-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مرسوم الصفقات العمومية: ضريبة التسامح

بشير مصيطفى
  • 3662
  • 0
مرسوم الصفقات العمومية: ضريبة التسامح

صادق مجلس الوزراء في اجتماعه الأخير أول الأسبوع على مرسوم رئاسي – وصف بالجديد – لتنظيم الصفقات العمومية.

وأفاد بيان المجلس أن المرسوم المذكور يستهدف – في منظور منح صفقات الاستثمار العمومي – تحقيق الشفافية، محاربة الفساد وجزأرة الاستثمار. فهل يعني هذا أن القانون ساري المفعول المتعلق بالصفقات العمومية أخفق في تحقيق تلك الأهداف؟ ولماذا اللجوء الى مرسوم جديد، طالما أن الخطاب الرسمي للدولة وتصريحات الحكومة ظلت تشيد بسلامة المسار التنموي للبلاد طيلة العشر سنوات الأخيرة؟ وهل لنا أن نطمئنّ على غلاف مالي يفوق ربع الترليون دولار هو نفسه حجم الاستثمارات العمومية التي اقترحتها الدولة للسنوات الخمس القادمة؟

آفة النزيف من العملة الصعبة

جاء في تقرير أخير لمركز “قلوبل فايننس انتجريتي” – النزاهة المالية العالمية، ومقره في واشنطن، أن ثلاث دول إفريقية تتقدم القارة السمراء في تهريب ما يزيد عن ألفي مليار دولار من العملة الصعبة منذ العام 1972 أي بمعدل سنوي قدره 50 مليار دولار، وأن التحويلات إلى المؤسسات البنكية الخارجية لامست 854 مليار دولار خلال نفس الفترة أي بمعدل سنوي قدره 21 مليار دولار. وتحتل الجزائر ـ حسب التقرير ـ الرتبة الثالثة وتسبقها نيجيريا ثم مصر العربية. وإذا علمنا أن عدد الدول الافريقية المستقلة يبلغ 53 دولة، فمعنى ذلك أن بلادنا تشكو من نزيف حاد للعملة الصعبة يصعب تقدير درجته في الوقت الحاضر، بسبب غموض المعلومات المالية وغياب نظام إحصائي للمعلومة الاقتصادية، ولو أن التقديرات تستبعد أن يقل المبلغ عن 45 مليار دولار خلال الأربعين سنة الأخيرة. وربما زاد المبلغ عن هذا السقف، بالنظر إلى حجم الاستثمارات العمومية خلال العشر سنوات الأخيرة وإلى تصريحات سابقة كان أدلى بها رئيس وزراء أسبق والتي اقترنت بفضيحة 26 مليار دولار. ومهما كان حجم المبالغ المهربة، فإن الترتيب المذكور يعد بمثابة إشارة حمراء عن التجاوزات في حق الاقتصاد الوطني الذي مازال يعبر عن حاجته لمزيد من رؤوس الأموال لتلبية الطلب الداخلي من الاستثمارات المباشرة. ويعد تهريب العملة الصعبة من أكثر أساليب الإضرار بالتنمية الوطنية تطورا، لأنه يستخدم حيلا لا تخطر على بال، وفي حالة الدول الأقل نموا تتفنّن الشركات الأجنبية في ممارسة تلك الحيل تحت غطاء قوانين الاستثمار وتلك المتعلقة بتدابير تحويل الأرباح والتي غالبا ما تحتوي على فراغات تشريعية.

ونفهم من بيان مجلس الوزراء ـ ضمنيا ـ أن واضعي السياسات في الجزائر أبدوا تسامحا واسعا مع الأجانب خلال الفترة السابقة ومنذ شهر أوت من العام 2001 تاريخ المصادقة على قانون الاستثمار المعدل؛ تسامح أفرز في وقت وجيز “تحالفات” مالية استراتيجية بين بعض الشركات الأجنبية ونظيرتها الوطنية، لاسيما في بعض القطاعات الكبرى.

 

