مصطفى الاشرف: لا يجوز أن تكون الدارجة صالحة للتعليم والتدريس(3)
لقد وضعت هذا العنوان، الذي اقتطفته من الفصل الحادي عشر الذي كتبه الراحل مصطفى الأشرف ونشره كجزء عضوي من كتابه “الجزائر: الأمة والمجتمع”، عن قصد، لأن هذا الرجل الذي لعب دورا مهما مسجلا في التاريخ قد اتهم في السرّ كثيرا وفي العلن هنا وهناك أنه ذو توجه فرانكفوني وأنه متحامل على اللغة العربية جهرا وفي أحسن الأحوال على نحو باطني.
في هذا السياق، أذكر جيدا تلك المناظرة الممتعة والمثقفة التي جرت في الثمانينات من القرن العشرين بين الأشرف، الذي كان آنذاك وزيرا للتربية والتعليم، والذي كان سابقا أحد الزعماء الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا في عهد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وعضوا بالمجلس الوطني للثورة الجزائرية، ومن ثم مستشارا للرئيس هواري بومدين، وبين الدكتور عبد الله شريط أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر العاصمة. أذكر أيضا ذلك الاهتمام الجدي، وذلك الشغف العارم اللذين أبداهما الجمهور الجزائري القارئ بسبب تلك المناظرة التي جرت على صفحات جريدة “الشعب” في عزّ أيامها وقبل أن تتحول إلى صحيفة لا تقرؤها سوى السلطة.
في ذلك الوقت اعتبرنا تلك المناظرة، بين رجل في هرم السلطة، وله مكانة معتبرة في الحركة التحررية الجزائرية، وبين أستاذ بالجامعة ينتمي إلى صفوف الشعب البسيط، بداية طيبة للحوار الفكري بين أحد رموز السلطة الكبار وبين كاتبٍ وأكاديمي، وكنا نأمل أن تترسخ تلك البادرة الطريفة كتقليد في حياتنا السياسية والفكرية. وبالفعل فقد سعدنا كثيرا بذلك النقاش ولكن عرس الفرح لم يدم طويلا وذلك عندما قُطعت رقبة الحوار بينهما، فجأة وقبل أن يعطي أكله، من طرف جهات تبّيَن لنا فيما بعد أنها كانت أكثر قوة ونفوذا في هرم السلطة العليا في البلاد.
رغم أن تلك المناظرة قد تخللتها بعض ملاحظات الدكتور شريط التي وصف فيها الأشرف بصاحب النزعة الفرنكوفونية وبالمتحامل الضمني على اللغة العربية، ولكن ردود الاشرف الرزينة قد استبعدت تلك التهمة، كما أن كتابه “الجزائر: الأمة والمجتمع” يقول عكس ما ذهب إليه الدكتور الشريط كما سنرى فيما بعد. وهنا أمضي قدما وأشرع في اقتباس مقاطع نموذجية وردت في فصل من فصول هذا الكتاب المذكور (صفحات 441-442) الذي كتبه الاشرف بعد الاستقلال أي في مارس 1964م.
إن هذه المقاطع في كتاب الأشرف تدعم وجهة النظر التي تعتقد أن الذي وقف في الآونة الأخيرة بداخل وزارة التربية أو خارجها وراء مقترح أو مشروع تدريس الدارجة في المدارس هو خاطئ سياسيا، وبيداغوجيا، وموقفا ثقافيا ومعرفيا وألسنيا.
في معرض حديث الأشرف عن التطورات التي عرفتها اللغة العربية في الفضاء الناطق بها، وعن موقفه من الفصحى والدارجة قال: “تلك إذن هي النتيجة التي شهدتها الفصحى، فاتخذها الأدباء والعلماء العرب والمستعربون أداة للتعبير الكتابي، بينما بقيت الدارجة تسير سيرها المستقل للتعامل في الحياة اليومية”، وكما يرى أنه: “لا يجوز انتقاص شأنها بالموازنة بينها وبين الفصحى”، ومن ثم يسجل مصطفى الأشرف موقفا واضحا أيضا قائلا إنه: “لا يجوز أن نعتبرها لغة صالحة للتعليم والتدريس”.
لاشك أن الأشرف لا ينفي الدارجة وسيلة للتخاطب اليومي مثلما نجده ينظر إليها على أنها “وسيلة ممتازة بواسطتها تكتمل الثقافة القومية”، لاشك أيضا أن الاشرف قد أوضح أن تمسك الجزائريين بالعامية العربية وبالأمازيغية في زمان الاستعمار الفرنسي يدخل في إطار محاربة الاستلاب الاستعماري المفروض فرضا على الشعب الجزائري. وأكثر من ذلك فقد رأى فيهما أداتين للمقاومة الوطنية. إن الذي هو واضح كل الوضوح هو أن العربية الدارجة في رأي الأشرف ليست للتعليم وإنما للتخاطب الشفوي. وفي الحقيقة فإن قضية الفصحى والدارجة قد طُرحتا للنقاش منذ قرون وليس اليوم فقط، وقد تباينت المواقف والتحليلات بخصوص صلاحية أو عدم صلاحية الدارجة للتعليم. ويبدو واضحا أن الغموض والالتباس نابعان أصلا من عدم التمييز بين الثالوث المدعو بالكلام/Parole ، واللغة /Langage، واللسان/ La Langue كما يجادل علماءُ اللسانيات.
وبهذا الخصوص يذكَرنا الدارس الراحل الدكتور حنفي بن عيسى أنه كانت هناك، مثلا، “لغة قريش، ولغة تميم، ولغة أهل الحجاز “، ولكن ليس هناك لسان قريش، ولسان تميم، أو لسان أهل الحجاز؛ لأن اللسان في تقديره هو “النموذج الاجتماعي الذي استقرت عليه اللغة”، ثم يضيف موضحا ما يقصده بالنموذج هكذا: “النموذج السوي يتمثل في السلوك اللغوي” الذي يفترض أن يكون مطابقا له، ثم إنه “ما من إنسان إلاّ وتجده يبذل ما في وسعه لكي يكون لسانُه أقرب إلى الفصحى، والفصحى في الواقع هي ذلك النموذج المثالي الذي يحاول كل فرد أن يحذو حذوه نطقا وكتابة”.
ولكن الشعراء المبدعين حقا ينطلقون أول ما ينطلقون من اللسان الذي هو النموذج المشترك، غير أنهم يسعون لكي يكون لكل واحد منهم كلامه الخاص به، أي فرادته في تشكيل مواد اللسان النموذج الفصيح بشكل مغاير ومختلف، أي ما يسمى بالشعرية التي تميزه وتخلق له عالمه الفريد والمتفرّد عن غيره، وبدون ذلك فإنه يسقط في تكرار اللسان النموذج والنمطي، أو كلام غيره، أي نسق التعبير اللفظي المتكرر عند نظرائه من الشعراء وجراء ذلك، فإنه يبقى أسيرا لذلك النموذج النمطي.
بناء على ما تقدم يمكن لنا أن نخلص إلى نتيجة وهي أن الدارجات أو العاميات المختلفة من فضاء جغرافي إلى آخر هي أقرب إلى اللغو الذي “هو ما كان من الكلام غير المعقود عليه” وفقا لتعبير ابن منظور الذي اقتبسه الدكتور حنفي بن عيسى.