-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في فضيحة التلاعب بفواتير السيارات المستوردة.. القاضي يواجه المتهمين:

مصالح الرقابة اللاحقة للجمارك لم تحافظ على أموال الدولة

نوارة باشوش
  • 6136
  • 0
مصالح الرقابة اللاحقة للجمارك لم تحافظ على أموال الدولة
أرشيف

فضحت جلسة محاكمة الفساد المتعلقة بـ”السيارات المستوردة والتلاعب بالفواتير مع التهرب الضريبي”، المتابع فيه إطارات الجمارك ومن معهم، الغياب الكلي لدور مصالح الرقابة اللاحقة أو البعدية لجهاز الجمارك بميناء الجزائر، الذي كان بإمكانه تفادي تبديد الملايير من الدينارات في عمليات مشبوهة لاستيراد مركبات عن طريق تزوير وتخفيض القيمة المصرح بها، واستعمال نفس المراجع أكثر من مرة لجمركة سيارات سياحية فخمة، ناهيك عن التصريح الكاذب بخصوص الحالة والوضعية الحقيقية للمركبة، إذ من المفروض أن تمارس مهامها المتعلقة بالتدقيق في الملفات ومراجعة التصريحات الجمركية لهذه السيارات، والتي تم جمركتها وتم رفعها من مساحات الإيداع الجمركي، إن كانت مطابقة للنصوص التنظيمية وكذا نوعها وقيمتها ومدى مطابقتها للتصريحات المقدمة.
وبلغة القانون، فإن التصريحات الجمركية منخفضة القيمة يمكن مراجعتها وإعادة التقييم بواسطة مصالح أخرى مخولة طبقا للمرسوم 18 ـ 188، وأن هذه المهام من الصلاحيات الحصرية للمديريات الجهوية للرقابة اللاحقة، ومنه، فإن تصفية التصريحات الجمركية من طرف المفتشين هي مراقبة حينية وفق ما تم التصريح به من طرف أصحاب السيارات طبقا لنصوص المواد 10 ـ 14 ـ 16 من قانون الجمارك.
وقد واصل قاضي الفرع الرابع لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي استجواب إطارات الجمارك المتابعين في ملف الحال، حيث أنكر المتهم “ل. خالد”، مفتش تصفية للجمارك جميع التهم الموجهة إليه.
القاضي: أنت متابع بجنح التبديد العمدي للأموال، التخفيض غير القانوني للرسوم والحقوق وإساءة استغلال الوظيفة..ماذا تقول؟
المتهم: أنكرها تماما سيدي الرئيس .
القاضي: أنت مفتش للجمارك بميناء الجزائر؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس، مفتش تصفية للجمارك، حيث التحقت بالمفتشية الرئيسية للأنظمة الخاصة بميناء الجزائر خلال سنة 2020 إلى غاية أفريل 2021.
القاضي: ما هي مهامك؟
المتهم: مهامي تتمثل في الرقابة الآنية للتصاريح الجمركة للسيارات، الأمتعة الخاصة ومن ثمّ، تحصيل الرسوم والحقوق الجمركية المترتبة عنها، وأقوم باستلام الملف الجمركي الخاص بموضوع التصريح بأمر من رئيس مصلحة الأنظمة الخاصة بميناء الجزائر ومن ثمّ، يقوم بفحص الوثائق المرفقة بالملف، والمتمثلة في شهادة المطابقة، شهادة التسجيل المؤقت للمركبة، فاتورة الشراء، جواز السفر الخاص بالمالك، وصل الخروج الخاص بالشرطة، هذا فيما يخص ملف السيارة، أما فيما يتعلق بملكية السيارة، فيتم إتباع النظام الجمركي المعتمد المتمثل في رخصة المجاهد، تحويل الإقامة أو الشخص الطبيعي.
القاضي: أنت قمت بتصفية وجمركة 15 ملفا وتسبّبت في خسائر تقدّر بـ4 ملايير و300 مليون سنتيم للخزينة العمومية، حسب تقرير الخبرة القضائية، كيف تم تحديد القيمة المالية للمركبات المستوردة؟
المتهم: سيدي الرئيس، تحديد القيمة المرجعية للمركبات المستوردة من طرف الخواص يتم وفقا للمادة 16 من قانون الجمارك، حيث أن الجمركة تتم عبر نظامين، إما مع مرافق عبر بواخر المسافرين أو شحن البضائع، سواء عن طريق الحاويات أو عبر سفن نقل البضائع، والسيارات التي بدون مرافق يتم التصريح بها من قبل وكيل العبور، الذي يستلم الملف من الشخص المستورد ويتولى تحرير التصريح عبر نظام SIGAD ، ثم يضع الملف تحت تصرف المفتشية الرئيسية للفضائل.
