لذا بات من الضروري اليوم أن نرفع من درجة يقظتنا تجاه أيّ من القضايا التي نحس بأن غايتها هي تشتيت انتباهنا أو التلاعب به، والبداية تكون بمزيد من التعرف على قضايانا المركزية ضمن رؤيتنا الوطنية الشاملة التي ينبغي إعادة تحيينها في كل مرة حتى نستبق التطورات القادمة بكل ما تحمل من مخاطر…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!