معارض فنية ترافق المؤتمرات الطبية.. عندما يلتقي الإبداع بالعلم
تشهد الكثير من المؤتمرات والملتقيات الطبية والصيدلية في الجزائر، تجربة جديدة تجمع بين صرامة العلم ومرونة الإبداع، والفن، فالموازاة مع هذه التظاهرات التي تنظم غالبا في الفنادق، تتربع اللوحات الزيتية بمختلف ألوانها وأحجامها، وتعرض إبداعات يدوية، وحليا وأوشحة تقليدية، فقد شارك في الملتقى الأول للجمعية العربية لأخصائي الأمراض الصدرية بالتوازي مع الملتقى الثالث للجمعية الجزائرية لطب الأمراض التنفسية، عدد من اللوحات الزيتية لفنانين درسوا مجال الطب، والبيولوجية، استطاعوا ببصمتهم الفنية أن يبسطوا فهم جسم الإنسان وأعضائه ويجمعوا بذلك بين العلم والإبداع.
وتجربة العروض الفنية الإبداعية بالموازاة مع التظاهرات الطبية، تكررت في الآونة الأخيرة، حيث كان للإبداع والفن مكانا في فندق الشيراتون، بالموازاة مع فعاليات المؤتمر الوطني التاسع للفيدرالية الجزائرية للصيدلة، المنظم مؤخرا، أين التقينا بالفنان والبيولوجي، كمال اوجيت، الذي عبر بكل اهتمام عن الدور الذي قد تساهم فيه رسوماته وريشته من خلال الألوان المريحة نفسيا، والمستقطبة للفضوليين والصيادلة المشاركين في المؤتمر، والمشاركين.
البروفسور غرناوط: تجربة تؤكد أن الطب ممارسة إنسانية
وقال في تصريح لـ”الشروق”، إن الفن يمنح مرونة ويكسر الروتين في مثل هذه الملتقيات العلمية الهامة، موضحا بالقول: “لم يكن التشريح لجسم الإنسان في المجال الطبي إن لم يكن الفن مصاحبا له، ومن يرسم أعضاء الإنسان وتكويناته الداخلية في اللوحات الزيتية أو التوضيحية العلمية فلا بد قبل أن يدرس في الفنون الجميل يكون على اطلاع علمي بما يخص الإنسان.
وأكد أنه درس البيولوجية وبحث في الألوان وكان قد أسس مدرسة فنية خاصة في التسعينيات، بحيث تجمع رسوماته بين الفن التكعيبي والسريالي، لكنه يرى أن لمسته الفنية فريدة من نوعها أطلق عليها ” ستيل ميزو” أي البيت الراقي.
المعارض الفنية المصاحبة للتظاهرات العلمية دعم للصحة النفسية
وحول هذا الموضوع، أوضح البروفسور مرزاق غرناوط، رئيس الجمعية الجزائرية لطب الأمراض التنفسية، أن تنظيم معارض فنية بالتوازي مع مؤتمرات طبية وعلمية كبرى، تعتبر تجربة جيدة، وتعيد التأكيد على أن الطب ليس علما تقنيا فحسب، بل ممارسة إنسانية تتقاطع بعمق مع الفن والإبداع.
وأكد أن هذه المعارض التي تقام عادة في أروقة مراكز المؤتمرات أو في قاعات قريبة من أماكن انعقاد الفعاليات الطبية، لتكون مساحة مفتوحة للأطباء والباحثين والطلبة والزوار، تضم لوحات تشكيلية، وصور فوتوغرافية، ومنحوتات، وأعمال فنية رقمية، والكثير من هذه الإبداعات تستلهم الجسد البشري، أو رحلة المرض والشفاء، أو العلاقة المعقدة بين الطبيب والمريض.
ويرى البروفسور غرناوط، أن مثل المبادرات، كانت الجمعية الجزائرية لطب الأمراض التنفسية سباقة إليها، بعد أن أدركت أن الفن يشكل متنفسا بصريا ونفسيا للمشاركين في المؤتمرات، الذين يقضون ساعات طويلة في جلسات علمية مكثفة ومحاضرات يملؤها الجد والعلم والمعطيات الدقيقة.
ولو فرضنا، بحسبه، أن هناك محاضرات عن أحدث التقنيات الجراحية، وأخرى عن تطورات العلاج الدوائي، وعن التحديات التي يجب أن تكون في زمن التطورات التكنولوجية، فالمعارض الفنية، يجد الطبيب نفسه أمام لوحة تعبر عن الألم الإنساني أو الأمل في التعافي، فيتفاعل معها من زاوية مختلفة، لا تقل أهمية عن المعرفة الأكاديمية.
وقال إن هذه التجربة تثري الحوار بين التخصصات، وتذكر الأطباء بأن المريض ليس حالة سريرية فقط، بل إنسان له مشاعر وقصة وحياة كاملة خارج جدران المستشفى، وكما أنها تمنح الفنانين فرصة للتفاعل مع قضايا معاصرة تمس حياة الجميع، وتضع أعمالهم في سياق اجتماعي وإنساني مؤثر.
دعم للصحة النفسية..
وبحسب بعض الصيادلة الذين عبروا لـ “الشروق”، عن إعجابهم باللوحات الزيتية المعروضة على هامش المؤتمر الوطني التاسع للفيدرالية الجزائرية للصيدلة بفندق الشيراتون، فإن مثل هذه المبادرات الفنية وعروض الإبداعات التقليدية، لها دور في دعم الصحة النفسية، وهو محور أصبح حاضرا بقوة في الأجندات الطبية العالمية، فقد أكدت فنانة عارضة أنها صيدلية وأن عدد من الأعمال المعروضة تكون من إبداع أطباء وفنانين في آن واحد، أو لمرضى عبروا بالفن عن تجاربهم مع المرض، ما يمنح المعارض بعدا توعويا وإنسانيا عميقا.
وقالت إن مثل هذه الفعاليات تكسب أهمية خاصة عندما تتناول قضايا صحية حساسة مثل السرطان، أو الأمراض المزمنة، أو الصحة النفسية، حيث يتحول الفن إلى لغة بديلة قادرة على إيصال رسائل قد تعجز عنها الأرقام والإحصاءات.
وهو ما قاله الفنان كمال اوجيت، والذي يرى أن لوحة واحدة قد تختصر معاناة سنوات، أو تعكس لحظة شفاء، أو تفتح نقاشا حول أخلاقيات الممارسة الطبية.
ومن جانب آخر، حسب انطباعات بعض المشاركين في المؤتمر الوطني التاسع للفيدرالية الجزائرية للصيدلة، فإن التلاقي بين الفن والطب، يساهم في كسر الصورة النمطية عن المؤتمرات الطبية بوصفها فضاءات مغلقة على المختصين فقط، إذ تصبح أكثر انفتاحا على المجتمع، وأكثر قربا من الجمهور العام أو الأشخاص العاديين، عندما تكون المعارض متاحة للزوار خارج إطار المؤتمر.
وعلى العموم، فإن المعارض الفنية المصاحبة للمؤتمرات الطبية، حسب تكرارها وحضورها في الكثير من المؤتمرات الطبية الجزائرية مؤخرا، لم تعد مجرد نشاط جانبي أو ترف ثقافي، بل أصبحت جزءا من رؤية أشمل ترى في التكامل بين العلم والفن ضرورة لفهم الإنسان ورعايته بشكل أكثر شمولية، حيث يلتقي العقل مع الروح، والمعرفة مع الإحساس، في مشهد واحد.