وتابع المتهم تصريحاته: “أنا أتأكّد من مقبولية الملف من الناحية الشكلية، أولا من سلامة السيارة ومطابقتها للمواصفات المذكورة في الوثائق، ثم أقوم بمعاينة الفاتورة من حيث الشكل والقيمة، والتي تكون محل سلطتي التقديرية والاستعانة بطرق التحكم، وفي حال ما إذا كانت قيمة الفاتورة منطقية وسليمة، يتم قبول الملف، أما في حالة الشك في قيمة الفاتورة، فأقوم بتحويل الملف إلى الرقابة الملاحقة من أجل التأكّد من القيمة.
القاضي: كيف يتم تحديد قيمة المركبات المستوردة.. على ماذا تعتمد؟
المتهم: سيدي الرئيس، تحديد قيمة المركبات المستوردة من طرف الخواص تكون عن طريق مطابقة السيارة مع سيارات أخرى من نفس النوع أو مشابهة لها في الخصائص مع مراعاة بلد المنشأ، الحالة العامة للسيارة وفي حال عدم توفر المعايير السابقة، فإنني ألجأ إلى قاعدة البيانات الخاصة بها والمتمثلة في الأنترنت للقيمة في السوق الداخلي “واد كنيس” وذلك عملا بنص المادة 16 من نفس القانون ولكل مفتش طريقة عمله.
القاضي: لكن من أين تتحصلون على القيمة الحقيقية للسيارات؟
المتهم: أنا قمت بمراجعة قيمة بعض المركبات التي راودتني شكوك حول قيمتها وقمت برفع قيمتها وفق الطرق التي ذكرتها، كما أنه واستنادا لنص المادة 16 مكرر 1 من قانون الجمارك، فإنني أقوم بتحديد القيمة بناء على القيمة التعاقدية وهو السعر المدفوع فعلا أولا، وثانيا ألجأ إلى طرق تحكيم وهي طريقة التطابق، طريقة التماثل، الطريقة الاقتطاعة، الطريقة التحليلية وهي تخص السلع فقط بدون المركبات، وبالمقابل، أتصفح الأنترنت وأدخل إلى مواقع بيع السيارات للإطلاع على الأسعار الخاصة بها مع التركيز على بلد المنشأ في حال الشك في قيمة الفاتورة، كما أقوم، في بعض الأحيان، بالاتصال بزملائي للاستعانة بخبرتهم في الميدان، وذلك من أجل تحديد قيمة المركبات المشابهة وعلى إثرها، أقوم بمراجعة القيمة واعتمادها.

القاضي: قمت بتصفية ملفات جمركية لـ15 سيارة؟
المتهم: سيدي الرئيس، عند الضبطية القضائية قالوا لي 15 ملفا وعند قاضي التحقيق واجهني بـ12 ملفا…في الحقيقة قمت بتصفية ملفات جمركية لعدة سيارات من نوع toyota land cuiser سنتي 2020 و2021 والقيمة المصرح بها والمدرجة على فاتورة الشراء 31 ألف و750 دولار وهي مختلفة، وأنا قمت بمراجعة القيمة المصرح بها ورفعها إلى 40000 دولار، بالاعتماد على طريقة المطابقة، وذلك بحكم وجود عدة ملفات تخص نفس النوع من هذه السيارة إضافة إلى بلد المنشأ.
القاضي: لماذا لم تعتمد على الدليل الدولي المرجعي لأسعار السيارات ARGUS لتحديد القيمة الحقيقية للمركبات؟
المتهم: لم يكن موجودا على مستوى المصلحة وقتها، كما أن هذا الدليل لا يطبّق على السيارات القادمة من دبي.
