-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو عالمٍ جديد

ناصر حمدادوش
  • 304
  • 0
نحو عالمٍ جديد

لا شكَّ بأنَّ للأمم والشعوب والدول والحضارات أطوارًا لا تختلف عن المراحل العمرية التي يمرُّ بها الإنسان، فيرى الشيخ عبد الحميد بن باديس أنَّ الأمم والحضارات تمرُّ بثلاث مراحل، فيقول: (الأمم كالأفراد تمرُّ عليها ثلاثةُ أطوار: طورُ الشَّباب، وطورُ الكهولة، وطورُ الهرم)، ويقول: (وما مِن أمَّةٍ إلاَّ ويجري عليها هذا القانون العامّ، وإنْ اختلفت أطوارُها في الطّول والقِصَر، كما تختلف الأعمار..)، لأنَّه كما يقول: “أعمارُ الأمم مقدَّرةٌ بآجالها، لقوله تعالى: “وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلْ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونْ” (سورة الأعراف: 34).
تمرُّ البشرية بدورات حضارية، وتخضع إلى سُنن إلهية ثابتة ومطَّردة من الصعود والسقوط، ويمكننا بهذا العقل السُّنني رصد خارطة تلك الحضارات التي هيمنت على العالم، وامتدَّت في الزمان والمكان والإنسان، وصولًا إلى الحضارة الغربية، التي وُلدت من رحم “عصر الأنوار” بعد الثورة الأمريكية سنة 1775م، والثورة الفرنسية سنة 1879م، وكانت لهما تأثيراتٌ على الغرب والعالم بأسْرِه.
ولقد ظهرت مؤشِّراتٌ على تحوُّلاتٍ عميقة في بنية العلاقات الدولية وموازين القوى العالمية مع نهاية القرن العشرين، ومخرجات “الزمن الأمريكي”، وما كانت تعتقد أنه “نهاية التاريخ” لصالحها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991م، مما أعلن عن رسم معالم خارطة القوى الجديدة، والشَّكل الذي سيكون عليه العالم خلال القرن الحادي والعشرين، ذلك أنَّ تفاقم الأزمة بين أركان النظام الدولي أفقده الانسجام، ودفع نحو حتمية التغيير العميق.
وبعد السيطرة الغربية (أمريكا وأوروبا) على العالم لأكثر من قرنين من الزمن، وظهور مؤشرات تآكل النظام الدولي، بدأت ترتسم على عتبات القرن الحالي معالمُ النظام العالمي الجديد، والتي بدأت تتشكَّل بصعود قوى دولية وإقليمية، لتحتلَّ بطريقةٍ تدريجية مواقع المشهد الدولي، وهو ما يؤشِّر على بداية نهاية الهيمنة الأمريكية المطلقة، وتشكُّل نظامٍ متعدد الأقطاب، ومتشابك المصالح، ومفتوح الآفاق، ومتنوع القيم، يمسُّ بنية النظام الدولي في مراكز القوة وأشكال الصراع وطبيعة الفاعلين، وخاصة أنَّ هذه البنية بدأت تتصدَّع بجدية، وأن القيم التي تأسَّس عليها بدأت تهتزّ، وأنَّ المؤسسات الأممية التي قام عليها بعد الحرب العالمية الثانية أظهرت عجزًا بنيويًّا مفضوحًا، وكانت الحرب العالمية على قطاع غزة خلال سنتين كاملتين بقيادة الكيان الصهيوني وأمريكا فاضحة، وهي مُؤذنة بانهيار فاعلية النظام الحالي وولادة نظامٍ عالمي جديد.

بعد السيطرة الغربية (أمريكا وأوروبا) على العالم لأكثر من قرنين من الزمن، وظهور مؤشرات تآكل النظام الدولي، بدأت ترتسم على عتبات القرن الحالي معالمُ النظام العالمي الجديد، والتي بدأت تتشكَّل بصعود قوى دولية وإقليمية، لتحتلَّ بطريقةٍ تدريجية مواقع المشهد الدولي، وهو ما يؤشِّر على بداية نهاية الهيمنة الأمريكية المطلقة، وتشكُّل نظامٍ متعدد الأقطاب، ومتشابك المصالح، ومفتوح الآفاق، ومتنوع القيم، يمسُّ بنية النظام الدولي في مراكز القوة وأشكال الصراع وطبيعة الفاعلين.

