-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

منظومتنا التعليمية وخطر نشر الوعي المتكيّف

عمر أزراج
  • 3026
  • 0
منظومتنا التعليمية وخطر نشر الوعي المتكيّف

مما لاشك فيه أن دور المنظومة التربوية التعليمية هو تكوين العقول التي تفكّر بحرّية وبروح نقدية، وبدون تحقّق هذا الهدف فإن الأجيال ستبقى أسيرة للتقليد النمطي، وإعادة إنتاج الأفكار التي تعبّأ بها رؤوس هذه الأجيال والمواقف التي تُرسم لها.

من البديهي القول إن تغيير الثقافة، والبنية الذهنية، والوعي، يبدأ أولاً في المؤسسة التعليمية ثم يأخذ طريقه إلى المحيط الاجتماعي وإلى أجهزة الدولة.

في هذا السياق، ينبغي التمييز بين نمطين متناقضين من الوعي الذي تبنيهما المؤسسة التعليمية وهما إما الوعي المتكيف، أو الوعي المتعدي. وهنا نطرح هذا السؤال: أي من هذين النمطين من الوعي ينبغي أن يغرسه التعليم ببلدنا الجزائر في نفوس الأميين والطلاب والطالبات بمختلف فئات أعمارهم؟ إن الإجابة على هذا السؤال متضمنة في تقديري في تقديم بعض معالم تجربة تعليمية أمريكية لاتينية متميزة أنجزت رهان بناء الوعي المتعدي وتخلصت من آفة الوعي المتكيّف، وآمل أن تستفيد منها منظومتنا التعليمية الوطنية.

لقد تفاعلتُ مع الجانب الفكري النظري لهذه التجربة الرائدة، في السنوات الممتدة من الثمانينيات من القرن الماضي إلى الآن، وهي تجربة المفكر والمربي البرازيلي المعروف باولو   فريري الذي تمكن من إنجاز برنامج محو الأمية في فضاء المجتمع البرازيلي وفقا لاستراتيجية بناء الوعي النقدي على أنقاض الوعي المتكيَّف في الأرياف بشكل خاص؛ حيث يوجد الأميون بأعداد كبيرة جدا. وبالفعل، فإن هذه التجربة قد تحولت إلى نموذج في كثير من مجتمعات أمريكا اللاتينية.

 إن الفضل في لفت انتباهي إلى كتابات هذا المفكر البارز يعود إلى صديق إيراني كان ينجز في ذلك الوقت رسالة الدكتوراه بجامعة “كنت” البريطانية حول كتاب باولو فريري الذي يحمل عنوان “تربية المضطهدين”، وهكذا قمت بتعميق صلتي بكتب باولو فريري الأخرى ومنها “بيداغوجيا الحرية” و”بيداغوجيا  القلب” و”بيداغوجيا الأمل”، و”بيداغوجيا السخط من أجل الكرامة”، و”المعلمون كحمّالي الثقافة الذين يجرؤون على ممارسة التعليم” و”التعليم من أجل الوعي الناقد”.

يرى باولو فريري أن التحرير ينبغي أن ينطلق، على نحو استراتيجي، من محو الأمية بكل أنماطها وتمظهراتها في المجتمع البرازيلي، لقد سعدتُ كثيرا أن بعض أعمال هذا المفكر المربي قد تُرجمت إلى اللغة العربية من قبل توفيق عوض، والدكتور أحمد عطية والدكتور حامد عمّار وهم جميعا من مصر.

لقد كتب “فريري” كتابا آخر يحمل عنوان “الفعل الثقافي من أجل الحرية” وهو مهم جدا، حيث يقدّم فيه استراتيجية فكرية للتحرير النفسي، والذهني، والفكري الذي يؤدي مباشرة إلى التحرير الثقافي الذي يُعتبر أكبر وأخطر مهمّة ينبغي القيامُ بها لإنجاز الشخصية القاعدية الديمقراطية للمجتمع برمته، وكما نرى، فإن في أمريكا اللاتينية، والبرازيل جزء أساسيا منها، مساهماتٍ رائدة في مجال محو الأمية، وهي تهدف إلى إحداث التحولات الجذرية في البنى الذهنية والنفسية، وفي المفاهيم والأفكار المغرقة في التقليدية، والخضوع، وتلك المرتبطة بمشاريع الاستعمار الكلاسيكي والجديد معا.

