-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مستثمرون حائرون وثروة تحترق

بشير مصيطفى
  • 7302
  • 5
مستثمرون حائرون وثروة تحترق

ضرب كفا بكف وقال : “خدعوني عندما وعدوني وها أنا أدفع ثمن ثقتي في خطاب السلطات” . بهذه العبارات لخص مستثمر خاص معاناته مع تجربة الاستصلاح الفلاحي في الجنوب، معاناة تحكي تفاصيل بعض ما يواجه برامج الدولة الإنمائية من عقبات حقيقية.

  •   
  • وعندما نكتشف أنها عقبات مفتعلة وغير مؤسسة على مبررات موضوعية ندرك أن بعض السلطات المحلية فشلت في مواكبة الخطاب الرسمي للدولة.  فما حكاية هذا المستثمر الحائر؟ وما الدروس المستفادة من هذه الحالة من منظور تنمية الجنوب ومعه الثروة الخضراء. 
  •  
  • الاستثمار الضائع 
  • استصلح مساحة لا تقل عن 50 هكتارا هناك في بلدية “زلفانة” بالجنوب. استثمر في إنتاج 1700 شجرة مثمرة من النخيل الجيد. لم يلجأ للبنوك ولا لقرض “الرفيق” بل اعتمد تمويله الذاتي، وعندما بلغ استثماره مرحلة العطاء برزت لديه مشكلة الري. طلب العون من السلطات فظلت طلباته تتقاذفها الوعود لمدة 10 سنوات. أنفق ملياري (2) سنتيم في البحث عن الماء دون جدوى. معدات السقي أكلها الصدأ. وجه رسائل مفتوحة لأعلى السلطات ولا مجيب فما بقي لمستثمرنا غير التفرج على ثروة ضائعة نصفها مات فعلا والبقية تنتظر أجلها. والأغرب من هذا وذاك أن بئرا عمومية لا تبعد عن استثمار صاحبنا بأكثر من 800 متر لازال يرجو السلطات تخصيص جزء من مياهها لري الاستثمارات الفلاحية العطشانة ولكن لا أحد يفسر صمت السلطات خاصة وأن المشكلة تعني شريحة من المستثمرين لامست 60 فلاحا .
  •   
  • هاهي المبررات 
  • ربما كانت الحصة من مياه السقي المخصصة للفلاحين في البداية كافية ولكن مع شح مياه الآبار لم تعد كذلك. وربما توسع صاحبنا في الاستثمار لدرجة أنه تجاوز قدرة السقي المفترضة. وربما أخطأ  في دراسة المشروع فلم يأخذ بعين الاعتبار توقعات قدرات السقي بالمنطقة. 
  • وفي الحالة الأولى أيهما أقل كلفة؟ ضياع ثروة خضراء تغطي 50 هكتارا أم توفير المياه بما تملك الدولة من وسائل ؟  وفي الحالة الثانية أين دور الدولة في مرافقة المستثمر؟ وفي الحالة الأخرى كيف تعتمد السلطات المعنية مشروعا لم يستوف عناصر الدراسة الجيدة. وفي كل الأحوال أمامنا حالة من ضياع للثروة ربما تشكل نموذجا سلبيا عن الاستثمار بالجنوب وصورة معوجة عن أداء السلطات المحلية، ولا تحتمل التأجيل أو البحث في أسبابها وإنما تتطلب تدخلا مباشرا من الدولة لحلها قبل نهاية الموسم أي قبل الوقت الذي لا ينفع بعده أي حل.
  •   
  • غيض من فيض 
  • والحالة التي بين أيدينا واحدة من حالات عدة وربما هذه من أقل الحالات خطورة على موارد الدولة، فهناك مشاريع استهلكت الملايير من الدعم الفلاحي ولم تحقق شيئا بسبب مشكلات فنية أو ضعف المرافقة، وهناك مشاريع استهلكت ملايير من قروض البنوك ولا أثر لها على الأرض، وهناك مشاريع اعتمدتها السلطات المركزية ولم تتابعها الهيئات المحلية حتى أوشكت على الإفلاس ومعها إفلاس أموال الدعم الفلاحي وربما إفلاس أصحابها مثل مشروع تربية الأسماك هناك في “حاسي لفحل” الذي – بسبب ضعف المرافقة –  تجاوز التقديرات الأولية بأكثر من 3 مليارات بعد أن استهلك 8 مليارات من أموال الدولة وعشرات الهكتارات من الأرض ولازال ضائعا بين مكاتب الإدارة. 
