“مولاي”: خشيت الموت فهربت!
أمر قاضي التحقيق بالغرفة الأولى لدى محكمة سور الغزلان بولاية البويرة، في ساعة متأخرة من مساء أول أمس الخميس، بإيداع المتهم صاحب سوق “الوعد الصادق” الصالح مولاي الحبس المؤقت بمؤسسة إعادة التربية بالبويرة في انتظار استكمال إجراءات التحقيق معه حول التهم الموجهة إليه، أهمها تكوين جمعية أشرار للنصب والاحتيال والتهرب الضريبي، حيث تم تلاوتها عليه ومنحه مهلة تقديم الطعن فيها وفق التشريع المعمول به في مثل هذه الحالات.
وصول الصالح مولاي إلى محكمة سور الغزلان كان مساء الخميس بعد أن تم تحويله من الجزائر العاصمة على إثر القبض عليه من طرف فرقة خاصة تابعة لمصالح أمن ولاية الجزائر، ببرج البحري مساء الثلاثاء الفارط، حيث سادت محكمة سور الغزلان إجراءات أمنية مشددة وصلت إلى حدود غلق كل أقسامها ومنع دخول أي طرف حتى ولو تعلق الأمر باستخراج وثائق خاصة، وسط تواجد كثيف للعناصر الأمنية المكلفة بحراسة المكان ومرافقة موكب نقل المتهم، مقابل تجمهر العشرات من ضحايا مولاي الذين بمجرد سماعهم خبر القبض عليه، حتى أعيد لهم الأمل ولو كان ضئيلا لاسترجاع أموالهم المسلوبة.
3 ساعات من الاستماع.. ومولاي يردّ بالابتسامات
ووفق ما تسرّب من فحوى جلسة الاستماع التي تواصلت لأكثر من 3 ساعات متواصلة وإلى غاية ساعة متأخرة من المساء حسب مصادر موثوقة، هو أن الصالح مولاي كان يقابل قاضي التحقيق بابتسامته المعهودة وكأنه يعبر عن ثقة زائدة في نفسه، حيث أسمعه الأخير أثناء التحقيق معه كل التهم المنسوبة إليه، والمتعلقة جميعها بتكوين جمعية أشرار والنصب والاحتيال، مبررا وفق نفس المصادر هروبه من العدالة بالرغم من صدور 19 أمرا بالقبض عليه بما سماه “خشيته من الموت وحفاظا على حياته“.
وقد أمر قاضي التحقيق في الأخير بإيداع الموقوف الحبس المؤقت لاستكمال إجراءات التحقيق في القضية مع منحه حسب ما ينص عليه قانون الإجراءات الجزائية مهلة 10 أيام للطعن في الأحكام الصادرة ضده من طرف الجهات القضائية على غرار ما تسمى بقضية طحكوت أو ما تعلق منها بضحاياه الآخرين، وهو الإجراء الذي قد يلجأ إليه الصالح مولاي من أجل الطعن وإبطال تلك الأحكام في انتظار استكمال إجراءات التحقيق معه وإعادة تكييف القضية وفق ما يراه قاضي التحقيق لدى محكمة سور الغزلان التي يحتمل عودة مثوله أمامها من جديد ، وكذا منح الإفراغ في القضية فيما يخص أوامر القبض عليه بعد اعتقاله ومثوله أمام الجهات القضائية .
نقل المتهم إلى سجن البويرة لحمايته
وحمل قرار إحالة صاحب إمبراطورية “الريح” على الحبس الاحتياطي وفق مصادرنا الإشارة إلى طبيعة وظروف القضية وإجراءاتها الأمنية الاحترازية التي تستدعي تحويل المتهم إلى مؤسسة إعادة التربية بالبويرة وليس بسور الغزلان، ويدخل هذا الإجراء مع ضمان موكب شديد الحراسة، في إطار تأمين المتهم والحفاظ على حياته وتجنب وقوع أية أحداث قد تعيق السير الحسن للقضية ومجريات التحقيق فيها، خاصة مع تواجد الكثير من الضحايا في محيط سور الغزلان واحتمال التحاق المزيد منهم الأيام القادمة مع انتشار خبر القبض على الصالح مولاي وامتثاله أمام القضاء، مما قد يدفعهم إلى محاولة الانتقام منه أو من أفراد عائلته وشركائه الذين قد يحتكون بهم بالمكان، كما أن سجن البويرة يمتاز ببعده بكيلومترات عن عاصمة الولاية، مع ما يتيح موقعه من سهولة التدخل عند أي طارئ مع تواجد مراكز أمنية قريبة منه، فضلا عن تمتعه بإجراءات أمنية مشددة.
ومعلوم، أن محكمة سور الغزلان كانت قد أصدرت في حق الصالح مولاي شهر جوان الفارط حكما غيابيا بالحبس النافذ 20 سنة بتهمة النصب والاحتيال ضد شركة “سيما موتورز” لصاحبها طحكوت، كما أصدرت ضده شهر جويلية حكما غيابيا أخر تمثل في الحبس النافذ لمدة 10 سنوات في قضية تتعلق بضحايا آخرين من ولايات متعددة عن نفس التهمة، قبل أن يستأنف الحكم من طرف وكيل الجمهورية والضحايا وتحويل القضية إلى محكمة الاستئناف بمجلس قضاء البويرة التي أجلت النظر فيها إلى 26 من شهر نوفمبر الجاري، قبل إلقاء القبض على المتهم الرئيسي في قضية الحال والهارب الصالح مولاي بالعاصمة هذا الأسبوع ومثوله أمام الجهات القضائية بسور الغزلان في انتظار مستجدات القضية التي شغلت وتشغل الشارع العام بالبويرة وعلى المستوى الوطني بصفة عامة باعتبارها من أكبر قضايا النصب والاحتيال وكذا عدد الضحايا المقدر عددهم بأكثر من 4 آلاف شخص من مختلف الشرائح والولايات وحتى مؤسسات وشركات.