ولابد من ذكر مساهمة مفكر أمريكي لاتيني آخر، وهو اندريه غاندر فرانك، والمتمثلة في نظريته المعروفة باسم “نظرية التبعية” التي تعدّ من النظريات الفكرية الناجعة لمقاومة التخلف الذاتي، ولأنماط  السيطرة الرأسمالية الغربية في العالم الثالث، إن نظرية غاندر فرانك ونظرية فريري، وكذلك نظرية مفكر آخر وهو عمانويل ولرشتاين المعروفة باسم “نظرية الأنظمة العالمية” تشكل في مجموعها أسلحة فكرية، تضاف إلى نظرية “فك الارتباط” للدكتور سمير أمين، لتكوين الإنسان الجديد الذي تقع على عاتقه مهمّة إخراج مجتمعات العالم الثالث من الهامش، والتبعية، ومن التخلف الذاتي، ومن ثم الانطلاق في تحرير قِواها الإبداعية بغية بناء وتأسيس النهضة في عمق وعي المواطنين، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية، وعلى مستوى البنى المادية والرمزية معا.

ومن هنا، آن الأوانُ ليبدأ مثقفونا في الجزائر في استيعاب التجارب التعليمية المحورية في أمريكا اللاتينية ومنها التجربة الفكرية والتربوية الخصبة للمفكر باولو فريري، والتي تتأسس على عنصرين أساسيين وهما فهم استراتيجية محو الأمية فهما جديدا، وبعيدا عن تلك الممارسات التقليدية التي تُلخّص كمجرد تعليم الكبار من الأميين القراءة والكتابة، إن هذا النمط من التعليم التقليدي ليس إلا جزءا بسيطا من استراتيجية قهر الجهل.

بالنسبة لــــــ”باولو فريري”، فإن محو الأمية ينبغي أن يبدأ وبقوة من محو الوعي الذي يُنتج القيم الرجعية والمتخلفة، إن هذا الوعي الزائف يضرب بأطنابه في النسيج الكلي للمجتمع وخاصة في التجمعات الريفية، والفلاحية التقليدية والمهمّشة، ونظراً لذلك، فإن فريري يقترح النظرية التربوية والتعليمية التي تقلع جذور الذهنية المتخلفة.

 إن التعليم الذي يقترحه باولو فريري، هو التعليم الذي يبني الشخص “الفاعل الايجابي” وليس الشخص “المتكيّف” الذي سُلبت منه فاعلية مقاومة التخلف، والهيمنة، وكل ما يعوق خطواتنا نحو الحرية

وبناء على ذلك، فإنه ينبغي أن تكون النصوص التي تعلم للكبار، وللفئات الأمية، متضمنة للمفاهيم الجديدة، وللقيم التقدمية التي تتأسس على خيارات الحرية والديمقراطية، وعلى التوجيهات النقدية لكل ما يحشر العقل في أقفاص الشعوذة، والاغتراب الفردي والجماعي، ويحوّله إلى أدوات للإذعان، وقبول للأجهزة الإيديولوجية السلطوية المتسلِّطة، ولطقوس إعادة إنتاج الأفكار والسلوكيات التي تروِّج لها، وتصفِّح بها هذه الأجهزة الأفراد بأشكال غير مباشرة في أغلب الأحيان، أي بواسطة ما يُسمى بتكتيك تشغيل الهيمنة الناعمة لفرض الذهنية المتكيّفة مع الواقع المفروض، والتي يريد أصحابها ومحركوها من وراء الستار  أن تسود في المجتمع.

