معركة الإصلاحات مستمرة بين السلطة والمعارضة
أعاد الصراع الدائر بين نواب المعارضة ونواب أحزاب الموالاة، لا سيما نواب حزب جبهة التحرير الوطني، سيناريو الحزمة الأولى من الإصلاحات التي أقرها الرئيس بوتفليقة في إصلاحاته التي بدأت في عام 2011، التي جاءت “مشوهة” كما قالت المعارضة.
وكان من نتائج ذلك الطعن في مصداقية بعض مؤسسات الدولة المنبثقة عنها.. المعارضة لم تجد من وسيلة للضغط على السلطة لتمرير تعديلاتها في قانوني الانتخابات وهيئة الإشراف على الانتخابات، سوى اتهامها بمباشرة مساع استباقية لتزوير الاستحقاقات المقبلة.
والسبب مادتان في القانون العضوي للانتخابات.. فما مدى جدية هذا الاتهام؟ وهل من الأعراف السياسية مطالبة الأغلبية بالتنازل عن حقها؟ وهل التوافق هو الحل الأمثل لمثل هذه الأزمات؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.
صراع السلطة والمعارضة حول تأطير الانتخابات
التوافق لإنقاذ مصداقية مؤسسات الدولة
ينذر النقاش المحتدم حول القانون العضوي المتعلق بالانتخابات وكذا القانون المتعلق بهيئة الإشراف على الانتخابات، بين السلطة والمعارضة هذه الأيام، باستنساخ التجربة “السيئة” التي عاشت البلاد على وقعها في عام 2012، فيما عرف بـ “الحزمة” الأولى من قوانين الإصلاحات، التي أقرها الرئيس بوتفليقة في خطابه الشهير في أفريل 2011.
وتشهد الغرفة السفلى للبرلمان حالة من الاحتقان بسبب مادتين مثيرتين للجدل، تضمنهما مشروع القانون العضوي للانتخابات الموجود قيد الدراسة، وهما المادة 73 التي تتحدث عن الشروط التي يتعين توفرها في الأحزاب أو القوائم الحرة عند تقديم الترشح، وكذا المادة 94، التي تتحدث بدورها عن شروط أخرى مكملة، وهي الشروط التي اعتبرتها المعارضة مقيّدة لحرية الترشح المكفولة بنصوص الدستور.
وإن كانت المعلومات المسرّبة من داخل قبة مبنى زيغود يوسف، قد حملت “بشائر” إمكانية توصل حزبي جبهة التحرير الوطني وجبهة العدالة والتنمية إلى توافق يقود إلى سحب المادتين المثيرتين للجدل، إلا أن ذلك لا يمكن اعتباره مؤشرا كافيا على مرور القانون برمته في كنف التوافق المـأمول، طالما أن جبهة العدالة والتنمية لا تعدو أن تكون مجرد مكون بسيط في جبهة المعارضة، التي تضم أوزانا ثقيلة، لا تنظير بعين الرضا إلى مواد أخرى في القانون ذاته.
ولا يشكل مشروع القانون العضوي للانتخابات وحده مصدر الخلاف بين الطرفين المتصارعين، طالما أن الاحتقان موجود أيضا على مستوى مشروع قانون آخر ينظم عمل هيئة الإشراف على العملية الانتخابية، المستحدثة بموجب الدستور الجديد، الذي تعتقد المعارضة أنه تراجع عن مكتسبات سابقة.
ومعلوم أن مشروع القانون الذي ينظم عمل هيئة الإشراف على الانتخابات، يقصي الأحزاب من أي مراقبة على الانتخابات كما كانت الحال مع لجنة مراقبة الانتخابات، فهي تتشكل من 410 عضو نصفهم قضاة، يقترحهم المجلس الأعلى للقضاء، والنصف الآخر كفاءات مستقلة من المجتمع المدني تمثل الولايات والجاليات في الخارج، وكل فاعلي المجتمع المدني، وهو ما زاد من تخوف أحزاب المعارضة، حتى ولو كان رئيس الهيئة هذه، يتم اختياره من قبل الرئيس بعد مشاورات مع الأحزاب، لأن المشاورات غير ملزمة، ما يرجح تكريس تجارب مماثلة جاءت مخيبة، كما تقول المعارضة.
