من أين جاء هذا الطاعون؟
قبل سنوات لم نكن نسمع عن شيء اسمه “اختطاف الأطفال”، فأقصى ما كان يحدث في المجتمع الجزائري هو اختفاء الأطفال بسبب التيهان أو هجران البيت العائلي لسبب أو لآخر ولكن سرعان ما يعود التائهون و(الهاجرون) إلى بيوتهم سالمين معافين، ولكن الأمر اليوم مختلف تماما، فلم يعد هناك اختفاء للأطفال للأسباب التي ذكرتها، وإذا حدث ذلك فبنسب ضئيلة لا تكاد تذكر ولا تشكل حالة عامة، وإنما أصبح هناك اختطاف للأطفال بكل ما يحمله هذا من معاني الإخفاء القسري وما يصحبه من الإكراه البدني بكل صنوفه وضروبه.
اللافت للنظر الذي يستدعي الحذر ويوقف على الخطر هو أنه لا تكاد تنتهي عملية اختطاف إلا بقتل شنيع وفظيع ولا يكاد يشيع المختطفون المقتولون إلى مثواهم وتجف دموع ذويهم حتى تحدث عملية اختطاف أخرى ربما أكثر فظاعة وأشد وقعا وأعظم إيلاما، إن هذا يدفعنا إلى أن نسأل: من أين جاء هذا الطاعون ؟ هناك قراءات وتفسيرات كثيرة لهذه الظاهرة، فالحقوقيون يرجعونها إلى غياب آلية الردع القانوني، والاجتماعيون يرجعونها إلى خلل في المنظومة الاجتماعية، والدينيون -إن صح التعبير- يرجعونها إلى غياب الوازع الديني، والتربويون يرجعونها إلى خلل في العملية التربوية، في الحقيقة لا يمكن إنكار أهمية هذه القراءات والتفسيرات وخاصة إذا كانت مشفوعة بتدابير عملية تقضي على الظاهرة أو تحد منها على الأقل وهو أضعف الإيمان.
إن معرفة أسباب هذه الظاهرة شيء مهم ولكن الأهم منه هو ضرورة الوصول إلى معرفة مصدر هذا الطاعون القاتل الذي يفتك بالبراءة في الجزائر، ربما يتعذر معرفة المصدر الحقيقي لتوه وربما يتأخر هذا إلى حين، ولكن ليس من المتعذر على الإطلاق معرفة المصادر الافتراضية التي تفضي بعد ذلك إلى معرفة المصدر الحقيقي، ومن هذه المصادر الافتراضية تلك المشاهد الإجرامية التي تبث عبر الشاشات ومختلف الوسائط الإعلامية بدافع الإمتاع في بداية الأمر والذي يتحول بعدها إلى رغبة نرجسية وفضولية زائدة في التقليد والمحاكاة التي سرعان ما تنتهي إلى ممارسة سادية تطبعها الرغبة في الانتقام من الآخر والتلذذ بتعذيبه.
هذه العصابات مرتبطة بعصابات المال التي يدفعها حبها للمال إلى اقتراف هذه الجريمة من خلال طلب الفدية من أولياء المختطفين، ولكن هذه الفرضية تبقى محدودة لأن بعض الاختطافات شملت أطفالا ينتمون إلى أسر فقيرة ومعوزة، وهذا يرجح فرضية الدافع الانتقامي غير المرتبط بالضرورة بحالة الفقر أو اليسر التي تكون عليها أسر المختطفين.
وقد يقال إن هذا ممكن الحدوث مع كل فئات المجتمع وظاهرة الاختطاف في الجزائر مرتبطة بالأطفال دون غيرهم من الفئات العمرية والجواب أن الاختطاف شمل أيضا الفئات العمرية الأخرى ولكنه أكثر ارتباطا بالأطفال لأنهم الطرف الأضعف والهدف الأسهل، ومن هذه المصادر الافتراضية أيضا عصابات الموت التي تمردت على قيم وقوانين المجتمع ومردت على الجريمة وكأنها لعبة مسلية.
هذه العصابات مرتبطة بعصابات المال التي يدفعها حبها للمال إلى اقتراف هذه الجريمة من خلال طلب الفدية من أولياء المختطفين، ولكن هذه الفرضية تبقى محدودة لأن بعض الاختطافات شملت أطفالا ينتمون إلى أسر فقيرة ومعوزة، وهذا يرجح فرضية الدافع الانتقامي غير المرتبط بالضرورة بحالة الفقر أو اليسر التي تكون عليها أسر المختطفين.
ومن المصادر الافتراضية أيضا عصابات الشذوذ الجنسي التي يدفعها شذوذها إلى اختطاف الأطفال لإشباع رغبتها البهيمية ثم الإقدام على قتلهم خوفا من أن يفتضح أمرهم وتعرى صفحتهم بسبب تعقب المجتمع لهم وعلى رأسهم قوات الأمن التي لا تدخر جهدا في تعقبهم والإمساك بهم وتقديمهم إلى الجهات القضائية لينالون عقابهم وجزاءهم، ومن المصادر الافتراضية أيضا احتمال وجود عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والمرتبطة بشبكات المتاجرة بالبشر وخاصة الأطفال، وما يرتبط بهذه المتاجرة من المتاجرة بالأعضاء البشرية.
وما يرجح هذه الفرضية هو عثور رجال الأمن البواسل على أعضاء بشرية أو بقايا أعضاء بشرية للأطفال المختطفين، إن التعامل الجاد مع هذه الفرضية يستدعي فرض إجراءات صارمة على الحدود الوطنية ودعوة الجهات الطبية إلى اليقظة في التعامل مع كل حالات الاشتباه في التواطؤ مع شبكات المتاجرة بالأعضاء البشرية. ومن المصادر الافتراضية أيضا احتمال وجود عصابات إجرامية تهدف إلى إحداث الفوضى الاجتماعية العارمة وإدخال المجتمع الجزائري في مواجهة مع الدولة بتحميلها مسؤولية ما يحدث، وتنفيذ ذلك من بوابة مهمة وهي بوابة الطفولة التي تحتل مكانة خاصة داخل المجتمع الجزائري على غرار كل المجتمع الإنساني. إن الواجب الوطني يحتم علينا جميعا الوقوف في وجه هذه العصابات من خلال إبراز تلاحم المجتمع وتماسكه ووقوفه ضد كل ما يزعزع الاستقرار الاجتماعي، فهذا واجبنا حكاما ومحكومين وهو صمام الأمان ضد كل عبث يستهدف مجتمعنا ويسعى للامتداد في فراغنا.