من يصنع اليأس؟
هذا السؤال تفرضه أحداث الأيام القليلة الماضية، والتعليقات عليها، والتحذيرات التي تبنتها مؤسسات الإعلامية وشخصيات رسمية وشعبية من مغبة جنوح المجتمع إلى العنف في التعبير عن احتجاجاته ومطالبه الإجتماعية أو السياسية، وبلغت المخاوف حدا أن الأئمة تبادلوا على صفحات التواصل الاجتماعي مقترحات حول موضوع خطبة الجمعة لهذا الأسبوع الجمعة 06/01/2017، وهي تدور في مجملها حول نعمة الأمن ونقمة الفتنة.. كما نشر توجيه منسوب إلى وزارة الشؤون الدينية في نفس السياق لا أدري مدى صحة نسبته إليها.
على كل حال “الفتنة نائمة لعن الله من أيقضها”، فلا يوجد عاقل في العالم يريد لبلاده الفتنة، ولا يوجد عاقل يسعى لإشعار النار في داره، ولا في دار الآخرين، ولا يوجد عاقل يسعى إلى خراب بيته وآل بيته…، ولكن عندما تتراكم الأخطاء والخطايا والمزالق والمعوقات وسوء التسيير فيستشري الفساد وتسحق الطبقة الوسطى في المجتمع ويحرم المواطن من أبسط الحقوق التي يفترض أنه لا يبحث عنها وإنما هي التي تصل إليه.. عندما يكون كل هذا ماذا ننتظر من المجتمع؟
إن الشعوب بطبيعتها هي التي تصنع الأحداث ولا تُصْنع لها، وتُخْدم ولا تَخْدم؛ لأنها صاحبة السيادة، ومن طبيعتها أيضا أنها لا تسمح لهذه السيادة بأن تمس، ومع ذلك فهي تقاد ولا تقود، فهي مطبوعة على الانقياد لنخبها الراشدة، وكل ذلك يكون عندما تكون الشعوب متناغمة مع نخبها، فتشعر بأن نخبها تخدمها وتفكر في مصائرها العاجلة والآجلة، وكذلك النخب عندما يكون همها كيف تؤطر شعوبها لتصنع الحدث وفق طموحاتها ووفق ما تريد الوصول إليه في قليل أو كثير من أمور الحياة كلها.
وعندما ينقطع هذا الحبل الذي بين النخبة والشعب، فلا يبقى واصل بينهما، فإن النتيجة المتوقعة هي لا حاضر يستقيم ولا مستقبل يبنى، وهذا شعبنا الجزائري الذي عاش مدة 132 سنة تحت نير الاستعمار، لم يتأثر به ولا اعترف به ولا بفضائله ولا برذائله، فعاش خلال هذه الفترة مقاوما ثم معترفا بغلبة القوة التي عجز عن مقاومتها، ولكنه بقي بعيدا كل البعد عنه وعن الاعتراف به وعن الإيمان بشرعيته، فكانت المفاصلة التي استمرت إلى أن اندلعت الثورة وأعادت للشعب حقه.
لا شك أن هناك فارق جوهري.. بين موقف شعب من الاستعمار، وموقفه من نخب وطنية، ولكن سقت هذا المثال لتتضح فكرة المحافظة على السيادة في ثقافة الشعوب؛ لأن نخبنا اعتادت الوقوف عند النتائج والأعراض للمشكلات القائمة في المجتمع، ولم تكلف نفسها البحث في الأسباب الحقيقية، بحجة الوقوف في وجه الفتنة، وقطع الطريق على المتربصين بالبلاد، في حين أن هذا النهج لا يقضي على المشكلات المراد علاجها، وإنما يمدد في عمرها، ولا يقضي على أسباب الفتنة وإنما يؤجلها، وكأن هذه النخب لا تريد القضاء على الفتن نهائيا، وإنما لا تريد أن تظهر مسؤولة عنها.