وفي هذا السياق يقسم باولو فريري الوعي إلى صنفين، ويُسمى الأول الوعي الساذج أو المتكيّف، ويسمى الثاني الوعي المتعدي أو النقدي؛ وفي تقديره فإنه ينبغي أن تركز  العملية التربوية، في مجال محو الأمية وعلى مستوى المنظومة التعليمية بكاملها، على تربية الوعي المتعدِّي الذي يتجاوز الفكر التبسيطي، والانغراس في الماضي وتقديسه، والانفعال، والانغلاق، والميل إلى التجمهر الفولكلوري.

إن التعليم الذي يقترحه باولو فريري، من أجل محو الأمية يتمثل، حسب تعبير دنيس جوليت، في تلك العمليات التي تنمِّي روح “مواجهة إشكاليات الواقع في عالم الطبيعة والتاريخ والثقافة”، إنه التعليم الذي يبني الشخص “الفاعل الايجابي” وليس الشخص “المتكيّف” الذي سُلبت منه فاعلية مقاومة التخلف، والهيمنة، وكل ما يعوق خطواتنا نحو  الحرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مواطن

    ضروري أن يطلع مفكرونا على ما أنتجه العلماء في بقاع الدنيا خاصة في ميدان التربية الذي يشكو قطاعها عندنا أزمة تتصف بالفشل رغم توفر وسائل المعرفة.ذلك أننا خلال بحثنا عن المخرج من ورطتنا نلجأ إلى استيراد تجارب ناجحة عند غيرنا لتطبيقها في بيئتنا فلم نحظ بما يناسبنا.ذلك أننا لم نجعل موضع البحث خاصيات الشعب الجزائري ولا أسس ثقافته ولا بيئته الطبيعية والاقتصادية ولا نوعية البشر الذي ينمو في هذا الوسط ولا التقاليد الاجتماعية التي دونها لا يمكن ترقيته إلا شكليا ولفترة وجيزة.التربية هي معرفة خواص كل متكون.

  • الجيدة

    السيد المحترم الكاتب الشاعر عمر ازراج اذا تكرمت اكتب مقالا توضح لنا فيه مامعنئ التحرر من الماضي المقدس?فهل يمكن ان تكتب عن الدين وعن التاريخ?هل المجتمع الجزائري مجتمع ريفي يمكن ان تطبق عليه نظريتي باولو فيري و اندريه غارند فرانك.?اعتقد ان المجتمع الجزائري خرج من التقسيم على اساس الريف و المدينة منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي بفضل اجبارية التعليم على كل مواطن بلغ سن السادسة بغض النظر عن التسرب المدرسي وترك مقاعد الدراسة لسبب او لاخر فهذه استثناءات وليست القاعدة........

  • الحسين

    في الجزائر الفكر و نمط التفكير لا تحدده المنظومة التربوية او المدرسة بل الشارع و المجتمع لان الانسان منذ اول يوم يلتحق فيه بالمدرسه يكون هدفه من ذلك واحد هو نيل الشهادة باي طريقة للحصول على عمل و هذا فكر المجتمع الذي و رثه من من سبقوه الذين ورثوها من 132 سنة من تراكمات استعمار اتى على كل شيئ و خلف شعبا جريحا و جاهلا اميا ترسخت في ذهنه فكرة اولوية البحث عن العيش الكريم بعد ان احرقته و جوعته سنوات الاستعمار و بقي الفكر متوارثا لان مسؤولينا فاشلون و لم يعرفوا يوما العلة لمشاكل البلاد في كل المجالات

  • الحسين

    ما كتبه الكاتب ينطبق عليك من حيث فكرك النمطي الذي اكتسبته لخلفية انك امازيغي فقط و ليس فيك اي روح نقد للذات و راسك المتحجر قاس مثل الصخرة يرفض التكيف مع اي افكار اخرى او نقدها نقدا بنائا و ليس تفريغ احقادك الوهمية عليها يا غبي نحن نريد عودة ثقافتنا الامازيغية لكن ليس بافكار امثالك و امثالك من الحمقى من المتطرفين مرضى النفوس هم من شوهوا هذه الغاية النبيلة و جعلوها محل شبهة ثم لمذا تسمي نفسك ترامب اقتداء ب هذا القذر اجدادنا الامازيغ انفسهم الد اعداء الغرب و حاربوهم كما لم يفعل شعب اخر منذ 23 قرنا

