مشروع المالية لـ2026.. هل يحقق متطلبات الميزانية المفتوحة؟
يُعدّ مشروع قانون المالية الإطار القانوني والاقتصادي الأساسي الذي ترتكز عليه الدولة في ضبط توازناتها المالية وتوجيه سياستها الاقتصادية والاجتماعية، فهو ليس مجرد وثيقة تقنية لتقدير الإيرادات والنفقات، بل يمثل الأداة الاستراتيجية لتجسيد الرؤية الحكومية في تعبئة الموارد المالية وتوزيعها على مختلف القطاعات بما يضمن الاستمرارية المؤسسية للدولة وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
ويُجسّد مشروع قانون المالية الرابط الحيوي بين السياسات العامة والأهداف التنموية، إذ تتوقف عليه قدرة الدولة على تمويل المرافق العمومية وتغطية النفقات التشغيلية والاستثمارية، وتلبية الحاجات الاجتماعية للمواطنين في مجالات التعليم والصحة والإسكان والنقل والطاقة. كما يُعَدّ الرافعة الرئيسية لتمويل البرامج الاستثمارية الكبرى التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات وتحفيز النمو.
وبناءً عليه، فإن مشروع قانون المالية يُمثل في جوهره أداة حوكمة مالية تحدد كيفية تعبئة الموارد وتخصيصها بكفاءة، بما يعزز فعالية الإنفاق العمومي ويُسهم في تحسين نوعية الخدمات العمومية ورفع مستوى معيشة المواطنين.
وفي هذا الإطار، تكتسي مناقشة مشروع قانون المالية والميزانية لسنة 2026 أهمية خاصة، بالنظر إلى التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجهها الجزائر، وجهودها في عصرنة النظام الميزانياتي وتكييفه مع متطلبات الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية، بما ينسجم مع المعايير الدولية في مجال الميزانية المفتوحة.
-الإطار القانوني والمؤسساتي لإعداد الميزانية: يستند إعداد مشروع قانون المالية إلى القانون العضوي رقم 18–15 المتعلق بقوانين المالية، والذي شكّل نقلة نوعية في إصلاح الإطار التشريعي للمالية العامة في الجزائر. فقد أدخل هذا القانون مقاربة جديدة تقوم على ميزانية البرامج والأداء بدل ميزانية الوسائل، بهدف تحسين نجاعة الإنفاق وربط التمويل العمومي بمؤشرات النتائج والفعالية الاقتصادية والاجتماعية.
وتعمل وزارة المالية، في ضوء هذا القانون، على تحديث آليات إعداد الميزانية، بالاعتماد على أنظمة معلومات مالية رقمية، واعتماد تخطيط متوسط المدى للإنفاق يأخذ في الحسبان الأهداف التنموية والأولويات الاستراتيجية للدولة. كما سمح هذا الإطار الجديد بتعزيز شفافية المالية العمومية من خلال توسيع نطاق النشر الدوري للبيانات والتقارير المالية.
-نحو حوكمة مالية حديثة: تُعتبر الحوكمة المالية أحد الأعمدة الأساسية للإصلاحات الاقتصادية في الجزائر، إذ تسعى السلطات العمومية إلى ترسيخ ثقافة الكفاءة في استخدام الموارد العامة وتعزيز آليات المساءلة المالية.
وفي هذا السياق، تم إطلاق برامج لتطوير القدرات المؤسساتية وتحسين التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية، وتحديث أدوات التخطيط والبرمجة، بما يُمكّن من تتبع تنفيذ الميزانية وتقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
كما يشهد النظام المالي الجزائري تحولًا رقميًا متسارعًا يهدف إلى تعزيز الشفافية وتحسين دقة المعطيات المالية، لاسيما عبر اعتماد نظم رقمية موحدة لمتابعة تنفيذ الميزانية، مما يتيح رؤية آنية لمستوى تنفيذ النفقات والإيرادات، ويُسهم في الحد من الاختلالات وتحسين المردودية المالية.
-الشفافية والميزانية المفتوحة: تُعدّ الميزانية المفتوحة (Open Budget) إحدى الركائز الحديثة في إدارة المالية العامة، إذ تقوم على مبدأ الشفافية في نشر المعلومات المالية وإشراك المواطنين في العملية الميزانياتية عبر مختلف مراحلها: الإعداد، المناقشة، التنفيذ، والتقييم.
وقد خطت الجزائر خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال تعزيز الإفصاح المالي عبر المنصات الرقمية التابعة لوزارة المالية، وتمكين الباحثين والإعلاميين والمجتمع المدني من الإطلاع على البيانات المالية الرسمية وتقارير التنفيذ.
غير أن تحقيق الانفتاح الكامل للميزانية يقتضي توسيع دائرة المشاركة المجتمعية، وإشراك الخبراء والجمعيات المهنية والاقتصادية ومنظمات المستهلكين في النقاش العمومي حول الأولويات المالية والاقتصادية، بما يُسهم في توجيه السياسات العمومية نحو تلبية الحاجات الحقيقية للمجتمع وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
التحديات والآفاق: رغم التقدم الملحوظ في تحديث المنظومة المالية، لا تزال هناك تحديات هيكلية تعيق الوصول إلى نموذج متكامل للميزانية المفتوحة، ومن أبرز هذه التحديات:
** الحاجة إلى تحسين جودة البيانات المالية المنشورة وضمان توفرها في الوقت المناسب.
**محدودية قنوات التواصل المنتظمة بين الحكومة والمجتمع المدني حول السياسات المالية الكبرى.
**ضرورة ترسيخ ثقافة تقييم الأداء المالي في مختلف المؤسسات والإدارات العمومية.
ومع ذلك، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يأتي في سياق وطني يتّسم بتعزيز الإصلاحات الاقتصادية وتوسيع فضاءات النقاش البرلماني والإعلامي حول أولويات التنمية، ما يُؤهله ليكون خطوة جديدة نحو تكريس حوكمة مالية رشيدة ورفع مؤشرات الشفافية والانفتاح المالي.
أخيرا، إن تحقيق مقتضيات ومتطلبات الميزانية المفتوحة يستوجب انخراط فاعل لمكونات المجتمع المدني في العملية الميزانياتية، خاصة الجمعيات المهنية المتخصصة في الشأن الاقتصادي والاستثماري، وجمعيات الدفاع عن المستهلكين، وجمعيات التجار، باعتبارها شريكًا مؤسسيًا يعبّر عن تطلعات الفئات المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
ويُفترض أن تكون هذه الفواعل جزءًا من النقاشات الواسعة حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، حتى لا تظل المناقشة محصورة في الإطار التقليدي للعلاقة الوظيفية بين البرلمان والحكومة فقط.
وفي هذا الإطار، يُسجّل الدور الإيجابي الذي يضطلع به الإعلام الجزائري من خلال متابعته الدقيقة لمراحل إعداد ومناقشة مشروع قانون المالية 2026، وتغطيته الواسعة التي تسهم في نشر الوعي المالي والاقتصادي وتعزيز ثقافة المشاركة والشفافية، بما يجعل من الميزانية قضية وطنية بامتياز تمسّ حاضر ومستقبل التنمية في الجزائر.