ملايير قطر لن تحترق
قطر تستثمر5 مليار دولار في الجزائر، والأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يحل بالجزائر للمرة نون، خبر عادي تتداوله مختلف وسائط الإعلام العربية والدولية، لكن غير العادي هو أن الجزائر الجمهورية الوحيدة في العالم العربي التي تحظى بهذا الدعم والتزكية، في وقت استثمرت قطر الملايير في إلهاب ثورات الشارع العربي لإسقاط الأنظمة “الدكتاتورية” في باقي الجغرافيا العربية غير الملكية، تونس، ليبيا، مصر، اليمن، وسوريا، كما أن الجزائر تعيش بحبوحة مالية استثنائية عجزت الطاقات والقدرات الداخلية عن استغلالها.
هذه مفارقة سياسية ودبلوماسية كبيرة من دون شك، تحمل الكثير من الإيحاءات، داخلية وخارجية، أهمها أن هذه الأموال القطرية لن تحترق في الجزائر، وهو ما يؤشر إلى استحالة وصول كرة نار “ثورات” الربيع العربي الرابضة على الحدود والمسيطرة على أفكار البعض، إلى الجزائر، بسبب قوة دفاعات الجزائر وتراجع الإيعازات الخارجية، حيث كان يعتقد أن دورها سيأتي بعد “حرق” سوريا، وهي فسحة زمنية ومالية إضافية تسمح لها بمتابعة اشتعال نيران أخرى في جبهات حدودية أخرى.
كما يعني تعامل قطر أيضا أن الجزائر وخياراتها “المتميزة” لامست رضا الدوحة، العاصمة العربية الجديدة التي أصبحت تقرر وتنافس، رغم حجم قطر الصغير على الخارطة، على الجزائر وسياساتها، ومن خلالها حظوتها بتقبّل ومصداقية خاصة لدى المجموعة الدولية، ولا سيما دوائر صياغة وصناعة السياسات الكبرى التي توجّه العالم، واشنطن وباريس بالنسبة إلى الجزائر، إذ من غير المعقول أن نقول بأن ما حدث في دول “الربيع العربي”، والدور القطري المحوري فيه، كان من بنات أفكار القيادة القطرية دون أي اعتبار آخر.
ويبرز إقدام قطر على الاستثمار في الجزائر، والذي يبدو استثناءا مقارنة مع سلوكها مع باقي الأنظمة العربية غير الملكية، جدوى وفعالية خيارات السلطات العمومية المعتمدة في التعامل مع الخارج، وذلك انطلاقا من الدور الإيجابي الذي يلعبه رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة شخصيا، رغم أنها كثيرا ما كانت محل انتقادات لاذعة، بسبب استقلاليتها وبعدها عن منطق المجاملة والمراوغة أو المصلحية والمزاجية، أو سياسة الاندماج والتكيّف الظرفي مع “الوضع الراهن”، مع رفض القفز على القانون الدولي والقيم الأساسية للدولة، كما حدث مثلا مع أحداث ثورات الربيع العربي، وخاصة في تونس ليبيا وسوريا، ومؤخرا فيما تعلّق بأزمة مالي..
كما تترجم زيارة الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، للجزائر للمرة السادسة في ظرف سنتين، عمق العلاقة بين البلدين المبنية على الثقة والمواقف، وخاصة دعم الجزائر لقطر في نزاعها مع البحرين حول سيادتها على بعض الجزر، وفي سعيها لاحتضان نهائيات كأس العالم 2022، فيما أخذت قطر بيد الجزائر سنوات الأزمة الأمنية وكسّرت الحصار، إلى جانب استثمارها في عدة مشاريع.
وبالمحصلة، فؤن زيارة أمير قطر وتمويل مشاريع بقيمة 5 ملايير دولار، تؤكد تجاوز بعض الهزّات التي عرفتها العلاقات الثنائية أثناء الأزمة الليبية، جراء تناقض مواقف البلدين إلى حد التصادم، وكذا مفاضلة دول الخليج بين الدول العربية في الدعم والاستثمار من خلال دعوة المغرب والأردن إلى الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وليس بطالب منهما، حيث تكون زيارته في ماي 2011، قد خفّفت حدة التوتر وطوت المسألة وأعادت الثقة بينهما، وها هما البلدان يقطفان ثمرتها.