مدرسة اليرموك
لعلّه من المناسب ونحن نعيش أيام شهر رجب الحرام، الشّهر الذي شهد معارك حاسمة انتصر فيها المسلمون، وكانت سببا في تغيّر موازين القوى، أن نعود – مرّة أخرى بعد عودة سابقة إلى معركة الزلاقة- لنقف أمام أحداث معركة رجبية فاصلة، هي معركة اليرموك الخالدة، لنتأمّل ونتدبّر الأسباب التي مكّنت للمسلمين يومها وأعلت رايتهم، لعلّنا نراجع أنفسنا ونحزم أمرنا في اتخاذ الأسباب وتهيئة الظّروف، لإعادة الكرّة في معركة النهاية.
جرت معركة اليرموك بين المسلمين الموحّدين من جهة وبين الروم البيزنطيين من جهة أخرى، قرب نهر اليرموك في غور الأردن، بداية من يوم الإثنين الموافق لـ5 من رجب من العام 15هـ، والموافق كذلك لـ12 أوت 636م، واستمرت 6 أيام كاملة، كانت من أصعب الأيام التي مرّت بجيوش المسلمين.. معركة وصفت بـ”معركة القرن”، ووُصف بطلها خالد بن الوليد في بعض المصادر الغربية بأنه “أعظم عقلية عسكرية في تلك الحقبة”.
46 ألف مسلم، واجهوا 200 ألف صليبي. أي إنّ الصليبيين كانوا 4 أضعاف المسلمين، وكان مع الصليبيين ما لا يقلّ عن 12 ألف مقاتل من رجال القبائل العربية المتنصّرة المقيمة في بلاد الشام! على رأسهم الأمير الغساني جبلة بن الأيهم.. وهكذا يأبى بعض العرب –في كلّ صراع- إلا أن يكونوا سيوفا بأيدي الأعداء وخناجر تطعن خاصرة الأمّة في الأوقات الحاسمة! ولكن ماذا تضرّ الخيانات إذا وجد في الأمّة قادة مثل أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وجند مثل جند اليرموك؟
قبيل المعركة فوّض القائد العامّ لجيوش المسلمين أبو عبيدة بن الجراح صلاحياته لخالد بن الوليد ليكون قائدا للمعركة، وقد كان خالد بن الوليد قبل ذلك قائدا عاما ولاّه أبو بكر الصديق وقال قولته الخالدة: “والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد”، ثمّ عزله عمر بن الخطّاب –بعد ذلك- لـمّا تولّى الخلافة، فسمع وأطاع وصار جنديا مستشارا عند أبي عبيدة، وفي هذا من الدّروس أنّ المسلم الذي أخلص دينه لله ويرجو ما عند الله، لا يهمّه أن تكون الراية بيده، المهمّ بالنّسبة إليه أن تظلّ الراية عالية خفاقة ولا تسقط، ولا يضرّه أن يتنازل عن القيادة إذا وجد من هو أقدر عليها وأكفأ بها.. أبو عبيدة بن الجراح كان عمره في الإسلام يومها 28 عاما، بينما لم يتجاوز خالد بن الوليد يومها 8 سنوات من عمره في الإسلام، ورغم ذلك تنازل الفاضل للمفضول عن القيادة، لأنّ المفضول أكثر حنكة في قيادة المعارك.
كان “فاهان” قائد قوات الروم يظنّ أنّ المسلمين ليسوا سوى قوم فقراء جائعين، ما أخرجهم من أرضهم إلا الجوع والطّمع، فقال لخالد بن الوليد: “إنا قد علمنا أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما، وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها”، فقال خالد: “إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غيرَ أنا قوم نشرب الدماء، وقد بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك”، فقال أصحاب باهان: “هذا والله ما كنا نحدَّث به عن العرب”.. وخَيّر خالد بن الوليد باهان بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، وقال له: “إنّكم ستواجهون رجالا يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة”، فأبى باهان إلا الحرب.
بدأت المبارزة بين فرسان الفريقين في اليوم الأول، فخرج من بين المسلمين عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، لمواجهة أقوى فرسان الروم، فأجهز عبد الرحمن على فارس الرّوم فقتله وقتل معه 4 آخرين، فبادر باهان وأمر جيشه بالهجوم حتى لا تتحطّم معنوياته.. بدأ الروم زحفهم نحو المسلمين، وكان لهم صوت كدوي الرعد من كثرتهم ووفرة سلاحهم وعتادهم، وقد صمد جند الله في اليوم الأوّل صمودا قلّ مثيله، أمام أقوى هجمات الرّوم.
