نحن أولى بالرثاء من غزة
لا يمكن أن تحدث هذه المجازر في غزة لو لم يكن هذا العالم متبلد الإحساس، منتكس الأفكار، ومتحجر القلب والضمير.
-
لقد أصيب ضمير العالم الغربي في مقتل؛ فهو برغم العدوان والهمجية والدمار الذي يطال الأبرياء والمدنيين، نساء وأطفالا وشيوخا ورجالا، يصر على أن إسرائيل صاحبة حق، وأنها تدافع لا تهاجم، وأن المجرم ليس هو من يقتل الأطفال ويهدم العمران ويحيل غزة إلى مدينة أشباح، وإنما هي فصائل المقاومة التي تطلق صواريخها الدفاعية على المستوطنات الإسرائيلية. ومن هذا المنطلق، تغيب صور القتلى من الأطفال والنساء عن وسائل الإعلام الغربية، إمعانا في تشويه الحقائق، وتأكيدا لإحكام الصهاينة قبضتهم على وسائل الإعلام العالمية التي توجه الضمير العالمي نحو الهاوية، وتجعل من الغربيين مجرد كتل بشرية مجردة عن المشاعر، إلا ما تعلق منها بالكلاب والقطط التي تلقى من الرعاية والإحسان ما لا يلقاه البشر الذين يموتون كل يوم، بالإرهاب الصهيوني والسلاح الأمريكي والنظام الرأسمالي الذي بلغ غايته في الجشع واستغلال الجماعات لمصالح الأفراد.
-
أما حكام العالم العربي، المتفرجون بامتياز على هذه المأساة، فإنهم هم من صنع المجازر ابتداء، وسوّغ لها، وغطّى عليها. ولهذا تُبقي مصر على معبر رفح مغلقا وتتحفظ على عقد قمة عربية في قطر، وترفض السعودية الجلوس في نفس الطاولة أمام سوريا، لأن مصير “ملوك الطوائف” اليوم لم يعد مرتبطا بالوحدة والانسجام والتآزر لصد العدوان، وإنما أضحى مرتبطا بحجم الولاء والقربان الذي يُقدّمه هذا البلد أو ذاك، لترضى عنه أمريكا وتحفظ عرشه بعد أن سلبته ماء وجهه، كما كان ملوك الطوائف في الأندلس قديما.
-
غزة التي تقاوم العدو لوحدها، خذلها الجميع، عربا وعجما، وقتلها الجميع، أقارب وأعداء، لكنها تنتفض من تحت الرماد لتحفظ، باسم العروبة والإسلام، بقايا الشرف العربي المسفوح، وبقايا النخوة المصادرة، وبقايا العزة والإباء، وهي ترثينا جميعا، لأنها تؤدي، نيابة عن الجميع، واجبا تخلى عنه الجميع: واجب الصمود في وجه الاحتلال، وواجب الحفاظ على الشرف الذي انتهكه الحكام العرب، وواجب البقاء كرمز عربي ثابت، في زمن ولى فيه العرب الأدبار، وواجب نصرة الحق الذي تخلى عنه الجميع، رغبة ورهبة. ولهذا، فنحن أولى بالرثاء من غزة.