دول مرشحة للنشوء وفساد كبير

الدول الافريقية الثلاث المعنية بحجم تهريب العملة تشترك في خصائص مهمة، منها أنها دول مرشحة للنشوء في الداخل الافريقي، ذات حجم سكاني مهم مما يزيد من مستوى الطلب الداخلي، وأنها تعتمد في إنفاقها العمومي على واردات الريع من المواد الأولية والقطن والسياحة حسب كل دولة. دولة افريقية واحدة فقط من الدول المرشحة للنشوء وهي جنوب افريقيا، تأخرت في الترتيب على سلم تهريب الأموال بسبب نظامها السياسي المتطور وحاكميتها المدروسة بعد مرحلة »الأبرتايد«، ولذا من السهل أن نفهم كيف دخلت جنوب افريقيا محفل مجموعة العشرين وظلت نظيراتها الأخرى تحصي أموالها المهربة. ويأتي المرسوم الجديد للصفقات العمومية منبّها إلى أن تسامح الدولة مع ملفات الفساد وتهريب العملة حقيقة تاريخية وقد آن الأوان لضبط التدفقات النقدية العمومية على إيقاع المحاسبة والجزاءات وتطبيق القانون بصرامة ودون تمييز، ودون ذلك لا يمكن أن تتحقق فرضية “الدولة الناشئة” بالنسبة للجزائر أو لغيرها من الدول التي مازالت تشكو من صعوبات في تطبيق الشفافية ومعايير الحكم الصالح. صحيح أن للجزائر ميزات نسبية في مجال الإنفاق العمومي وهي من الدول القليلة التي اعتمدت خلال عشر سنوات ثلاثة برامج طموحة للتنمية بغلاف مالي لامس 300 مليار دولار، ها نحن نتلمس بعض انعكاساتها الإيجابية على مستوى البنى القاعدية وأهداف الألفية للأمم المتحدة، إلا أن ذلك لا يكفي مادامت الصفقات العمومية مسرحا آخر للفساد وتهريب المال العام وهدر الموارد وتحقيق أرباح إضافية للبرجوازية الصغيرة التي هي في طور التشكل. ومعلوم أن الفساد الكبير هو توأم صديق للمشروعات الحكومية الكبرى ومقيد جيد للتوسع الاستثماري وعامل ممتاز من عوامل انحلال الثقة بين الحكومة والمواطنين. وفي فرنسا ـ مثلا ـ يستعد الرئيس ساركوزي لأن يخطب في الأمة على خلفية قضايا فساد. ولهذا من السهل علينا في سياق البحث عن حلول لمكافحة الفساد، أن نفهم نية السلطات العمومية الواضحة من خلال المرسوم الأخير المنظم للصفقات العمومية ولكن في حدود الإرادة التي نأمل أن ترافق النوايا وفي حدود التنفيذ والمحاسبة والمتابعة التي نأمل أن ترافق الارادة. 

الخطاب الرسمي وأدوات الشفافية

في كل مرة تتفنّن الكلمات في صياغة خطابات رسمية مليئة بالأمل وبالحزم الذي تعرف به الدول، وفي كل مرة أيضا يخيّب بعض الأمل لدى متعاملي القطاع الخاص وهم يبحثون عن الشفافية في منح الصفقات العمومية. وبالفعل ظلت الشفافية هي الأخرى شعارا للدولة، في حين قادت الممارسات على مستوى خطط التنمية المحلية الى ثقافة “تقاسم الريع” ولو بالتراضي وتجاوز قانون الصفقات الحالي نفسه، على الرغم من فراغاته الكثيرة، وإلا ما معنى أن تعمد السلطات إلى الزيادة في عدد لجان الصفقات العمومية في المرسوم الجديد. قد يكون ذلك مفيدا في الرقابة على منح المشروعات من باب تعدد مراكز القرار وهذا جيد ويدل على اعتراف رسمي بمحدودية عمل اللجان الأولى ويدفع في اتجاه شفافية أقوى. ويبقى نظام المعلومات الاقتصادية على المستوى المحلي رهانا آخر أمام متعاملي القطاع الخاص الصغار والذين لا يملكون نفوذا كافيا للوصول إلى بيانات الأسعار والكلفة واتجاهات السوق والدراسات، وهي أدوات مكملة لمبدإ الشفافية. أما عن الجزأرة وأولوية الداخل عن الخارج، فقد يخدم رأس المال الوطني الباحث عن الاستثمار فقط إذا تمكن من توطين التكنولوجيا والرفع من إنتاجية رأس المال والعمل معا واحترام آجال التنفيذ وانتقاء الشريك الأجنبي الجدي والذي لا يفرض شروطا رأسمالية تقليدية. وفي هذه الحالة، أثبتت وقائع السوق أن لاعبين جددا قد دخلوا حلبة الشركات الأجنبية، وربما استفادوا من تدابير مرسوم الصفقات العمومية الجديد في نفس الوقت الذي قد تبدي فيه الشركات التقليدية قلقها من سياسة جديدة بدأت البلاد السير فيها ولكن على خلفية الفضائح والإخفاقات السابقة مع كل أسف.

لنا أن نطمئن، إذن، على استثمارات حجمها أكثر من ربع ترليون دولار إذا ما تحول الخطاب الرسمي فعلا إلى ممارسات شفافة على المستوى المحلي وإلى ثقافة جديدة لتنمية قائمة على المصلحة الوطنية بدل مصالح الجماعات. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!