-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الذي يكرَس تخلَف منظومتنا التعليمية؟

عمر أزراج
  • 1413
  • 0
من الذي يكرَس تخلَف منظومتنا التعليمية؟

لم تشهد الجزائر المعاصرة سجالا جديا حول المنظومة التعليمية، قصد وضع تصور متكامل لها بيداغوجيا، ومناهج وإطارات وأسس مادية وفلسفة ديمقراطية لها تكون أساسا لمشروع التنمية الوطنية الحداثية المتطورة، بما في ذلك تنمية الوازع الحضاري في المحيط الاجتماعي ككل وعلى مستوى البنيات السياسية ولدى الإنسان الجزائري، باعتباره الرأسمال الحقيقي لأية نهضة، ماعدا ذلك السجال الثنائي السريع ذي النفس المحدود الذي دار في فترة الثمانينات من القرن العشرين بين وزير التربية والتعليم حينذاك مصطفى الأشرف، وبين الأكاديمي والمثقف الدكتور عبد الله شريط.

لابد من التذكير أن ذلك النقاش الذي بقي أسير صفحات جريدةالشعببين الرجلين لم يُطوّر ولم يُحوّل إلى شأن عام بمشاركة وتوجيه أهل الاختصاص، بل إنه جُمّد عند سياج الصراع المكبوت بين  تيار دعاة التعريب وتيار المفرنسين.

وفي مرحلة الوزير السابق السيد بن بوزيد الذي عمّر طويلا على رأس وزارة التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي لم يحدث أيضا أي نقاش وطني حول المشكلات الأساسية المعرقلة لهذه المنظومة، ويلاحظ أيضا أنه منذ تعيين السيدة نورية بن غبريط على رأس الوزارة وعواصف الاحتجاجات، والإضرابات، وأشكال السجال الضحل لم تتوقف، وها نحن نرى الآن أن القضية قد أصبحت محشورة في خانة المطالب الاجتماعية والمادية لإطارات التعليم مهضومة الحقوق فعلا، وفي فضائح الغش في الامتحانات

في هذا المناخ السلبي، تكتفي النقابات بالتحريض على إقالة هذه الوزيرة، كما أن قطاعا من المدرّسين يقومون بمقاطعة مؤسساتهم، وإلى جانب هؤلاء، فإن المعادين لاستوزار المرأة بشكل عام، والمناوئين للوزيرة بن غبريط بسبب تكوينها باللغة الفرنسية يرون فيها خطرا على الهوية الجزائرية، علما أن عددا من الشخصيات التي تعارض وجود بن غبريط على رأس وزارة التربية كانت قد شغلت سابقا مناصب عليا في هذه الوزارة، وهناك من تربّع على رأسها بصفة وزير، وهم جميعا كرّسوا المناهج التقليدية نصوصا وطرائق تدريس، ونسقا منهجيا، وهم لم يعالجوا مشكلة انحدار المستوى اللغوي، والمعرفي، والأخلاقي بداخل هذه المنظومة التعليمية، كما أنهم لم ينجزوا تحديثها لجعلها بيئة للإبداع العلمي والمعرفي المتطور.

وفي الحقيقة، فإن العناصر الأساسية التي تزيد أزمة المنظومة التعليمية الجزائرية تفاقماً، لا ينبغي حصرها في المرحلة التأسيسية الخاصة فقط بالتعليم الابتدائي، والتكميلي، والثانوي فقط، بل إنها   //نيوية// وتشمل كذلك التعليم المهني، ومؤسسات التعليم الفني التابعة لوزارة الثقافة، وللمؤسسات التعليمية التابعة لوزارة السياحة، ولوزارات أخرى.

