مساومات الربع ساعة الأخير
لو أن السيد سلال كان صادقا في ما قاله بشأن ترشح الرئيس بوتفليقة، لكان الأمر قد حسم بترسيم الترشح أمام الصفوة من رجال الدولة، وأحزاب السلطة ومشتقاتها من المجتمع المدني، بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد العمال كما أوحى بذلك الوزير الأول، بل إن بعض الصحف قد أسر للجزائريين بأن خطاب الترشح قد سجل، وأطلعت على مدته: 38،4 دقيقة، وكشف لها عن أكثر مضامينه، لكن الذكرى مضت بتلاوة رسالة أخرى للرئيس تجاهلت بالعرض والطول الحدث الذي يشغل الناس، فيما ظهر الرئيس بحالة صحية مقبولة، وهو يستقبل ضيفا من الكويت، لتتجدد لعبة القط والفأر التي تديرها جهة ما، لغاية ربما لم تعد خفية.
لنذكر ببعض الحقائق التي لا تنكر، أولاها: أن النظام قادر على تحمل تبعات دعم عهدة رابعة، حتى لو كانت الحالة الصحية للرئيس لا تسمح له الوفاء بالحد الأدنى من واجبات المرشح، شريطة أن يوافق.
ثانيها: أن المعارضة ليست في وارد مضايقة النظام، سواء شارك الرئيس في الحملة، أم لم يشارك، وأغلبها اعتبر في وقت مبكر أن اللعبة سوف تغلق مع ترسيم ترشح الرئيس، لتكون المعارضة قد تجاهلت دور المواطن الناخب كما تجاهله النظام، أو لأنها قد سلمت مسبقا بعجزها في اقناع المواطن والاستعانة به.
ثالثها: أن الرئيس “بريء” حتى الآن مما نسب وينسب له بشأن الرغبة في الترشح، لأنه في اعتقادي سبق له أن برأ ذمته، وقدم أكثر من قرينة، منذ خطاب سطيف، على أنه ليس له رغبة أو مصلحة في عهدة رابعة.
رابعها: أن المؤسسة العسكرية، وعلى خلاف ما حصل سنة 2004، لم تكشف عن أي ميل، لا لدعم العهدة الرابعة أو لمعارضتها، حتى بعد خروج “مسلسل سعيداني ـ توفيق” عن الحدود المسموح بها، بل اضطرت مرة أخرى إلى استعمال خدمات لويزة حنون لإيصال رسالة “النأي بالنفس”، وجاء خروج السيد مولود حمروش عن الصمت، ليؤكد ان رسالة مماثلة قد بلغته تحت الطاولة.
والحال كيف تفسر مغامرة الوزير الأول بإعلان ترشح الرئيس، وتحرك مصادر من الرئاسة لتغرق الصحف بتسريبات، أعطت انطباعا قويا على أن الرئيس يكون قد حسم الأمر لجهة الترشح؟
مع الأخذ بعين الاعتبار الحقائق المنوه بها أعلاه، نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن أركان النظام قد فشلوا في إقناع محيط الرئيس بجدوى الخطة البديلة، التي كانت تراهن على ترشح السيد مولود حمروش، مع ضمانات للقوى التي تخشى على مصالحها، وتتخوف من الانتقام حالما يغادر الرئيس المرادية، أو أن هذه الجهات إنما أرادت ممارسة الضغط، والابتزاز بورقة ترشيح الرئيس رغم أنفه، من أجل كسب مزيد من الضمانات، وأغلب الاعتقاد أن هذه الفرضية تكون هي الأقرب إلى التصديق، وهي في الأعم الأقل كلفة بالنسبة للنظام من سيناريو كارثي، قد يقود أنصار العهدة الرابعة إلى المقامرة على طريقة “علي وعلى أعدائي”.