مسنّات ينشطن عبر مواقع التواصل بهمة عالية وروح شبابية!
عندما تطرق مسامعها كلمة عجوز، أو امرأة مسنة؛ لن ترتسم في خيالنا سوى تلك الصورة النمطية عن مسنّات مجتمعنا، كتلة عتيقة انحنت قناتها وزهدت نواتها، وتفنّنت الأيام في رسم خرائط عبورها على محياها. تدبّ في نهارها بإيقاع بطيء لأجل عبادة تؤديها، أو أكل أو شرب أو بعض الأعمال الخفيفة في حدود استطاعتها، قبل أن تثوي إلى فراشها المهيإ على الدوام. أمّا نصيبها من الحياة الدنيا فقد صادرته الثقافة الاجتماعية؛ باستثناء ما لا يدرج في خانة المحظور على من تصفهم الأمثال الشعبية بـ ” تخطاهم الزمان وجاز وصاحبوا العكّاز” وبعبارة أخرى “رجلهم في القبر ” أو ” ياكلوا في القوت ويستناو في الموت”..
من خلال تواصلنا مع بعض المسنّات النشطات عبر مواقع التواصل الاجتماعي اتضحت لنا صورة مخالفة لمسنات نابضات بروح الحياة. لم يخلعن بالضرورة سيماء العتاقة، ولم يتجرّدهن من لباسهن الأصيل، ولم يضعن الباروكة مكان المَحْرَمَة، والبنطال مكان الفستان الفضفاض. بل واكبن العصر بعفوية وهمّة عالية دون حسابات لما يمكن أن يقال عنهنّ.
الفايس بوك أخرجني من وحدتي
الشعور بالوحدة والفراغ وغربة العصر هو القاسم المشترك بين معظم المسنين، فحتى لو كانوا يعيشون وسط أبنائهم وأحفادهم، يبقى هذا الشعور يلازمهم خاصة إذا فقدوا رفقاء دربهم الذين كانوا يوافقونهم في اهتماماتهم وتفكيرهم وربما أذواقهم ومواقيتهم في الأكل والنوم و يتجاذبون معهم أطراف الحديث دون ملل. بعضهن وجد الحل لمشكلته في مواقع التواصل الاجتماعي باحثا عن أنساء ينسونه مرارة الوحدة ولو كانوا افتراضيين.
الوضع ذاته عاشته الحاجة ” جميلة ” (71 عاما ) التي غير الفايس بوك حياتها حيث تقول : ” بعد وفاة زوجي منذ ست سنوات، أصبحت أشعر بالوحدة الخانقة، فابني الوحيد الذي يعيش معي ينصرف هو زوجته إلى عملهما، وطفلتيه تذهبان للمدرسة، بينما أبقى أنا وحيدة في البيت لساعات، أشغل التلفاز لأتابع بعض البرامج فأجد نفسي شاردة، لم أطق هذا الوضع، وأصبحت أرفع يدي في صلاتي، وأدعو الله أن يعجّل بانقضاء أجلي وإلحاقي بزوجي، وفي يوم من الأيام عادت كنّتي من عملها فوجدتني أبكي، فعرفت أنني أكابد قسوة الوحدة، لأنها كانت تلاحظ القلق الدائم علي، فاقترحت علي فتح صفحة في الفايس بوك، في البداية رأيت الاقتراح سخيفا جدا، لكن كنّتي كانت مصرّة على إقناعي بالأمر، وقامت بفتح حساب لي، وبدأت تعلّمني كيف أستخدمه، ولأنني بحمد الله لست أمية وأجيد اللغتين العربية والفرنسية تعلمت بسرعة ”
وعن شعورها بعد دخولها للعالم الافتراضي وتفاعلها معه تقول الحاجة جميلة : ” لم أعد اشعر بالوحدة لأنني أصبحت أتواصل مع ابنتي المتزوجة و إخوتي وزوجاتهم وأبناءهم بالكامرا، وأعرف أخبارهم اليومية وكأنني أعيش معهم، وأتواصل مع صديقات من جيلي وانضممت إلى مجموعات دينية وترفيهية ومجموعات خاصة بالطبخ والأشغال اليدوية ”
ملاذي وضالتي
وبهمة عالية تواكب بعض المسنات عصر التقنية، ويتعلمن مداعبة الأجهزة الذكية، والإبحار في عالم الانترنيت، وفي خضم كل هذا لا يمكن أن يفوتهن الانضمام إلى مجتمعات التواصل والتفاعل فيها على اختلافها. والنموذج مع ملكة الأرشيف ” مليكة ” وهي سيدة مسنة تشارف على الثمانين حسبما صرحت به لنا وتدير السيدة صفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي فايس بوك وتويتر والأنستغرام خاصة بالوثائق والبيانات والصور القديمة جدا، كصور المدن والشخصيات الوطنية والملابس والمعارك والمناسبات والملابس ..الخ
وتعتبر السيدة نشاطها هواية محببة إضافة إلى هوايتها المتمثلة في جمع الصور والطوابع البريدية والعملات والأغراض والقطع القديمة، وتقول : ” بيتي متحف صغير، فانا احتفظ بكل ما هو قديم بحب كبير وإخلاص، لديّ أشياء عمرها يقارب عمري، مذياع وساعة جدارية وصور وصناديق وعملات وطوابع وكراكيب أخرى، وعندما وصلتنا تكنولوجيا الانترنيت، وجدتها ملاذي وضالتي لممارسة هوايتي في البحث عن الصور والوثائق القديمة، ومشاركتها مع غيري، ولحد الآن جمعت المئات من الصور والوثائق التاريخية الهامة كلها محفوظة في ذاكرة هاتفي وأخرى في جهازي المحمول “
مرحات ولطيفات ولسنا خرفات
وإن كان الموقف الشائع في مجتمعنا إزاء نشاط مسنّة في مواقع التواصل الاجتماعي، هو الاستهجان والسخرية، واتهامها بالخرف وانتكاسة العقل، فبلا شك للمعنيات ما يدافعن به عن أنفسهن، من بينهن محدثتنا الأولى جميلة التي اعتبرت هذا الحكم جائرا وسلبيا وردّت بالقول: ” لم ارتكب عيبا ولا حراما، أنا استخدم الفايس بوك في التواصل مع أهلي وصديقات من جيلي ولسنا خرفات كما يشاع عنّا؛ نحن في كامل قوانا العقلية، مرحات ولطيفات ونتسلى ونتعلم الكثير من بعضنا”.
تقوي الذاكرة وتقلل من المشاعر السلبية
وفي الوقت الذي أطنب فيه الباحثون في الحديث عن مخاطر إدمان الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجر عنه من خمول واغتراب عائلي وإهمال للواجبات، كشفت دراسة كندية حديثة أجريت على عيّنة من المسنّين؛ أنّ استخدامهم لمواقع التواصل له نتائج ايجابية في تحسين ذاكرتهم وبالتالي حمايتهم من الإصابة بالزهايمر.
من جهة أخرى أكدت دراسة أجرتها جامعة “إكزتر” البريطانية أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في تقليل الشعور بالوحدة والاكتئاب لدى كبار السن، فضلا عن مساعدتها لهم في التغلب على أمراض مزمنة مثل السكري، وضغط الدم المرتفع..