لاشك أن ضعف هذه الأنماط التأسيسية هي التي تنقل عدوى أمراضها إلى مرحلة التعليم الجامعي. وهكذا، فإن فتح النقاش العلمي حول هذه الأزمة البنيوية المركّبة لا يزال غائبا ومغيّبا لأن فتح هذا الملف للحوار النقدي والحر والشفاف، على مستوى النخب وعلى مستوى المجال الشعبي المدني، يعني مساءلة تراكمات الوضع العام بكامله ومحاسبة المسؤولين الذين توّلوا شأن المنظومة التعليمية بكل فروعها مباشرة. من البديهي القول إن المنظومة التعليمية ككل هي ركيزة أساسية وهي التي تقرر مصير جميع مرافق الحياة في المجتمع الجزائري وفي الطليعة مؤسسات وإطارات الدولة بما في ذلك مستوى النخب السياسية، ولكي يتم إحداث تحول راديكالي حقيقي في منظومتنا  التعليمية، فإنه يجب حتما إعادة الاعتبار لإطاراتها ماديا ومعنويا أولا، ولدور المؤسسات التعليمية في المجتمع ثانيا، وذلك بجعلها بيئة للعلم والمعرفة والأخلاقيات المتحضرة ومعاقل للتفكير وهندسة التنمية.

 كيف يمكن تحقيق هذه الغايات والأهداف؟ في هذا السياق، أشير باختصار شديد إلى نموذجين من التصور للمنظومة التعليمية وهما النموذج الذي شخّصه الدكتور طه حسين في كتابهمستقبل الثقافة المصريةسواء اتفقنا أو اختلفنا مع المنظور الثقافي ذي الظلال العرقية التي تلاحظ أحيانا في مقاربة الدكتور طه حسين، ولكن  الأطروحات المركزية لكتابه المذكور آنفا والمكرِّس لتحليل ونقد واقع التعليم المصري المتخلف، ومن ثم لبناء مشروع تعليمي متطور بديل له، لم تكن حول مرتّبات المدرّسين، ومشاكلهم الاجتماعية التي يجب أن تُحل بقرار سياسي سريع، أو حول نقابة التعليم، وإنما كان هذا الكتاب في الغالب منصبّا على قضية محورية كبرى وهي مصير الشخصية المصرية في العصر الحديث، وعلى إيجاد سبل لربط المنظومة التعليمية بمشروع التنمية بكل عناصرها الثقافية، والفكرية، والتاريخية، والحضارية، وعلى رسم الأسباب الكفيلة بإحداث التحوّل الاجتماعي النوعي وفي صلبه رهان البناء الثقافي، والعلمي والروحي والترقية السياسية.

 أما النموذج الثاني، فيتمثل في جهد الفيلسوف الأمريكي وليم جميس الذي كرس كتابا كاملا عن علاقة التعليم ببناء الديمقراطية كنسق  اجتماعي مكوِّن للوازع الديمقراطي للمحيط العام، وللبنيات النفسية والعاطفية لدى الأجيال وسلوكها اليومي، كما قدم هذا المفكر البارز، في إطار مبادئ فلسفته البرغماتية التي تؤمن بأن قيمة الفكرة تقاس بفاعليتها وتجسدها في الواقع وبنفعيتها، تصورا واضحا لمبادئ وكيفيات وآليات وتربية الطلاب والطالبات على تحويل الأفكار إلى أفعال في الواقع.

وهنا يطرح هذا السؤال الأساسي: ما هي صفات وخصائص الشخصية الوطنية القاعدية ذات الفاعلية التي نريد أن نصنعها بواسطة التربية والتعليم في مجتمعنا الجزائري؟ وما هي القيم والأخلاقيات والجماليات التي تقوم على دعائمها هذه الشخصية؟ وكيف نبني العقل الجديد والمتطور الذي تجتمع فيه هذه العناصر وبها يشكل وعي وسلوك الأجيال في مدارسنا ومعاهدنا وفي المحيط الاجتماعي؟ عندما نحدّد الإجابة عن هذه مجتمعة، عندئذ فقط يمكن لنا أن نبدأ فعلا في وضع التصور الهندسي الذي يؤدي إلى إخراج منظومتنا التعليمية من الركود وضعف المستوى ثم الانطلاق بها إلى آفاق التحديث والعصرنة.

