من les écoles-gourbie إلى الجامعات
أحسست يوم أمس بحبور كبير، وغمرني سرور كثير وأنا أتابع الملايين من أبنائنا وبناتنا في الطريق إلى المدارس والثانويات..
حمدت الله وشكرته، والحمد لله يقولها من قدر له أن يعيش تحت ألعن نظام، وهو النظام الفرنسي في الجزائر، ليس كمن يقولها وقد كرّم وجهه الله، فخلقه بعد تطهير الجزائريين لبلادهم من القذارة الفرنسية بعدما “نطق الرصاص وجرى القصاص”، كما قال الشاعر الفحل مفدي زكرياء.
إن طلب العلم في ديننا “فريضة” كما قال نبي الهدى – عليه الصلاة والسلام- ولكن لما نكبنا بهذا السرطان الفرنسي الخبيث فرض علينا الجهل بقوانين صارمة، فعشنا معيشة “حيوانية”، ولم نرح رائحة الإنسانية والكرامة حتى استأصل شعبنا المجاهد هذا السرطان الفرنسي اللعين بعد مائة واثنتين وثلاثين سنة من العذاب الهون.
أشاع هذا السرطان الفرنسي الخبيث، ليستر سوأته، ويواري عاره أمام العالم “أن العناصر الأهلية – أي الجزائريين- غير قابلة للتهذيب والتمدن”، (مجلة الشهاب، جانفي 1938، ص499)، وأننا “شعب بليد لا استعداد فينا للعلم”، (جريدة البصائر 2/8/1948)، وأبرز من رفع هذا الشعار هو “الجهول” بيير مورلان.
إن هذا الكلام الفرنسي قبل أن يكون جريمة في حق الجزائريين هو كبيرة في حق الله -سبحانه وتعالى- لأنه حرم من نعمة العلم بشرا ممن خلق، وهو – سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم: “كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا”، وهو أعدل الحاكمين، وأرحم الراحمين.
إن الدليل على سفاهة الفرنسيين وحقارتهم ونذالتهم هو أن كثيرا من مؤسساتهم في شتى الميادين قائمة الآن على عقول الجزائريين، الذين درسوا في المدارس والجامعات الجزائرية، والجامعات والمدارس العليا والمدارس الوطنية تنتشر في الجزائر من أقصاها إلى أقصاها.. ولا يدرّس فيها إلا معلمون وأساتذة جزائريون.
إن المدارس التي أسستها فرنسا المجرمة في الجزائر، لحاجتها إلى “أشباه متعلمين”، كانت تسميها – (les écoles-gourbis) أي المدارس الأكواخ.. وكان نصيب التلميذ الجزائري من ميزانية التعليم هو “فرنكان” في مقابل 52 فرنكا للتلميذ الفرنسي واليهودي (شارل روبير آجرون: تاريخ الجزائر المعاصر ج2، ص 160)، وأن الشهادة التي ينالها من “تنعم” عليه فرنسا بتعليمه الحروف الهجائية تسمى شهادة نهاية التعليم أو الدراسة (fin d’études)، ولهذا كان حمدان خوجة الذي لم يعش تحت حكم فرنسا اللعينة إلا أربع سنوات يقول ردا على من يتهم الأتراك بالظلم: “اللهم ظلم الترك ولا عدل الفرنسيين”، (ينظر حميدة عمراوي: دور حمدان خوجة..). وأنا أقول: “اللهم ظلم العالم أجمع ولا عدل الفرنسيين، وإن ساعة تحت حكمهم كألف سنة من العذاب الواصب”.
إن العالم المغربي تقي الدين الهلالي الذي لم تعش بلاده ولم يعش هو إلا سنوات قليلة تحت طغيان فرنسا ردّ على من يصف فرنسا بأوصاف نبيلة بقوله، وأنا على مذهبه:
أعادي فرنسا ما حييت فإن أمت فأوصي أحبائي يعادونها بعدي
وقالوا: فرنسا منبع العلم والسّنا وحرية الأقوام والعدل والرشد
وقائل هذا القول يلعن في السما ويلعن في تميم ويلعن في نجد
ويا ليت الشاعر قال: يلعن في الأرضين والسماوات بدل قوله: “في تميم وفي نجد”، وما ألجأه إلى ذلك إلا ضرورة الشعر.