في اليوم الثاني غدر الروم بالمسلمين وحملوا عليهم وهم يصلّون الفجر، وهاجموا ميمنة جيش المسلمين بقوة حتى أجبروهم على التراجع إلى المعسكر، وهناك تدخلت نساء المسلمين وقاتل بعضهن مع الرجال، وربطن الجمال حول المعسكر وهيّجنها، فتوقفت أحصنة الروم عن التقدم لما رأت الجمال الهائجة.. وفي ميْسرة الجيش عانى يزيد بن أبي سفيان ومن معه حتى تراجعوا إلى المعسكر، وخرجت النساء هناك أيضا وتدخلن في القتال، وقتلن كثيرا من الروم، وكنّ يشجعن الرجال على الثبات والقتال.. وهكذا كان لنساء المسلمين في هذه المعركة الحاسمة دور عظيم في حماية معسكر المسلمين، بل إنّ تدخّلهنّ كان بعد عون الله سببا في حماية بيضة جيش المسلمين، وكان من أولئك النسوة المجاهدات: فارسة الإسلام خولة بنت الأزور، التي قاتلت بجرأة فاقت جرأة كثير من الرّجال.. وكان بينهنّ أيضا أسماء بنت يزيد بن السكن التي لقبت بـ”خطيبة النساء”، الصحابية العالمة المجاهدة، التي قتلت في معركة اليرموك 9 من الروم بعمود خيمتها.. وكان بينهنّ أيضا أم سليم بنت ملحان التي شاركت في مداواة الجرحى وسقي الماء، وكان لها دور كبير في تحفيز جند الله. وكان من النّساء المجاهدات كذلك: هند بنت عتبة، التي كان لها دور عظيم في تحفيز المقاتلين وشدّ أزرهم.. هند التي كانت قبل السّنة الثامنة للهجرة تحارب الإسلام والمسلمين بلا هوادة، وبلغ بها الأمر أنّها حرّضت على قتل حمزة عمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غزوة أحد، ومضغت كبده حين سقط شهيدا. ها هي بعد إسلامها تتحوّل إلى مجاهدة تحمي ظهور المسلمين وتحرّض على الثّبات.. وفي هذا من الدروس أنّه لا ينبغي اليأس من هداية عبد مهما بلغ صدوده وإعراضه، وأنّ باب التوبة يظلّ مفتوحا مهما بلغت ذنوب العبد.
هكذا كانت نساء المسلمين، وهكذا ينبغي للمرأة المسلمة أن تكون؛ مكانها حيث يَحتاج إليها دينها وتطلبها أمّتها، وليس حيث مصلحتها الدنيوية الفانية، ليس حيث تلهث خلف المال والمظاهر والألقاب. ليس حيث أحاديث القيل والقال والتباهي بالمظاهر والحظوظ الفانية.
استمرّ القتال بين المسلمين والرّوم واشتدّ في اليوم الثالث، حتّى بدأ المسلمون يتراجعون في اليوم الرابع وكادوا ينهزمون، وهنا انتخى فارس من فرسان الأمّة الذين ادّخرهم الله لدينه، عكرمة بن أبي جهل، الصحابي المجاهد، ابن فرعون الأمّة الأوّل أبي جهل الذي عاش ومات محاربا للإسلام والمسلمين.. حين بدأ المسلمون يتضعضعون نادى عكرمة بن أبي جهل في جيش المسلمين طالبًا من يبايعه على النصر أو الشهادة، فخرج معه 400 مجاهد، قاتلوا الروم وأوقفوا زحفهم وكبدوهم خسائر كبيرة، واستشهدوا جميعا.. في الرمق الأخير لعكرمة، أدرك أنّ المسلمين قد استعادوا زمام الأمر وأنّ ميزان المعركة قد مال لصالحهم، فسُرّ لذلك ولقي الله شهيدا سعيدا، بعد 13 سنة من موت أبيه أبي جهل في معركة بدر على الكفر والطغيان.. وفي هذا درس عظيم أنّه لا عذر للعبد في فساد واقعه وفساد محيطه وفساد زمانه ولا حتى في فساد والديه، بل يجب على العبد أن يجاهد نفسه ليكون صالحا مصلحا خادما لدينه وأمّته مهما كانت ظروفه.. ودرس آخر أنّ المسلم الذي يرجو ما عند الله ينبغي له أن يفكّر كيف يكون سببا في تفريج كرب أمّته وفي عزّها ونصرتها ولا يكون سببا في هزيمتها وانكسارها بانغماسه في الغفلة ولهثه خلف الشهوات.
