مفاوضاتٌ بطعم البارود
أخيراً اكتملت المفاوضات الإيرانية الغربية بشأن جملة قضايا عرفت بالملف النووي الإيراني.. وها هي المفاوضات تثبت مجددا انها ساحة للقتال وانتزاع الحقوق والمكتسبات لاسيما عندما يلتقي الطرفان وقد امتلك كل منهما قراره وإرادته وأقلع تماما عن الأوهام.. فلقد جرب المفاوض الجزائري في ايفيان بفرنسا طريقة قتال اخرى لا تقل ضراوة عن الجهاد الصعب في الجبال والوديان والمدن والقرى، وانتصر المفاوض الجزائري بإدارته الذكية للمعركة التفاوضية وبوعيه ويقظته وقدرته على إحباط مناورات ديغول والوفد الفرنسي، ولم يستطع ديغول مع كل دهائه وخبثه ان يضمّن الاتفاقيات نصوصاً تنسف الاستقلال او تضع له كوابح، وللحق فلقد كان هناك خلف المفاوضين قيادة قوية حازمة وجيش مناضل بلا هوادة وشعب يتطلع ليوم الحرية رغم العذابات الشديدة.
ولقد خاض المفاوض الإيراني معركة تفاوضية سرية وعلنية منذ عدة سنوات لانتزاع حقه في الطاقة النووية ولإثبات ان النظام الدولي الجائر يتنازل رغما عنه للشعوب عن حقها المغتَصب، ولم تخلُ المفاوضات من تلويح بالتهديد ورد برفض التهديد ولا تعكس الابتسامات على شاشات التلفزيون ما كان يجري في الغرف المغلقة.. في هذا الميدان لم يكن سهلا على ايران الخروج سالمة من صراع المفاوضات بعد ان أصرت على عدم التساوق مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا بخصوص القضايا السياسية الجوهرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية..
لم تكن المفاوضات بين ايران والغرب بمعزل عن جملة التدافعات السياسية والعسكرية في المنطقة، بل هي تتويج طبيعي لها وتحتكم لشروطها، كما انها ايضا تشير إلى الوضعية السياسية والاقتصادية في الغرب الذي يعاني من تحولات اقتصادية عميقة.. ومن هنا بالضبط اصبح من الضروري إدراك خطورة عزل المفاوضات عن ظروفها، لأنه في مثل هذه الحال تكون المفاوضات مضيعة وقت، يمارس الأقوى فيها عمليات تفريغ لطاقة الضعفاء وإلقائهم في النهاية في دائرة الفشل والإحباط، وهو ما تجنبته إيران بمهارة وذكاء خلال إدارة المفاوضات الشاقة والطويلة.
ان تواصل الإصرار الإيراني، على مدار سنوات عديدة، على الحق في امتلاك النووي السلمي، بالإضافة الى انه حق طبيعي للشعوب والدول، فهو كذلك مجالٌ حيوي للاقتصاد الإيراني، حيث سيمثل مادة اساسية في التطور والصناعة وسيادة القرار السياسي.. وان اهميته تأتي من كونه انتزع انتزاعا، باتفاق الليلة قبل الماضية، فيما التناقضات الجوهرية قائمة بين سياسات ايران والسياسات الغربية لاسيما في الملف الفلسطيني.
كتب التاريخ بأحرف من ذهب لرجال الجزائر الكبار كريم بلقاسم وبن طوبال ورضا مالك وابن يحيى وسي بن يوسف بن خدة وسواهم ممن أدار وباشر عملية المفاوضات التي قهروا فيها إرادة المستعمر وكشفوا من خلالها انهم كانوا على أخطر جبهات القتال.. وسيكتب التاريخ لظريف وروحاني وصالحي وسواهم من رجال ايران انهم خاضوا أصعب معركة بأعصاب فولاذية، لأنها كانت مفاوضات بطعم البارود، وكما كان انتصار الجزائر عظيما وأثر في حركة الشعوب نحو تحررها، فإن انتزاع ايران حقها في النووي بهذا الاتفاق الذي وصفه الغرب نفسه بـ“التاريخي“، سيفتح الباب للمستضعفين في كل مكان لاستلام حقهم في امتلاك الطاقة والتكنولوجيا النووية.. تولانا الله برحمته.