-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في ظل توترات على الحدود الجنوبية وخلافات مع دول الشمال

ملفات دبلوماسية وجيواستراتيجية ثقيلة على أجندة رئاسيات 2024

ملفات دبلوماسية وجيواستراتيجية ثقيلة على أجندة رئاسيات 2024
أرشيف

تشهد ما وراء الحدود الجزائرية، حالة غير مستقرة، حيث تفجر الوضع في دولة مالي وعاد الاقتتال لشمال البلاد بين الحكومة المركزية المدعومة بمرتزقة فاغنر والحركات الأزوادية، وكذلك الحال في ليبيا، حيث يسعى الانقلابي خليفة حفتر إلى الهيمنة على غرب البلاد قرب حدود بلادنا الجنوبية الشرقية، كما لا تزال “مغامرات” المغرب المنتشي بحلف “غير شرعي” مع الكيان الصهيوني تشحن المنطقة بروح الصراع.
هذه الحالة الاستثنائية التي تمر بها الجزائر، إضافة إلى الملفات الخلافية مع دول غربية، كما هو الحال مع اسبانيا وفرنسا، تجعل من السياسية الخارجية أمرا بالغ الأهمية في خطاب المترشحين لموعد السابع سبتمبر، ولا تقل أهمية عن البرامج التي تعنى بالجبهة الداخلية التي يعرضونها طيلة عمر الحملة الانتخابية على الجزائريين.

دعم القضايا العادلة… لا خلاف بين المرشحين
وبهذا الصدد، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ورقلة، مبروك كاهي، إنه بخصوص الملفات الدبلوماسية التي تشغل بال المترشحين لمنصب رئيس الجمهورية في الجزائر، يمكن تقسيمها على عدة مستويات، منها ما هو متفق عليه في السياسة الجزائرية.
وأوضح كاهي في حديث لـ”الشروق”، بخصوص الملفات الدبلوماسية والجيواستراتيجية ذات الأولوية التي ينبغي للمرشحين لرئاسيات السابع سبتمبر تقديم تصورات واضحة وإجراءات عملية بشأنها على ضوء الأوضاع الإقليمية والدولية، أن المستوى الأول من الملفات “يمكن القول إن الجميع يتفق عليه ويخضع لمبادئ الجمهورية المنبثق عن قيم الثورة الجزائرية المجيدة، وهو متعلق بدعم القضية الفلسطينية والأمن والسلم الدوليين، وحل المشاكل عن طريق الحوار ودعم منظمة الأمم المتحدة كالحالة الروسية الأوكرانية، وغيرها من القضايا الدولية، ثم يأتي ملف إصلاح المنظومة الأممية وإصلاح مجلس الأمن الدولي، هذه القضايا عليها إجماع سواء من حيث الجوهر أو آليات التنفيذ التي تخضع لمبادئ السياسة الخارجية الجزائرية.

فرنسا واسبانيا وإدارة العلاقة مع الضفة الشمالية للمتوسط
أما المستوى الثاني، يضيف المحلل كاهي، فهو متعلق بإدارة العلاقة مع الضفة الشمالية للمتوسط التي تعرف منعرجات حاسمة، بدعم العلاقة أكثر مع الشريك الإيطالي واعتباره المفتاح لدخول أسواق أوروبا الوسطى لإيجاد أسواق طاقة جديدة تدفع بمصادر أموال جديدة للخزينة العمومية، حيث إن المترشح عبد المجيد تبون خطا خطوات عملاقة في هذا الجانب، وسوف يرتكز على هذه القاعدة في حال حصوله على عهدة ثانية.
“يبقى للمترشحين الآخرين تقديم رؤية أو تصور تنطلق من توجهه الحزبي، إما بإعادة النظر أو الذهاب إلى بدائل جديدة أو بإعادة العلاقات كما كانت قبل مجيء عبد المجيد تبون”، مثلما يقول كاهي.
وبحسب المتحدث، فإنه في ذات المستوى تأتي العلاقات الفرنسية والاسبانية بعد أن عرفت منعرجات خطيرة بسبب تحول موقفهما من ملف الصحراء الغربية من محايد إلى داعم للاحتلال المغربي”، مشددا في هذه النقطة على أنه لا يمكن وضع فرنسا واسبانيا في سلة واحدة، كون أن الموقف مع فرنسا يخص ملفات شائكة مرتبطة بالذاكرة الوطنية، والأدوار التي تلعبها اللوبيات في إفساد أي تقارب يكون في مصلحة الجزائر أو حتى يخدم الدولتين معا.
ويقول كاهي إن “الرئيس الحالي والمرشح اعتمد أسلوب الندية، آخرها سحب السفير، ومن الصعب رأب الصدع من جديد والأرجح أن تبقى العلاقات تراوح مكانها إلى غاية رحيل ماكرون، ويمكن القول هو أكبر تحد للمرشحين الآخرين في إدارة العلاقات الجزائرية الفرنسية”.
ومع نفس المستوى يبرز أيضا الاتحاد الأوروبي كتحد جديد الذي يريد التمسك بالامتيازات التي حصل عليها في لحظة لم تكن الأوضاع فيها لصالح الدولة الجزائرية، وفي ذات المستوى يطرح ملف الهجرة غير النظامية والتعاون الأمني، حيث بإمكان المرشحين طرح تصور جديد وهو إشراك دول الساحل الإفريقي في الحوار المتوسطي لمعالجة المشاكل من جوهرها.