أمام هذه الملحمة التي خاضها عكرمة بن أبي جهل، دبّ الحماس في صفوف المسلمين، وحتى في نسائهم اللاتي خرج كثير منهنّ وانضممن للقتال، فزاد ذلك من قوة المسلمين، وكان من المجاهدات اللاتي سطرن ملحمة في هذا اليوم الرابع أم حكيم بنت الحارث بن هشام، زوجة عكرمة بن أبي جهل، التي رأت زوجها يقدّم روحه في سبيل الله، فخرجت للقتال وقتلت 7 من جند الروم بعمود خيمتها.. ولنا أن نقارن موقف هذه المرأة بموقف بعض بنات المسلمين في هذا الزّمان اللاتي تذوب الواحدة منهنّ بكلمات تسمعها من شابّ غارق في التفاهة والميوعة، بل يحقّ لنا أن نقارن هذا الموقف الذي وقفته هذه المرأة بحال كثير من شباب الأمّة الذين رضوا لأنفسهم بأن يعيشوا حياة الميوعة وصار التمايل والتغنج في الكلام والحركات سَمْتهم الأبرز!
في اليوم الخامس طالب الروم بهدنة مؤقّتة، فرفضها خالد بن الوليد الذي قرّر أن يقلب ميزان المعركة من الدفاع إلى الهجوم، واستغلّ هبوب عاصفة رملية أرهقت الروم وشنّ هجومه الحاسم الذي كتب الله به النصر لعباده المسلمين.
انتهت المعركة، واستُشهد من المسلمين 3 آلاف، وقتل من الروم 70 ألفا.. وكانت هذه المعركة حدثا مدويا في العالم كلّه، انكسرت بعده شوكة الروم، واستقرّ الأمر بعده للمسلمين في أرض الشّام المباركة. وانطلق المسلمون بعده لفتح بيت المقدس، وبدأ حصارهم له في شهر شوال من نفس العام 15 هـ، وفُتح 5 أشهر بعده، في شهر ربيع الأول من العام 16هـ.
هكذا بذل سادة هذه الأمّة الغالي والنفيس لتعود أرض الشام إلى حضن الإسلام، وأرض الشّام أرض الأنبياء كانت مسلمة لأنّ الأنبياء كلّهم جاؤوا برسالة الإسلام، وينبغي أن تظلّ مسلمة حتى تكون في آخر الزّمان أرضا للملاحم التي يعيد فيها رجال الأمّة الآخرون سيرة رجالها الأوّلين، وتنكَّس فيها رايات الصهاينة والصليبيين وأهل الخذلان، وتعلو راية الحقّ والإيمان.
كلّ الأحداث التي يشهدها العالم هذه الأيام تدلّ على أنّ أرض الشّام ستكون مسرحا لأحداث عظام، والأمم كلّها تتهيّأ لهذه المعركة الفاصلة.. الأمّة المسلمة في آخر عهد الاستضعاف، وقريبا -بإذن الله- تكون المفاجأة وتنقلب الموازين.. واجبنا هو ألا نبقى في صفوف المتفرّجين، إنّما واجبنا أن نهيّئ أنفسنا لنكون أو يكون أبناؤنا على الأقل من رجال الأمّة ونسائها الذين يعيشون لدينهم وقضيتهم.. كلّ يوم نضيّعه من دون أن نراجع أنفسنا ونصلح أحوالنا وننظّم حياتنا ربّما يكون يوما يقرّبنا لأن نكون في صفوف الإخلاد إلى الأرض والخذلان.. الرّجال في أرض الشّام -خاصّة في الأرض المباركة- يهيّئون أنفسهم ليكونوا أنصارا لدين الله، ولا يليق بنا أن نصرّ على أن نظلّ صغارا بهمومنا.. ليس يليق في أيام يتهيأ فيها الصهاينة وتتهيأ أمريكا وأوروبا وروسيا والصين لخوض معركة النهاية، أن تكون غاية همّنا دنيا نصيبها، حقوقنا وحظوظنا من دنيانا ينبغي أن نسعى لتحصيلنا وتكون في أيدينا، لا في قلوبنا، وينبغي أن تكون البداية وليست الغاية والنهاية.. الدنيويون الذين يعيشون لمناصبهم وحظوظهم الفانية سيتّجهون ليحتموا بأمريكا التي تقول للناس في هذه الأيام بلسان الحال: “أنا ربّكم الأعلى”، أمّا أصحاب القضية فسيتّجهون ليحتموا بدينهم ويلجؤوا إلى ربّهم.