وثائق تكشف بدايات احتيال “الوعد الصادق“
صالح مولاي.. “شارل برونزي” للنصب على آلاف الضحايا
كشفت وثائق تخص جزءا من التحقيق في ما يسمى بـ “سوق الريح” أن هذه الأخيرة تم إنشاؤها بطريقة قانونية بمدينة سور الغزلان بولاية البويرة، تحت مسمى شركة ذات مسؤولية محدودة ذات رأسمال قدره 10 ملايين دج، وهي “الوعد الصادق للمال والأعمال“، وتحوز على السجل التجاري الحامل لرقم : 13ب/0283887 ـ 00/10 والصادر بتاريخ 10/12/2013، والذي يتضمن 11 نشاطا تجاريا ينحصر في كل التجارة بالتجزئة للسيارات الجديدة (معيد بيع معتمد)، وتجارة بالتجزئة للسيارات القديمة.
وهذه السوق ملك لثلاثة شركاء وعلى رأسهم مولاي صالح البالغ من العمر 44 سنة، والذي كان بائعا بالجملة لمادة السميد وأستاذ سابق في الرياضيات، وألقت القبض عليه مصالح الأمن مؤخرا بعد فرار من العدالة لأكثر من 13 شهرا، إلى جانب شريكين اثنين، ويتعلق الأمر بكل من عمارة عز الدين (37 سنة)، وهو عسكري متقاعد من القوات الجوية يحمل رتبة رقيب أول، وزياني فريد (33 سنة)، وهو معماري ومهندس دولة وله خبرة في مجال تجارة العقارات، وذلك حسب العقد التعديلي لتأسيس الشركة، والمسجل بفهرس 1030 / 2013 بتاريخ 0/12/2013.
وعاد تحقيق استقصائي بثته قناة “الشروق نيوز” نهاية الأسبوع عن خبايا انهيار إمبراطورية “الوعد الصادق“، إلى بدايات “سوق الريح“، والتي استقطبت بعد أشهر من نشاطها رؤوس أموال كبيرة بفضل الامتيازات التي منحها للمتعاملين واعتماد صاحب السوق على اقتراض رؤوس أموال لآجال متباينة، كانت في البداية تتراوح ما بين 10 إلى 15 يوما على الأكثر، إلى غاية أن حقق المعني بالأمر أهدافه الأولى ليقوم بتعديل المواقيت والآجال الممنوحة للمتعاملين والتي وصلت إلى 55 يوما كاملا، وأنشأ مولاي صالح بعد أشهر شركة ثانية عبارة عن “مكتب أعمال“، وذلك حسب السجل التجاري الحامل لرقم 13ب/1283887 ـ 01/10 الصادر بتاريخ 26/12/2013، لتدخل مؤسسة “الوعد الصادق” في مشاكل مالية كبيرة، بعد ما شرعت في شراء عبر مختلف الولايات: العقارات، الفيلات، المساكن، الأراضي الفلاحية، محلات تجارية، وغيرها من السلع، ما جعل الشركة تعاني من ضائقة مالية، حيث قرر حينها مولاي صالح الهروب من ملاحقة المواطنين المطالبين بأموالهم.
وكشف التحقيق بأن حجم المعاملات العقارية المسجلة على مستوى ولاية البويرة، والتي تم شراؤها من طرف سوق الوعد الصادق خلال ديسمبر وجانفي 2013، قد بلغ 46 مليارا و750 مليون سنتيم، منها 18 مليار سنتيم تم اقتناءها باسم صاحب الشركة “مولاي صالح“، وليس باسم مؤسسته، وتنحصر هذه العقارات في كل من: 11 ألف متر مربع من العقارات المبنية، نحو 130 ألف متر مربع من أراضي البناء وأزيد من 234 ألف متر مربع كأراض فلاحية.
وكشف تقرير اللجنة الأمنية لولاية البويرة، حسب التحقيق، بخصوص نشاط “سوق الوعد الصادق” بأن هذا الأخير معروف على المستوى العالمي بنظرية “شارل برونزي” وهي تركيبة مالية احتيالية خداعية ولا يوجد فيها لا استثمار ولا تنمية، بل هي شركة تحايل مالي تجمع كل أركان الجريمة الاقتصادية، موضحة أن المآل والنهاية سيكون الإفلاس، وسيظهر ذلك النصب يوم تأكيد العجز التام وفق معادلة المبالغ الداخلة أقل بكثير أو لا تكفي لتسديد مستحقات الضحايا، وهو ما حصل في “سوق الريح“، حيث تهرب مولاي من دفع الضرائب بطريقة ذكية، كما تمكن منذ بداية نشاطه في 2013 من استقطاب عشرات الآلاف من المواطنين، وكذا وكلاء السيارات وشخصيات مرموقة.