وأيا كانت مبررات كل طرف للتمسك بمواقفه، فاستمرار هروب كل من المعسكرين (السلطة والمعارضة) نحو الأمام، من شأنه أن يلغّم مصير الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لأن عدم التوافق على القوانين الناظمة لسير العملية الانتخابية، يعني من بين ما يعنيه، أن نتائج أي استحقاق بداية من الانتخابات التشريعية المرتقبة العام المقبل، ستكون محل اتهامات بالتزوير، وهذا من شأنه أن يضع مصداقية مؤسسات الدولة المنبثقة في ظل الأطر القانونية قيد الدراسة، على المحك.
ويتجلى هذا التخوف من خلال بعض الأصوات المعارضة التي ارتفعت، متهمة السلطة بتعبيد الطريق نحو تزوير مسبق للانتخابات، وذلك انطلاقا من بعض المواد المختلف بشأنها. إنه المشهد ذاته الذي عاشه البرلمان في عام 2012، وكان من نتائج ذلك، اتفاق أغلب أحزاب المعارضة على وصف الغرفة السفلى للبرلمان الحالي بالمزور والفاقد للمصداقية، وكان تعاملها معه وفق منطق الأمر الواقع.
ومن هذا المنطلق، تبرز حتمية التوصل إلى أرضية توافق بين السلطة والمعارضة، تجنب البلاد أزمات هي في غنى عنها، وهذا يتطلب إرادة قوامها الأخذ بعين الاعتبار استقرار النصوص القانونية وديمومتها للحفاظ على مصداقيتها، وفق ما هو معمول به في الدول الديمقراطية، الأمر الذي سيجنب البلاد العودة في كل مرة إلى مراجعة قوانينها، علما أن القانون العضوي للانتخابات الحالي، لم يمض على تبنيه من قبل البرلمان سوى أربع سنوات فقط، وهي مدة وجيزة جدا بالمعايير الديمقراطية.
نائب رئيس حركة مجتمع السلم نعمان لعور:
السلطة تدفع بالمعارضة لمقاطعة الاستحقاقات الانتخابية
دون الخوض في التفاصيل القانونية، ما هي قراءتكم السياسية لمضمون مشروعي قانوني الانتخابات و”لحنة المراقبة”؟
القراءة الأولية لمشروعي القانونين سابقي الذكر، تؤكد بوضوح تامّ أن السلطة مصّممة على الغلق السياسي للساحة الوطنية عن طريق الإدارة وليس الإرادة الشعبية، وذلك يتجلّى من خلال انعدام الاستعداد لإعطاء شفافية ورقابة حقيقية، للوصول لانتخابات نزيهة، عبر هيئة مستقلة تكون لها صلاحيات المراقبة من طرف أشخاص مستقلين، لكن الملاحظ الآن، أنها عبارة عن جهاز إداري جديد، بحكم أن أفراده كلهم معينون، بدءا برئيسها، وباقي الأعضاء الموزعّين بين 205 قاض و205 ممثل عن المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، في حين تقتضي الشفافية أن يكون ممثلو الأحزاب موجودين في عملية الانتخاب من البداية إلى النهاية، عبر حراسة الصندوق إلى غاية الحضور على مستوى اللجنة الولائية التي تصدر النتائج، لكن القانون المقدّم لا يسمح سوى لـ5 مراقبين بالتواجد في المكاتب، والمشكلة هنا لا تتعلّق بنقص مناضلي الأحزاب كما تروّج الموالاة، بل في العائق القانوني.
مشكلة غياب المراقبين ناجمة أيضا عن كثرة الأحزاب المشاركة، ألا تشكّل النسبة الإقصائيّة حلّا تقنيّا لصالح الأحزاب الكبرى؟
مشكلة النسبة هي قضيّة جزئية، لأنّ الأهم هو نزاهة الانتخابات، فمن المفروض أنّ الذي يقصي هو الشعب وليس الإدارة، وبالتالي فإنّ التخوف القائم بشأن النسبة أنها مبرمجة لغلق الساحة السياسية، خصوصا حينما تطال الأحزاب المقاطعة أصلاً للانتخابات.
