مزاجية محيرة!
المزاجية التي أصبح عليها مواطنونا تثير الحيرة والقلق حقا، تجدها على المستوى الرسمي لدى أعلى مسؤول، كما تجدها على المستوى الشعبي لدى كافة الفئات. ظاهرة لديها تفسيرٌ واحد، وهو أن المجتمع يعيش حالة اضطراب وقلق في الجبهة الاجتماعية، ناتجة عن حالة قلق واضطراب على أعلى المستويات. وعلاجها ليس في إلقاء اللوم على ذلك الشاب الذي كما قد يتصرف معك بكل أدب واحترام وأنت تركن سيارتك لتذهب إلى الشاطئ، يمكن أن يتصرف بمنتهى الخشونة والعنف يصل إلى حد الاعتداء… كما أن علاجها ليس في توفير مزيد من الحماية الأمنية حيثما حللنا، باعتبار أن مزاجية السلوك إنما هي في كل مكان، وفي كل مستوى، بل أنها قد تطال حتى القائمين على الأمن، رغم محاولات ضبط النفس، والتصرف بمقتضيات الحكمة والقانون.
علاجها لن يكون سوى بعيد المدى، وبداية من أعلى المستويات، لكي يحدث الانعكاس المباشر على المستويات الدنيا. لا يمكن أن نطلب من المجتمع أن لا يتصرف بمزاجية وهو يرى وزراء أو ولاة أو مسؤولين وحتى أساتذة يتصرفون بمزاجية، من غير خوف من قانون أو احترام لعادات وتقاليد، ناهيك عن الأخلاق.
علاج هذه الحالة يحتاج إلى إعادة النظر في منظومة حكم برمّتها، ووضع حد لتسييرها وإدارتها بالطريقة المزاجية المعروفة، بعيدا عن لوم شاب تصرّف كما يحلو له ليبتزّ مواطناً عند الشاطئ، وعدم لوم وزير أو وال أو مسؤول مرموق يقوم بذات السلوك على نطاق واسع.
إننا نتفق جميعا أن ما نراه من سلوك اجتماعي أمر غير مقبول، منفر وباعث على القلق، ولكن علينا أن نتفق أيضا أن ذلك ما هو إلا محصلة اختلالات عديدة تمت على المستوى الكلي، في نمط التسيير الحكومي، وفي نوعية البرامج التعليمية، وطبيعة القيم التي يتم تربية الناشئة عليها. علينا أن نتفق أن الحالات المزاجية التي تنتابنا بين الحين والآخر، إنما هي انعكاسٌ مباشر لطبيعة منظومة حكم قائمة على هذا المبدأ، نشرت عدواها على الجميع. وبعدها فقط يمكننا الحديث عن الأمل في الخروج من هذه الحالة المزاجية، ليس بإلقاء اليوم على هذا الشاب أو ذاك، وهو يتصرف بمزاجية في هذه الحالة أو تلك، إنما على ما يمكننا أن نقوم به على مستوى الإصلاح السياسي الحقيقي القادر وحده على تمكيننا من إصلاح كافة منظوماتنا الفكرية والتربوية والاجتماعية…
في هذه الحالة بالذات، ينبغي ألا نلوم الجزء ونبرئ الكل، لأننا إذا فعلنا، نكون كمن انتقد مزاجية شاب، وتغاضى عن مزاجية وزير…