  • ولو تفتح الدولة ملف الاستثمارات الخاصة بأموال الدولة الضائعة والمزيفة عبر الجنوب والهضاب لصعقت من هول النتيجة . 
  • والحديث عن مشكلات الاستثمار الوطني الخاص في شقه المنتج للثروة حديث ذو شجون لأنه يلخص لنا تاريخا طويلا من المعاناة والفوضى وهدر المال العام وسوء الإدارة، يتحمل المستثمر فيه جزءا من المسؤولية ولكنها مسؤولية مبررة؛ فالمستثمر الخاص الجزائري لم يكن يوما وليد البرجوازية كما هي الحال في الدول الرأسمالية، يفتقد إلى ثقافة المؤسسة المنتجة  ويعمل في غياب قطاع خاص منظم ومتضامن.  
  • أما الدولة كسلطة مركزية فقد حسمت في خيار دعم الاستثمار المنتج ومازال الخطاب الرسمي في كل مناسبة يلقي بالورود اليانعة إلى كل متعامل اقتصادي يحمل فكرة الاستثمار إلى درجة اتخاذ تدابير قوية لم تتخذها دولة أخرى في العالم مثل مسح ديون الفلاحين (بصفاتهم الحقيقية وغير الحقيقية). وخصصت الدولة للجنوب وحده  صندوقا كاملا عرف بصندوق تنمية الجنوب، يتغذى من الجباية البترولية بنسبة 2 بالمائة، ورصد له العام 2005  مبلغ 400 مليون دولار.  
  • ونظرت الدولة شرقا إلى الهضاب العليا وجنوبا إلى الصحراء الغنية بنفطها وشمسها، وضمّنت خطابها الرسمي إشارات تحفيزية لهذه المناطق المهمة. ولكن يبقى الميدان خير دليل على صدقية الخطابات والوعود والالتزامات المؤسسية أو على عدم جدواها. ميدان زاخر بالنماذج السلبية التي تحمّل السلطات المحلية قبل غيرها مسؤولية عدم مواكبة الخطاب الرسمي الدولة. واحد منها حالة المشروع الفلاحي الجزائري بمدينة “زلفانة” الجنوبية والذي استهلكت الدولة فيه  50 هكتارا من الأرض وتخسر المنطقة به 1700 شجرة نخيل مثمرة تشكل ثروة خضراء حقيقية – ليس من منظور دعم التصدير خارج المحروقات ولكن من منظور التوازن البيئي والتغذية الصحية أيضا – وخسر صاحبه  مليارين (2) من جيبه الخاص  والحل على بعد 800 متر منه، ليضرب في الأخير كفا بكف ويقول “خدعوني عندما وعدوني وها أنا أدفع ثمن ثقتي في خطاب السلطات”. 
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • الطاهر الزكراوي

    اين ردودي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  • reda

    very interesting article , I wounder how this happens in Algeria while authorities still calling for a Foreing Direct Investment??

  • بدون اسم

    very interesting article , I wounder how this happens in Algeria while authorities still calling for a Foreing Direct Investment??

  • reda

    very interesting article , I wounder how this happens in Algeria while authorities still calling for a Foreing Direct Investment??

  • هدى

    نشكر صاحب المقال على تسليط الضوء على مثل هذه الأمور ونتمنى أن يتطرق إلى مواضيع أخرى كإرتفغاع اسعار الإسمنت بالجزائر عكس ما يحدث في العالم وكذا أسعار السيارات وغيرها، فإغلاق السوق الجزائري لإبقاء الأسعار مرتفعة خطأ كبير ليس في مصلحة المواطن.
    والأهم أن يلقى صدى لدى المسؤولين ومندوبي الشعب كي يتحركو ويتركو أثرا على إيجابيا على أرض الواقع