تفعيل المقاربتين الأمنية والتنموية في الساحل
أما المستوى الثالث الاستراتيجي الذي يتحدث عنه الأكاديمي كاهي، فهو متعلق بأمن الساحل الإفريقي، وتفعيل المقاربتين الأمنية والتنموية، والتعامل مع دول الساحل كل دولة وخصوصيتها، مع أهمية التركيز على العودة السريعة للنظام الدستوري ومساعدتها على مكافحة الجماعات الإرهابية وطرد المرتزقة وإعادتهم إلى المناطق التي قدموا منها.
وبهذا الخصوص، يؤكد المتحدث “قد يكون هناك إجماع بين المترشحين على أن أمن الساحل الإفريقي هو من أمن الجزائر، وتبقى اجتهادات كل طرف، حيث إن المرشح تبون له دراية كافية وواسعة ومن الخبرة ما يؤهله لفهم طبيعة الأحداث وفواعلها والقوى الوظيفية فيها، والمرشح حساني المحسوب على التيار الإسلامي يمكن أن يرتكز على المقاربة الروحية وحتى الصوفية لخلق تكتل حضاري يحمي المنطقة من كل التهديدات، أما مرشح جبهة القوى الاشتراكية ذات التوجه الاجتماعي فيمكن أن يرتكز على الإرث الثوري التي تركه مؤسسه والنضال المشترك ضد القوى الامبريالية بمقاربة جديدة تستجيب للتطورات الحالية”.
المستوى الآخر من العلاقات في نظر الدكتور كاهي، مرتبط بقضية الصحراء الغربية في ظل التطورات الأخيرة ومن ذلك انهيار وقف إطلاق النار، وتحول مواقف بعض الدول الكبرى، وهنا يوضح أن”الدبلوماسية الجزائرية تتمسك بحق تقرير المصير وهو إجماع من جميع المرشحين الثلاثة، لأنه منبثق من قيم الثورة الجزائرية المجيدة، ويبقى الصراع قانونيا ولا يمكن الانجرار وراء المناورات السياسية وإخراج الصراع من جوهره الأصلي، إذ أن القضية هي تصفية استعمار. فيما تبقى العلاقات الجزائرية المغربية متباينة في نظر المرشحين، يقول كاهي، حيث “وضع المرشح تبون أسسها من عهدته الأولى ولا ينتظر أن يكون هناك تغيير، أما مرشح حمس حساني، في حال فوزه، فلا يمكن أن يقدم الكثير مع تقهقر إسلاميي المغرب وابتعادهم عن الواجهة السياسية خصوصا بعد التطبيع، أما مرشح الأفافاس فإنه يملك الكثير من الأوراق، لكن سوف تصطدم بطموحات المخزن التوسعية، وتفضيله الكيان الصهيوني على الجار القريب وقضية الصحراء الغربية”. وعرج المتحدث على الأزمة الليبية التي تعرف انقسامات خطيرة وتدخلات من قوى وظيفية ومرتزقة، حيث يؤكد “هناك إجماع من المرشحين على أن ليبيا ضمن الفضاء المغاربي الذي نواته الجزائر، ولا يمكن أن تكون ليبيا أداة من أدوات التخريب لنقل الفوضى من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا، وإجماع المرشحين على ضرورة إجراء الانتخابات كحل للخروج من الأزمة، مع خروج المرتزقة والقوى الأجنبية والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، وبالإمكان أن يكون تصور تعاوني في جميع المجالات”.