ونقصد بالنخبة جميع إطارات المجتمع سلطة معارضة، أحزابا مجتمعا مدنيا، كل من موقعه ومن مستوى تأثيره؛ لأن المسؤولية في المجتمعات جماعية، ولكنها موزعة على الجميع بحسب مواقعهم ومستويات تأثيرهم في الواقع سلبا وإيجابا.
وأنا هنا لا أتهم أحدا بعينه أنه السبب المباشر فيما وقع من أحداث أو ما سيقع لا قدر الله، وإنما أٍؤكد أن الاضطرابات التي وقعت وتقع وستبقى تقع ما دامت أسبابها قائمة، بأشكال وأنواع، إضرابات تجمعات حرق وتخريب، لن توقفها مجرد الإدانات والتنديدات والوعظ الديني والفتاوى بتحريم هذا الفعل وبدعية ذاك، وإنما يقضي عليها انتفاء أسبابها؛ لأن بقاء سبب واحد من أسباب الفتنة، يمكن أن تعلق عليه مئات القضايا الوهمية…، فقانون المالية 2017 مثلا، “قميص عثمان” الذي علقت عليه آمال “الفتانين”، هو قانون عادي ككل عام، لا يوجد فيه ما يصلح، لأن يكون سببا في اضطرابات كبيرة، وإنما لكونه جاء بعد مستويات لا بأس بها من التدني الاجتماعي ومن الأخطاء المتتالية السياسية واجتماعية واقتصادية، والمعالجات العرجاء، وخطابات التيئيس، كانت فرصة للمتربص بأن يدعي ما يشاء ويفعل ما يريد، ويجد من اليائسين من يستجيب بإحداث شرارة فقط..
من يصنع اليأس إذا؟ الذي صنع فرصة الاضطراب وكان سببا في تراكمها؟ أم الذي وجدها “طايبة” واستغلها؟ فأشعل نار الفتنة التي كان يسعى إليها منذ أمد..
إن اليأس صناعة، مهندسوها النخب في المجتمعات، وخبراؤها أعداؤها، وأرباب مصالح سلطوية ومالية فيها، والشعوب في ذلك ضحايا في كل الحالات، تمرر عليهم المصالح برضاهم وبغير رضاهم، وثاروا أو استسلموا، هم الذين يدفعون الثمن “مذبوح في العيد أو في عاشوراء”، ذلك أن اليأس في المجتمع لا يولد كتلة واحدة، هكذا في لحظة ما، كان متفائلا فأصبح يائسا، وإنما يتراكم شيئا فشيئا، اليوم يقال له نم وارتاح الدولة تضمن لك وتقدم لك، ثم يمنع من الوصول إلى حق له، وغدا يحرم من القيام بواجب، وبعد غد يقال له إنك لا تفهم، وفي اليوم الرابع يقال له إنك مستعمل ومغرر بك، وفي الخامس يقال له نحن في أزمة يجب أن تشارك في التقشف بالاستغناء عن بعض الضرورات أو تتحمل بعض الإجراءات الاستثنائية، إلى أن يصبح يتربع على كمٍّ هائل من المظالم والتجاوزات والأخطاء والخطايا، فيفقد بقدر ذلك من التفاؤل والأمل والأماني، بحيث يصبح المجتمع أينما يولِّ وجهه يرى مظلمة أو تجاوزا أو خطأ أو خطيئة، عندئذ يتحول إلى يائس بالكامل، وهنا تختلف فئات المجتمعات في التعامل مع “ظاهرة اليأس” هذه، فبعضهم يهجر البلد ويذهب إلى حيث يجد من يقدره ويقدر جهده، وفي هذا الإطار تدخل جميع أنواع الهجرة الشرعية وغير الشرعية، وبعضهم يتجاهل المؤسسات الرسمية لأنه لا يرى فيها ضمانا لحقوقه فيخرج عن القانون ويحدث لنفسه قنوات أخرى، وفي هذا الإطار تدخل “المعريفة”، والعلاقات الخاصة والرشوة والارتشاء…، وهذا الصنف لا يدخل فيه الشعبي الذي يشعر بالظلم وحسب، وإنما يدخل فيه الموظف في مؤسسات الدولة أيضا، الذي تنتقل إليه عدوى عدم الشعور بالحماية، هو الآخر، فيسخر نفوذه في خدمة نفسه بما يأخذ ويتوسط ويعطي…، ثم تأتي المرحلة الأخيرة من اليأس وهي التخريب والتمرد على الواقع احتجاجا على الفساد، الذي تراكمت أصنافه وأشكاله ومضامينه.