بالمقابل، واجه القاضي المتهم “ب. نور الدين”، مفتش تصفية للجمارك، حول جمركة 5 سيارات، كبّد من خلالها الخزينة العمومية مليار و900 مليون سنتيم من خلال تخفيض جمركتها بنسبة تتراوح ما بين 28 إلى 66 بالمائة، حيث أنكر المتهم جميع الوقائع وقال إنه اعتمد في تحديد الأسعار على مواقع الأنترنت بالتقارب زائدTVA ، وأكد أنه لم يرجع إلى الدليل الدولي المرجعي لأسعار السيارات ARGUSفي تحديد قيمة السيارات لأنهم لم يتحصلوا عليه وقتها والمصلحة لم تزوّد به أصلا، آنذاك.

هكذا كانت تتم تصفية الملفات والتخفيض من سعر السيارات
القاضي يدقق ويفصل مع مفتشي تصفية التصريحات الجمركية المتابعين في ملف الحال حول الثغرات التي تسبب فيها هؤلاء للخزينة العمومية، نتيجة جمركة السيارات بقيم منخفضة والتلاعبات الكبيرة التي تمت بصفة خاصة في المركبات الفاخرة، الهدف منه هو التخفيض غير القانوني في الرسم المستحق عن طريق إدراج وثائق غير أصلية بداية من فاتورة الشراء التي تحوي قيما مخفضة، وكذا شهادة المطابقة التي تحمل الخصائص التقنية للمركبة.
ووجها لوجه مع مفتشي التصفية للجمارك، حاصر رئيس الجلسة كل متهم في قضية الحال بجميع السيارات التي قام بجمركتها وتخفيض قيمتها حسب تقرير الخبرة القضائية التي أمر بها قاضي التحقيق لدى القطب الاقتصادي والمالي، إذ واجه المتهم الموقوف “ي. نورالدين” بتصفية ملفات 5 سيارات منها الفاخرة على شاكلة “رونجروفير”، وتخفيض رسومها مما تسبب في خسارة تقدر بمليار و900 مليون سنتيم للخزينة العمومية، فيما تولى المفتش “ب. عبد القادر” تصفية 9 ملفات والتخفيض من قيمتها ما أسفر عن ثغرة مالية تقدر بأزيد من 2 مليار و900 مليون سنتيم .
القاضي يواصل مواجهة المتهمين ويسأل مفتش التصفية “ر. علي”، عن الأسباب التي دفعت به إلى تخفيض القيمة الحقيقية لـ13 مركبة، تسبب من خلالها في تكبيد الخزينة العمومية خسارة 4 مليارات و468 مليون سنتيم، مقابل خسارة تقدر بـ2 مليار و360 مليون سنتيم، تسبب فيها المتهم “س.فارس” خلال تخفيض الرسوم في 13 ملفا، فيما تولي مفتش التصفية “ح.عثمان” تصفية 11 ملفا من ملفات محل التحقيق ونتج عن القيم التي قبلها والتي تبتعد عن القيم المرجعية حقوق غير محصلة لفائدة الخزينة العمومية قدرتها الخبرة بـ2 مليار و891 مليون سنتيم.
أما المفتش “ب.خلف الله”، فقد قام بتصفية 4 ملفات ومن خلال تخفيض قيمة السيارات المستوردة تسبب في خسارة تقدر بأزيد من 820 مليون سنتيم، فيما تولّى المتهم “ك.نسيم” تصفية 62 ملفا من الملفات محل التحقيق، حيث اسفرت عملية التخفيض في الفواتير عن خسارة تفوق 16 مليار سنتيم، مقابل خسارة تقدر بـ52 مليارا و48 مليون سنتيم تسبب مفتش التصفية “م. حكيم” من خلال التخفيض من قيمة 263 سيارة بينها مركبات فاخرة.
وإلى ذلك، فإن المتهمة غير الموقوفة “ب. صبرينة” حسب ما ذكره القاضي خلال مواجهتها بالوقائع المنسوبة إليها، فقد تولت تصفية 172 ملف من الملفات محل التحقيق ونتج عن القيم التي قبلتها والتي تبتعد عن القيم المرجعية حقوق غير محصلة لفائدة الخزينة قدرتها الخبرة بـ10 مليارات و106 مليون سنتيم، كما تسببت المفتشة “ب.سليمة” في ثغرة مالية تفوق 46 مليار سنتيم من خلال تصفية 191 ملف والتخفيض من قيمتها المرجعية، مقابل خسارة تقدر بـ2 مليار و354 مليون سنتيم تسبب فيها المتهم “هـ.محمد” خلال توليه مهمة تصفية 101 ملف من الملفات محل التحقيق.
