من القلم.. إلى الرصاص!
يُعرّفها بعض الناس بالسلطة الرابعة، ويريدون منحها مكانا تحت شمس السلطة الحاكمة، أو على الأقل جعلها جسرا يربط القمة بالقاعدة، لكنها في حقيقة الأمر لم تستطع أن تكون جسرا ولن نبحث لها عن مكان في ترتيب السلطات الحاكمة والمؤثرة في البلاد.
عندما نتحدث عن الصحافة في الجزائر، يُبهجنا ذكر أيامها الخوالي وما فعلته في زمن الاستعمار، ونفتخر بذكر رجالاتها ومنهم باعثو النهضة الجزائرية من أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي وكل من تحدى فرنسا بقلمه، الذي لم يكن له من حاضن سوى الصحف التي أسّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس من المنتقد إلى الشهاب، وعندما يعترف المفكر الكبير مالك بن نبي بأنه تتلمذ على يد افتتاحيات الشيخ بن باديس التي أدمن قراءتها عبر جريدة الشهاب، ندرك أن الصحافة لم تكن سلطة رابعة ولكنها كانت الفيلق الأول في رحلة جهاد الجزائريين ضد المستعمر.
وعندما ننظر إلى حال الصحافة الآن ونتابع احتضارها من غلق الكثير من المنابر الإعلامية نتساءل عن سبب تأخرنا رغم أننا من روادها، وأصحاب رسالة إعلامية ضخّت للجزائر وللعالم العربي، المئات من الأقلام التي أوجعت المستعمر ومهدت لانهياره في ثورة التحرير التي بدأت بقلم الرصاص وانتهت بالرصاص.
صحيح أن الصحافة دخلت عالم السمعي البصري، وانتقلت إلى الفضاءات الزرقاء والقوس قزحية اللون، وصحيح أن القلم ضاع مع عواصف المال والأعمال، ولكن الحقيقة أن النبتة الطيبة تقاوم دائما الفطريات، وتزهر ولو بعد حين، وقد تمتد جسورها لترمّم هذا الوصال المقطوع، بين السلطة والمواطن البسيط، الذي جعل من الصحف ومن القنوات الخاصة أول حضن يستقبل أنينه، على أمل أن يكون له صدى لدى السلطات الثلاث في البلاد إيمانا منه بأن الصحافة هي السلطة الرابعة فعلا.
لقد تعدّدت الاحتفالات في الجزائر وتنوعت، ولكنها جميعا لم تؤسس لمرحلة التقييم والتقويم، فاستقرت على تبادل التهاني وتناول المشروبات والمرطبات، فشابه اليوم الوطني للصحافة يوم الشجرة التي كلما احتفلنا بيومها الوطني، كلما تعرضت غاباتنا إلى مزيد من الحرق والإبادة حتى صرنا نخشى أن يأتي علينا حين من الدهر لا يمكننا فيه الاحتفال بيوم الشجرة، عندما تزحف الصحراء على ساحلنا، كما نخشى أن يأتي يوم علينا، لا نجد من ينشط احتفالنا باليوم الوطني للصحافة، ولكننا سنتشبث بأمل البقاء، لأن جذوع شجرة الصحافة تمتد إلى زمن عمر راسم والشيخ عبد الحميد بن باديس ورضا حوحو ومالك حداد. وما كان جذعها في الأرض الطيبة في زمن الأخيار، لا بد أن يُزهر ولو بعد حين، ويتحول إلى جسر يربط بحب وثقة، القمة بالقاعدة، ويمارس صلاحيته كسلطة رابعة، ويُرجع للرصاص الألم الذي يفتك بالشر، والأمل الذي يُمنح للخير.