معركة الغذاء وحرب الدواء
عانينا في عقود الارتجال وتضييع الوقت، استنادا إلى مرجعيات وعواطف وحتى مصالح، لا علاقة لها بالعلم والعمل، من تكليف رجال غير مناسبين في مناصب هامة، وكان كلما فشل هذا، أتينا بمن هو أسوأ منه، فكان مطلب الرجل المناسب في المكان المناسب، على بساطته، كثيرا ما يسقط في الماء. وكل الإنجازات الكبرى التي حققتها الجزائر، وفي جميع المجالات، كانت عندما تُسند المهمات الحاسمة لأهلها.
لا خلاف حول الدور الهام الذي تؤدّيه الوكالة الوطنية للأمن الصحي، التي حققت منذ زمن جائحة كورونا إنجازات صحية واجتماعية هامة، ولا خلاف حول كفاءة رئيس هذه الوكالة البروفيسور كمال صنهاجي، أحد عمالقة الطب على المستوى العالمي.
وعندما ينصح الخبير صنهاجي، دول القارة السمراء بتبنّي التجربة الجزائرية في مجال إنتاج الأدوية، وتكنولوجيات الصحة، ويشير إلى توفر الجزائر على مخابر مؤهَّلة وخبرات علمية راقية، فمعنى ذلك أن الجزائر وضعت قدما في الطريق الصحي الصحيح، الذي هو جزءٌ من الرقيّ والرفاهية التي يأملها المواطنون.
والواقع، أن الصحة في الجزائر، في حاجة إلى بعض التنظيم ومزيد من الاستثمارات الخاصة، فمن غير المعقول أن يتجاوز عدد الأطباء الجزائريين في أوربا العشرين ألفا بحسب إحصاءات دقيقة، غالبيتهم من خريجي كليات الطب الجزائرية، ومازال جزائريون يسافرون إلى دول جارة وأخرى في الشرق الأوسط لإجراء عمليات جراحية هي في متناول الاختصاصيين الجزائريين، ومن غير المنطقي أن تُخرِّج كليات الطب سنويا أكثر من ثلاثة عشر ألف طبيب عامّ، وتبرمج لتخريج ثلاثة عشر ألف طبيب مختص، و”الآه” مازالت تسُمع هنا وهناك.
ما يقدِّمه عالم الصيدلة وتصنيع الأدوية في الجزائر، هو نموذج يمكن أن نبني عليه عالم الصحة، بل ونبني عليه بقية القطاعات، وقد أدار الجيش الأبيض باقتدار حرب كورونا، التي انتهت بتصنيع لقاح جزائري، تعاطاه الجزائريون مع بقية اللقاحات التي ظهرت على مستوى المعمورة من الدول العظمى.
وتواجدُ الدواء المصنّع في الجزائر، في العديد من البلدان العربية والإفريقية وحتى في أوربا وأمريكا، هو دليلٌ على أن المئزر الأبيض في الجزائر حافظ على بياضه، من زمن الشهداء والمجاهدين محمد التومي وترشين إبراهيم وقاضي بكير وعبد السلام بن باديس وأحمد طالب الإبراهيمي، إلى زمن كمال صنهاجي وإلياس زرهوني.
تحتاج معركة الغذاء التي تخوضها الجزائر منذ سنوات، إلى الكثير من التحدي والبذل والإمكانات المالية والمائية والعلمية، خاصة أن جنود الفلاحة نقلوا معركتهم إلى قلب الصحراء، وهم الآن يحصدون ما بذروه لسنوات، وتحتاج حرب الدواء التي بدأت تحقق أولى فتوحاتها، إلى إيمان الشعب بقُدرات أبنائه من أصحاب المآزر البيضاء، الذين وثق فيهم المرضى الأوروبيون وبعض الدول الكبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية التي فتحت لهم المجال لتطوير منظومتها الصحية، ونجحوا.
الانتصار في معركة الغذاء هو استقلالٌ جديد للجزائر، والانتصار في حرب الدواء هو ضمانٌ للمستقبل، فما بلك بالانتصار فيهما معًا.