الخبرة القضائية أيضا، حسب ما أعلن عنه قاضي الفرع الرابع للقطب الاقتصادي والمالي، توصلت إلى تكبيد الخزينة العمومية ما يربو عن 15 مليارا و500 مليون سنتيم تسبب فيها مفتش التصفية “ب.ك” الذي قام بتخفيض فاتورة 79 مركبة محل التحقيق.
ومن جهة أخرى، أجمع جلّ المتهمين على أنهم بصفتهم مفتشو التصفية فإن مهامهم تبدأ من استلام الملف الخاص بالمركبة، حيث يقوم المفتش بمراقبته والتأكد من جميع الوثائق ومدى صحتها، بعدها تتم برمجة زيارة ميدانية لمعاينة السيارة أحيانا برفقة الخبير، كما أكدوا أن مفتش التصفية مسؤول عن مطابقة صحة المعلومات الموجودة بالوثائق المدرجة والمتمثلة في الفاتورة وشهادة المطابقة، وفي حالة وجود شك يتم ارسال الملف إلى مصالح الرقابة اللاحقة وهي التي تقوم بالمهمة النهائية.
وأضاف المتهمون أنهم بناء على سلطتهم التقديرية، يقومون إما بقبول القيمة المدرجة في الفاتورة المقدمة أو مراجعتها إذا تبين لهم أنها غير مناسبة، مستندين على اجتهادهم الشخصي، والاتصال بالزملاء والأصدقاء وتصفح مواقع الأنترنت، خاصة موقع وادي كنيس، وأيضا الاتصال بوكلاء بيع السيارات بالجزائر، وأحيانا تكون لديهم فكرة حول السيارات التي تم استيرادها بواسطة رخص المجاهدين وشهادة تغيير الإقامة، حيث تحمل الفواتير المدرجة فيها قيما حقيقية، كون أصحابها لا يتحايلون للاستفادة من التخفيض في الرسوم الجمركية.
كما صرحوا أمام هيئة محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي على أنه خلال فترة عملهم في مفتشية أقسام الجمارك بميناء الجزائر، من أواخر سنة 2019 إلى سنة 2020 لا يوجد ما يسمى الدليل الدولي المرجعي لأسعار السيارات” ARGUS ” ولم يستعملوه مطلقا في تحديد قيمة المركبات التي قاموا بجمركتها.
وأضافوا أن الفواتير التي يتم تقديمها من طرف الخواص قد تكون مخفضة بسبب أن معظم الفواتير التي يتم تقديمها من طرفهم تكون بناء على المفاهمة مع وكلاء السيارات في الخارج من أجل التحايل وعدم تسديد رسوم مرتفعة وهذا بالتواطؤ مع المصرحين لدى الجمارك الذي يستغلون الفراغ القانوني المتمثل في عدم وجود قاعدة أساسية يتم الاعتماد عليها في تحديد القيمة بالإضافة إلى ضغط وكثرة الملفات.
وفي الأخير شددوا على أن مفتش التصفية ليس المسؤول الوحيد عن مراقبة القيم المدرجة بالملفات وهناك مصالح رقابية أخرى ملزمة أيضا بمراقبة الملفات والتأكد من القيم ابتداء من المفتش الرئيسي والمفتشية العامة وصولا إلى مصالح الرقابة اللاحقة والمراقبة البعدية والتي جميعها بإمكانها إعادة النظر في الملفات ومراجعة القيم المدرجة.
وبالرغم من التبريرات التي قدمها المتهمون، حول تصفية الملفات وجمركة السيارات محل تحقيق الحال، إلا أن القاضي ثار ضد هؤلاء، وبقي يردد في كل مرة السؤال التالي “على أي أساس قمتم بجمركة هذه السيارات والتخفيض من قيمتها بصفة لافتة، ضاربين جميع القوانين بما فيها قانون الجمارك عرض الحائط، مما تسبب في خسائر رهيبة للخزينة العمومية؟..”
وخاطب القاضي المتهمين “كلكم أجمعتهم على أنكم لم تعتمدوا على الدليل الدولي المرجعي لأسعار السيارات بسبب عدم تزويد المصلحة به.. باستثناء واحد فقط من المتهمين (وهو ك.نسيم)، الذي اعترف بالرجوع إليه أثناء جمركته للسيارة.. على الأقل كنتم تحاولون معرفة القيمة الحقيقية للسيارات محل التحقيق من خلال البحث والتحري في المركبات المشابهة لها”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!