لاشك أن الوزراء والمسؤولين الذين توّلوا مسؤولية التعليم، قد ساهموا في إنتاج بعض أسباب  أزمة المنظومة التعليمية الجزائرية، ولكن ينبغي الاعتراف أيضا بأن هذه الأزمة معقدة جدا، وهي نتاج تراكمات لها علاقة مفصلية بالمستوى العلمي والثقافي للمجتمع الجزائري ما بعد الاستعماري، وبنقائص مرحلة الاستقلال التي لم يتأسس فيها منذ البدايات الأولى نموذج المنظومة التعليمية التي تسند لها وظيفة التفكير للمجتمع، والقيام بمهمة التربية وهندسة الوعي، وذلك في إطار التفتح على الطاقات الروحية للتجارب التعليمية المتطورة في العالم.

 إنه بسبب نتائج تراكمات هذه الأخطاء الخطيرة صرنا بعيدين عن أبجديات مجتمع المعرفة والقيادية الفكرية والثقافية، وجماليات العلم، وأخلاقيات السياسة الديمقراطية المتحضرة، والإنسان العصري الجديد سلوكا وذهنية.

هوامش:

* ..هم جميعا كرّسوا المناهج التقليدية نصوصا وطرائق تدريس، ونسقا منهجيا، وهم لم يعالجوا مشكلة انحدار المستوى اللغوي، والمعرفي، والأخلاقي بداخل هذه المنظومة التعليمية، كما أنهم لم ينجزوا تحديثها لجعلها بيئة للإبداع العلمي والمعرفي المتطور.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مفكر

    انا اقترح النموذج الثالث الذي لم تذكره نموذج / ايفان اليتش في كتابه - مجتمع بدون مدارس-

  • dallel

    تشحيص الداء هو السبيل الوحيد للعلاج و الداء في منظومتنا التربوية يكمن بالفعل كما شخصته ياسيدي الكريم في عدم وجود سياسة واضحة ذات أهداف مسطرة من أجل بناء الإنسان الجزائري على كل المستويات الأخلاقية و الجمالية والثقافية وبناء الهوية الجزائرية المحضة التي تتصالح مع تاريخها وماضيها البعيد وحاضرها ومستقبلها. للأسف فإن منظومتنا التربوية طيلة خمسين سنة وأكثر ظلت تتخبط كل مرة في دوامة تغيير البرامج والمناهج والانتقال من التعليم الابتدائي إلى الأساسي إلخ... دون وضع خريطة عمل لتديث التعليم.

  • برسناتن

    لا تدخلوا الدين فيم اقول
    اسباب تخلفنا معروفة ومقصودة
    تمركز العرب الصهاينة في المراكز الحساسة في الحكم بمعاونة الفرنسيين وامريكا وو
    اللغة العربية الميتة
    والمشكل الاعظم ثقافة العرب

  • GHIDI

    السلام
    إن التحدث عن التعليم الآن خطأ كبير لان الوقت قد فات و سبقتنا كل الأحداث
    إنها و بدون أدنى شك النهاية
    لا عاد الأستاذ يعمل و لا التلاميذ يدرسون ، و بإختصار الجميع مل و كره
    كل شيء مباح ، النقاط تعطى بدون مجهود
    و الجميع ناجح ,,,
    الأستاذ ينتظر الشهرية فقط لا ضمير و لا إحساس
    و التلميذ لا يعرف معنى للدراسة
    المناهج الجديدة جميلة و لكن نحن لا نعرف تدريسها لان تطبيقها يحتاج إلى إمكانيات
    مادية و معنوية لا يستطيع احد توفيرها
    المادية ليست الشهرية فقط
    و المعنوية الإستعدادات للتدريس لا توجد

  • BESS MAD

    لا أعلق و لا اضيف و لست في مستواها.بل ظروف المعايشة وتأدية المهمة هما من دفعاني لحشر أنفي في مبتغاكم.أنا أرى أن حشر الإديولوجيا التي يرادها استساخ البشر الطيع السلبي الذي لا يحق له إبداء الرأي. المدرسة في الجزائر نهجت منهج أبوية أزواج الأم الملونون يلون أعناق اليتامى لخدمتهم و ليس لتربيتهم ليفيدوا و يستفيدوا. تعجبني العبارة(أن قيمة الفكرة تقاس بأهميتها و تجسدها في الواقع و بنفعيتها). الأهمية و النفعية إذا حضنت في قيم المجتمع ليحميها من التطرف و خروجها تكون أثمر. احتراماتي