في المقابل، أليس من الضروري تطهير المشهد السياسي والارتقاء بمستوى التنافس الانتخابي لتكريس التجربة الديمقراطية؟
أنا متفق معك في هذا الطرح، لأنّ المستفيد من التمييع في نهاية الأمر، هو أجهزة السلطة الحزبية، والدليل لما فازت سابقا في ولايات بنسبة مائة في المائة، كانت حصّتها قد ارتفعت عن طريق فائض الأحزاب المجهريّة، إذن نحن مع مبدأ الارتقاء بالمنافسة، لكن مختلفون مع السلطة في الآلية، فالأوْلى وضع مثل هذه الشروط عند التأسيس وفق “دفتر أعباء”، حتّى يحسب المقبل على تشكيل حزب سياسي حسابه جيّدا عند التفكير في اقتحام الساحة أو خوض الاستحقاقات الانتخابية.
ما جدوى الاعتراض البرلماني على “اللجنة المستقلة للانتخابات” طالما أن الدستور حسم شكلها ومضمونها، بعبارة أخرى، ما الذي يمكن استدراكه عبر التشريع؟
من بين الأسباب الرئيسية لدينا في رفض الدستور هذه المادة بالتحديد، لأنها كانت التفافًا على مطالب المعارضة، وبالتالي، لا نتصور فعلًا أن يضفي الاعتراض النيابي إلى تعديلات مجدية، لأنّ المرجعية هي الدستور، أما الاستغراق في الجزئيات فلا يفيد ولا يحقق الغرض في النزاهة، طالما أنّ المعركة التشريعية محسومة، فنحن نمارس مقاومة سياسية لإحراج السلطة.
مع ذلك، فقد بدت بعض أطياف المعارضة متفائلة بإمكانية المقايضة مع الأغلبية؟
لا يمكن أبدا التنسيق أو التحالف مع المستفيد، لأنّ الحقوق تؤخذ ولا تعطى، وفي وجود أغلبية تُسيّر بالهاتف، فإنّ التفاوض يكون مع صاحب القرار، لأنّ الأجهزة الحزبية لا تملك من أمرها شيئا.
هل أفهم من قراءتكم للمشهد، أن حزمة القوانين المعدّلة سوف تصنع سيناريوهات الاستحقاقات السابقة، وبالتالي العودة إلى نقطة الصفر؟
هي عبارة عن تفصيل للساحة على مقاس السلطة، وهي تراجع عن الديمقراطية، كيف تفسّر تعديل قوانين سُنّت في 2011، أيّ بعد 4 سنوات فقط، مع أنّها سوّقت وقتها في صورة إصلاحات الجمهورية الثانية، فهل نحن أمام إفساد الإصلاح، إن كان إصلاحًا؟
السؤال المطروح، لماذا تصرّ الأحزاب على خوض “لعبة الانتخابات” في كل مرّة رغم المقدّمات “السلبية”، ألم يحن الوقت لخيارات أخرى؟
الحديث عن الموقف من الانتخابات في 2017، وتقرير دخولها من عدمه سابق لأوانه، لكن ما نؤكد عليه أنّ الغياب لا يخدم إلا السلطة، وهي من خلال هذه القوانين تدفع لسياسة الكرسي الشاغر، عبر عملية تيئيس ممنهجة عبر التزوير المسبق والفعلي، فدفعت سابقا بالشعب للاستقالة الجماعية، والآن تزجّ بالطبقة السياسية للتفكير في الانسحاب الطوعي، لكن الحزب لا يملك إلا مسار النضال، لأنّ دوام الحال من المحال، ويبقى النقاش مفتوحًا حول كل الخيارات في حدود المتاح.
نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني برابح زبار
من غير المنطقي اختصار قانون في مادتين فقط
أثار القانون العضوي للانتخابات جدلا، خاصة من طرف أحزاب المعارضة التي صنفته على أنه إقصائي، تريد السلطة من ورائه الانتقام من الأحزاب التي رفضت المشاركة في مشاورات الدستور، فما تعليقكم؟
من المؤكد أن المعارضة التي قاطعت مشاورات تعديل الدستور تعترض على كافة القوانين العضوية والعادية المنبثقة عنه، ولكل شخص وجهة نظره، لكن لا يمكن اختصار قانون الانتخابات في مادتين فقط، والحديث هنا عن المادتين 73 و94 التي صنعت الحدث، والهادفتين إلى تطهير الساحة السياسة من الحزيبات التي ميعت المشهد السياسي، وبات حضورها يكمن فقط بالاحتفاظ بالأختام في محافظ مسؤوليها، ويمكن الإشارة إلى أن وزارة الداخلية والجماعات المحلية، منحت الاعتماد لهذه الأحزاب من أجل أن تثبت وجودها ويكون لها تمثيلا شعبيا في الميدان، لكنها فشلت في تحقيق ذلك وهذا ليس عيب السلطة، ونص المادتين جاء ليضع حدا لهذه التصرفات التي لا تمت للعمل السياسي بصلة ولا يمكن النظر إلى ذلك على أنه إقصاء.