ملفات دون مناورة وأخرى قد تتغير
ومن جهته، يقدم أستاذ العلاقات الدولية بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية الدكتور حسام حمزة، تصنيفات للملفات الدولية التي على مرشحي الرئاسيات مراعاتها، حيث يقول “تقديري عندما نتحدث عن الملفات الدبلوماسية يجب أن نقسمها إلى فئتين: الأولى هي فئة الملفات التي هامش المناورة محدود وتغير سياسة الدولة تجاهها شبه منعدم، والتي تشمل القضيتين الفلسطينية والصحراوية وكيفية التعامل معها واضحة، كون توجه الدولة واضح، فلا يمكن أن نتحدث عن تغيير في المستقبل على ما هو موجود الآن، وسيكون الحديث عن الملفين من باب التأكيد والالتزام بما يمكن تسميته بالعقيدة لدى الجزائر”.
وأدرج الأكاديمي في الفئة الثانية مجموعة من الملفات تحتل الصدارة لأهميتها، وفي المقدمة منها الساحل الإفريقي، حيث قال الدكتور حمزة لـ”الشروق”: “أعتقد أنه على المترشحين أن يحددوا كيفية التعامل مع المتغيرات الطارئة في الساحل اليوم، فلما نتحدث عن المنطقة لا يجب أن يقتصر الأمر في الحديث عن كيفية التعامل مع التحديات التقليدية، كالإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والسلاح وغياب التنمية وضعف الحوكمة، والتي تكون سببا كبيرا في نشوء حركات التمرد بالمنطقة، ولكن يجب أن يتحدثوا عن كيفية التعامل مع صراع النفوذ الذي نراه في المنطقة بين القوى الكبرى، خاصة بين روسيا من جهة وأمريكا وفرنسا في الجهة المقابلة”.
هذا الصراع مشتد وأصبح يلقي بظلاله ويؤثر على أمننا القوي، كما حصل مؤخرا على الحدود مع مالي، هذا التمدد الروسي في المنطقة أصبح يهدد الجزائر، على حد تعبيره.
ويتابع حسام حمزة أن “ضمن هذه الفئة أيضا الملف الليبي، وهو في اعتقادي متصل بملف الساحل، كون ما يحصل اليوم من تدهور وإمكانية الانزلاق للحرب الأهلية وتحركات خليفة حفتر نحو الغرب جهة الحدود الجزائرية وارتباط التحرك بأجندات إقليمية إماراتية وروسية، هذه من الأشياء التي على المترشحين أن يقدموا تصورهم في كيفية التعاطي معها، هل سيجري التعاطي مع هذا التغير بطرق دبلوماسية أو عسكرية؟ وهل سيؤثر على تحالفاتنا وعلى علاقاتنا مع أصدقائنا الاستراتيجيين كروسيا؟
إذن كل هذه الحسابات يجب أن تكون موجودة في برامج المترشحين، وخاصة أننا في ليبيا نتحدث عن حركية من طبيعة جيوسياسية، مثلما يشرح المحلل، حيث إن روسيا تود الاقتراب أكثر وأكثر في نوع من المناكفة الجيوسياسية مع تركيا ومع الجزائر، وبدا واضحًا أن هنالك خلافا مع الجزائر حول ملف الغاز وأنبوب الغاز العابر للصحراء.

نيجيريا والتشويش الروسي على الجزائر
الملف الثالث الذي يقدمه الدكتور حسام حمزة، هو العلاقة مع نيجيريا، وفي هذا الخصوص يقول “الملف النيجيري هو من الملفات المتصلة مع بعضها، حيث نتحدث عن مستوى إقليمي وليس مستوى قطريا، مشروع أنبوب الغاز الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر الجزائر هو مشروع استراتيجي وضخم من شأنه أن يغير مشهد سوق الطاقة خاصة في أوروبا، ويعطي مكانة كبيرة للجزائر”.
ويعتقد المتحدث أن روسيا تقرأ كل تقدم في هذا المشروع على أنه تهديد لمكانتها في سوق الطاقة الأوروبي وأنها يحل محلها في سوق الطاقة الأوروبية، وهذا لا يخدم مصلحتها، لذا هي تعمل على عرقلة المشروع، موضحا أن “هنالك اختلافا في الرؤى في هذا الملف، الأمر الذي ينعكس على سلوكياتها في طبيعة استفزازية تنتهجها موسكو للتعبير عن رفضها للمشروع ومحاولة التأثير عليه”.
إذا كيف سيتعامل المترشحون مع هذه التحديات، والمشاريع الحيوية الاستراتيجية الأخرى ومن ذلك مشروع الألياف البصرية العابرة للصحراء، وخط السكة الحديدية الذي وإن تم سيغير في شكل المنطقة؟ كيف سيتعامل المترشحون في حال واجهنا صعوبات من روسيا وأطراف تود التشويش على الجزائر، كالمغرب باعتباره دولة وظيفية بيد الكيان الصهيوني؟ يتساءل المحلل السياسي؟
ويؤكد الدكتور حسام حمزة أن الذي يفصل بين مجال النفوذ الروسي في ليبيا ومالي هو النيجر، فإذا سقطت النيجر في يد روسيا وأصبحت خاضعة لاستراتيجيتها كما هو الحال مع مالي، حينها تصبح الجزائر مطوقة بصفة كاملة من الناحية الجنوبية الشرقية بالنفوذ الروسي، الأمر الذي يتطلب تصورات واضحة في كيفية التعامل معها.
وتناول أيضا حسام حمزة في مقاربته العلاقة مع المغرب، حيث أكد بشأنها أنها “علاقة قطعية تقترب إلى خانة العداء، ما الذي يمكن أن يحصل حتى تتغير العلاقة؟ هذه من الأسئلة التي على المرشحين إيضاحها، هل سنواصل النمط من العلاقة وهو الأرجح في اعتقادي؟ وإن كان هنالك احتمالية للتغير، فما هي المتغيرات التي يجب أن تحدث في الواقع حتى يتغير المشهد؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!