إن المرء يتألم لهذا الواقع، إذ لا يوجد عاقل يرضى أن يهاجر الشاب من بلاده بسبب حرمانه من العمل أو من أبسط الضمانات الاجتماعية التي تكفيه شر السؤال، كما لا يوجد من العقلاء من يرضى بالخروج عن القانون لتحل محله فوضى العلاقات الشخصية والعشائرية والجهوية والمصالح الخاصة، ومن باب أولى عدم وجود من يرضى أن تحرق بلاده بحجة أن شعبها يطالب بحقوقه الضائقة..، ولكن ما هي النتائج التي ننتظرها عندما يهدد المجتمع في أبسط حقوقه..؟ إنه حتما لا يعبأ بالمصلحة العامة بقدر ما يهتم بمصالحه الخاصة، لأن السفينة التي يركبها لا يجد فيها نظاما يحدد له مساراته واحترام: ما له وما عليه؟، وعندما يتشتت المجتمع ويصبح مجموعات متباعدة لا يهمها إلا مصالحها الشخصية الفردية والفئوية، فإنهم لا يجمعون إلا على تحطيم ذلك الواقع وكسره، ولا أحد يفكر في النتيجة..، لأنه لا يتصور لها نتائج، يكون هو أول ضحاياها. والفتن كما هو معروف، معلومة البداية ولكن نهاياتها لا يمكن لأحد تقديرها مهما ادعى ذلك.
تبقى فكرة الاستثمار الأجنبي للفتن التي تقع في المجتمعات، فهذا تحصيل حاصل؛ لأن العلاقات الدولية مبنية –بكل أسف- على منطق المصالح وامتدادات الأجهزة الأمنية للقوى الكبرى في المجتمعات والدول الصغيرة…، في مثل هذه الحالات متوقع وغير مستبعد لأنهم “هذي هي خدمتهم”. فتدخل المخابرات الفرنسية أو الأمريكية بأي شكل من أشكال التدخل في البلدان المصابة بفوضى الفتن عادي؛ لأنه من صميم نشاطاتهم، ولكن ذلك لن يكون إلا بالقدر الذي نصنعه نحن من اليأس الممهد للفوضى، أي أننا نحن الذين نصنع الشرارة وهم يدخلون كروافد مؤججة للنيران، وذلك عن طريق الاختراق والتحريض، وكما أنا متيقن من أن تلك القوى لا تستطيع فعل شيء إلا بالقدر الذي نقدمه نحن من استعدادات، وأنا متيقن أيضا من أن المواطن الجزائري لا يقبل أن يكون “خماسا” للمخابرات الأجنبية، إلا ما يكون من شرذمة انفصالية لا تعد، باعت نفسها للشيطان، ويتألم المرء أكثر عندما يرى أن هذه الأسباب الموضوعية توظفها جهات أخرى عدو لا تريد الخير للجميع، ولا يلاحظ على نخبنا عموما وعلى التي في السلطة بوجه خاص، أنها أخذت الأمر بجدية وراجعت حساباتها في جانب أو جوانب مما يدخل في مسؤوليتها، كما قال أحدهم في سنة 2011 عندما قيل له إن المتظاهرين لهم مطالب سياسية؟ فقال لا ليست لهم مطالب سياسية، وإنما لهم مطالب اجتماعية، وكأني بهذا المسؤول أنه “جا يكحلها أعماها”؛ لأنه نسي أن المطالب الاجتماعية آخر ما يطالب به المجتمع، أي عندما يفقد كل شيء.. فتحركه غريزة حب البقاء، مثل الحيوات تماما، وهذا التصريح بكل أسف أقل ما يقال فيه احتقار للشعب.