  • الحسين

    1/-انت موهوب جدا لكن في مذا في التهريج و تصلح مهرجا اذا اردت المستوى العالي حقا هنا في كتاب الشروق ف عليك ب عمر ازراج كلامه لا يتناقض تماما مع ما قاله عن اللغة التامزيرية لان هذا الكاتب الكبير ليس مثل بقية الكتاب هنا مستواه عال و هو عميق التفكير و يعرف ما يقول جيدا و ستقرا هذا بين الجمل و العبارات لكن معالج البيانات عندك ضعيف و مستواك محدود يا عقل العصفور هذا دليله نقدك له لاقتباسه من مثقفين برازيليين لانك لا تفهم الفكر لا تحدده الجغرافيا و الاماكن و البلدان بل العقول و اطلبو العلم و لو في الصين

  • شوشناق

    براك الله فيك على هذا المقال

  • ali

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مشكل التربية في الجزائر مدروس ومحبك ويعد من استراتيجيات بعض الخونة المندسون في اوساط المجتمع الجزائري و متشبعون بافكار هدامة مستوحات من فلاسفة لا علاقة لهم بالانسانية فحسب بل يريدون تحطيم الكرة الارضية لو كان بمقدورهم .بغض النظر عن الذهنيات الفاسدة المحقونة في عقول معظم الجزائريين كمثل هذهالعبارة الدنيئة" اللي قرا واش دار " من خلال هذه العبارة نستنتج الاسس المبنية عليها المنظومة التربوية في الجزائر.والسلام عليكم..

  • الحرية

    إن المهمة الأساسية للمدرسة لا تكمن في تكوين جيل يقرأ ويفك الحروف فقط وإنما تكمن في بناء جيل يعي ما يحدث حوله ويستطيع أن يتفاعل مع كل المؤثرات الداخلية والخاريجية من أجل تطوير ذاته ومن أجل إحداث قطيعة مع التخلف ومع كل المرجعيات الذهنية المتخلفة التي تعوق الإنسان الجزائري على التقدم. فالمنظومة التعليمية الجزائرية منذ الاستقلال أنتجت حاملي الشهادات بالملاين ولكن ما مدى فاعلية هؤلاء في الواقع ؟ للأسف الشديد صفر فالعنف متفشي في المجتمع، الأمية الحرفية متفشية، انعدام الأخلاق، الأنانية البشعة...

  • ترامب

    محيط الجزائر افريقي و متوسطي وامازيغي
    والثقافة قرضاوية سعودية صهيونية لتربيتنا على قبول الذل والاستعمار
    اما انت بمحاولاتك الخسيسة لجعلنا سعوديون وتطلب منا ان نتثقف بالفرزدق و قطب و
    واليوم ؟

  • hocheimalhachemi

    رأيك وتفكيرك لايبشر بالخير اطلآقا وكل ما قلته يتناقض مع بعض أرائكم حول اللهجة التامزيريه !! سيما وأن من أحى لك من ايران المثيرة للفتن والطائفية ! وزدت اهردكها لما ذهبت بنا الى البرازيل !! مكان لاه انكمل لاخير في ما تقولون وتودون !

  • رشيد - Rachid

    للأسف، المسؤولون عن قطاع التربية في الجزائر لا يعرفون ولا يعترفون سوى بالنظام التعليمي الفرنسي، ولا يرون إلا النظريات الفرنسية ولا يستمعون إلا إلى للمفكرين الفرنسيين...
    لدرجة أن ساعات التدريس المخصصة للغة الفرنسية في مدارسنا أكبر من ساعات التدريس المخصصة للمواد العلمية!!!!!
    المشكلة أنهم يصمّون آذانهم عن كل صوت يخالف رأيهم أو يحاول تنبيههم إلى أخطائهم.

    ومع ذلك أن أتفاءل خيرا بمثل هذه المقالات وأتمنى أن يقرأها أكبر عدد ممكن من المثقفين ومن الناس البسطاء وربما أيضا من المسؤولين عن قطاع التربية...