لكن هناك مشاورات بين كتل معارضة وحزب جبهة التحرير الوطني لإسقاطهما فما رأيكم؟
أنا أتحدث من منطلق أنني نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني مكلف بالتشريع، وليس نائبا عن الآفلان، حقيقة تم تقديم تعديلات بهذا الخصوص، والكتل البرلمانية تقدمت بأكثر من 92 تعديلا بما فيها المطالبة بمراجعة أو إسقاط نص نسبة الـ4 بالمائة كشرط للمشاركة في الاستحقاقات القادمة، وهناك تنسيق بين النواب، وستكون جلسة التصويت هي الفيصل ولا يمكن التكهن بنتيجتها، لكن يجب التنويه إلى أن حضور النواب وبلوغ النصاب يجب أن يكون أمرا ضروريا للتصويت على القانون حتى لا يتم الطعن لاحقا .
يعني نحن هنا أمام توجه جديد للأفلان، وهو تنازل الأغلبية للتوافق على قوانين، خاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بمصداقية الدولة؟
نحن في حزب جبهة التحرير الوطني كنا دائما متفقين على ضرورة تغليب مصلحة استقرار الوطن، وكل القوانين التي تمت مناقشتها والتصويت عليها مؤخرا، تتم في إطار التنسيق والتشاور في تقديم المقترحات والتعديلات، ويمكن القول إنه رغم برمجة القوانين التي تم التصويت عليها مؤخرا بطريقة إستعجالية بسبب ضيق الوقت، إلا أن الأمور عادية، ولم تكن هناك مشاداة كما قيل، وأظهر حزب جبهة التحرير الوطني أنه قادر ومستعد للحوار مع الجميع وبدون عقدة.
بالعودة إلى هذه النقطة بالذات، هناك من يشبه ما يحصل في البرلمان ومحاولات تمرير القوانين بسرعة كبيرة بالإصلاحات التي تمت سنة 2012 التي كانت أيضا مستعجلة ونتائجها السلبية ظهرت مع مرور السنوات؟
المعطيات الحالية تختلف عن إصلاحات 2012 ففي ذلك الوقت لم يكن هناك دستور، ولم نكن أمام إلزامية سن قوانين منبثقة عنه لتجسيد الإصلاحات على أرض الواقع، هذا من جهة، بالإضافة إلى عامل الوقت أيضا نحن مجبرون على تكييف القوانين مع الدستور الجديد، وهنا الحديث عن قانون الإنتخابات والهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، من أجل الاستحقاقات القادمة التي لم تعد تفصلنا عنها إلى أشهر فقطّ.
ولم يكن بالإمكان برمجة القوانين بعد اختتام الدورة الربيعية لأن الدستور الجديد يحتم علينا نظام العمل بالدورة الواحدة، ويجب أن يتم العمل بها انطلاقا من الدورة القادمة، ضف إلى ذلك عامل الوقت حيث من المرتقب أن يتم مناقشة أكثر من 38 قانون عضوي وعادي منبثق على الدستور الجديد، والحكومة يحق لها أن تستند قانونا إلى الطابع الاستعجالي، والتنسيق بين الهيئة التشريعية والتنفيذية، ليس عيبا إطلاقا ولا يمكن أن يصنف في خانة الإملاءات الفوقية بل أحيانا يجب علينا تغليب المصلحة العليا على الحسابات الضيقة.
كما أن التعذر بشهر رمضان، وعدم القدرة على التركيز ليس حجة إطلاقا لأن العمل يكون طول السنة ولن يتوقف عند شهر الصيام، فالنواب تقع على عاتقهم هذه المسؤولية ولا يمكن التحجج بذلك إطلاقا.