ولم يكن الحديث عن “نهاية الزمن الأمريكي” بسبب سوء إدارتها للرصيد الأخلاقي للقيم الغربية تفكيرًا رغائبيًّا من خصومها، بل كان استشرافًا أكاديميًّا أمريكيًّا من فرق بحثٍ متخصصة تجزم بأنَّ القرن الأمريكي الذي بُشِّر به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945م يتراجع وتذبل أنواره تدريجيًّا، وخاصة بعد فقدانها – بشكلٍ نهائي- ما كانت تتمتع به من المزاوجة الناجحة بين الواقعية والأخلاقية، وهو ما أفقدها العذرية التاريخية التي عجزت عن تجديدها كالعادة، وجسَّد حالة الإفلاس الكامل والنهائي لأمريكا، ولاسيما بعد تداعيات غزو العراق سنة (1991م، و2003م)، والحرب على أفغانستان خلال عشرين عامًا (2001م -2021م)، وازدواجية معاييرها في حربها الشاملة على الإرهاب بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م، ودعمها الأعمى للنازية الصهيونية في فلسطين خلال 77 سنة من الاحتلال.
إلا أنَّ الكاتب الفرنسي المتخصِّص “جيرار شاليان” يطرح في كتابه “نحو نظامٍ عالمي جديد” إرهاصات التحوُّلات العميقة في النظام الدولي بشكلٍ طريفٍ، والتي تعود -برأيه- إلى الانعطافات الكبرى خلال سنة 1979م (أي بعد نحو 200 سنة من الثورة الأمريكية)، وهي الأحداث التي كانت لها تأثيراتٌ في مسارات النظام العالمي الجديد، وهي:
1) اتجاه الصين نحو اقتصاد السُّوق، وعقد اتفاقيات اقتصادية مع أمريكا، ووضع قواعد جديدة في السلوك القويم في العلاقات الخارجية، وهي تحليل التحوُّلات بهدوء، ومقاربة التغيير بإيمانٍ وصبر، وضمان مكانتنا الخاصة، ولا نتفاخر بما يمكننا القيام به، ولا نتعرَّض للأضواء المسلَّطة، ونحافظ على التواري، ولا نطالب بالقيادة أبدًا، ونبحث عن الإنجاز، وهو ما أوصل الصين بعد 30 سنة إلى الندِّية مع أمريكا، واحتلال المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي يعاني منه الاقتصاد الغربي والعالمي من أزماتٍ بنيوية وهيكلية معقَّدة.
2) الثورة الإسلامية في إيران: فبالرغم من حصار هذه الثورة، وتوريطها في الحرب مع العراق في الفترة من 1980م إلى 1988م، إلا أنها استطاعت أنْ تفرض نفسها كقوةٍ إقليميةٍ معاديةٍ للصهيونية والإمبريالية الأمريكية، وقد أثبتت قوَّتها في حرب 12 يومًا ضدَّ الكيان الصهيوني وأمريكا وحلفائهما من العرب والغرب من 13 إلى 25 جوان 2025م.
3) الأزمة النفطية بعد أزمة 1973م: والتي أدَّت إلى ركود تضخُّمي، وتباطؤٍ في النمو الاقتصادي الغربي، وارتفاع أسعار الطاقة وتأثيراته على نمط العيش، والبحث عن بدائل كالطاقات المتجددة، وزيادة الإنتاج المحلي، والتأثيرات الجيوسياسية، مثل: تغيُّر موازين القوى لصالح الدُّول المنتِجة والمصدِّرة للنفط، والتأثير على العلاقات الدولية والمواقف من بعض القضايا العالمية، مثل: الصراع العربي- الإسرائيلي.
4) غزو الاتحاد السُّوفياتي لأفغانستان (1979م– 1989م): وانخراط أمريكا وبريطانيا والصين وباكستان وإيران والسعودية ودول أخرى في دعم المجاهدين الأفغان، وقد اعتُبر ذلك حربًا دوليةً بالوكالة، انتهت بسقوط الاتحاد السوفياتي وتفكُّكه.
هذه الأحداث الكبرى التي اجتمعت في سنة 1979م غيَّرت معادلات الصِّراع الدولي، وساهمت في رسم معالم النظام العالمي الجديد، فسرَّعت من السباق نحو التسلُّح، وأدَّت إلى سقوط جدار برلين سنة 1989م، وتفكُّك الاتحاد السوفياتي سنة 1991م، وظهور “الإرهاب” العابر للحدود، وافتضاح النفاق الأمريكي في الحرب الكونية عليه، واتجاه الغرب نحو الشيخوخة بتغيُّر ديمغرافي مخيف، والأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت أوروبا وأمريكا تحديدًا، مما سمح بظهور قوى دولية جديدة، وعلى رأسها روسيا والصين، كقوى اقتصادية وعسكرية وبشرية كبرى، وقوى إقليمية صاعدة خارج السَّقف الأمريكي، كالهند والبرازيل وتركيا وإيران وجنوب إفريقيا وماليزيا.. وغيرها.
ومن أكبر الأسباب المسرِّعة لهذا الانتقال العالمي: ظاهرة التوحُّش الدولي، والتي يتمثَّل في عدم احترام القانون الدولي، والجرأة على انتهاك سيادة الدول والشعوب بالتدخلات العسكرية، وتجاوز الأعراف الدولية بتغيير الحدود الجغرافية بالقوة، وحجم الصمت والتواطؤ في شنِّ الحروب بكلِّ وحشية، والقدرة على الإفلات من العقاب على جرائم الإبادة والجرائم ضدَّ الإنسانية.
إنَّ الصدام العنيف بين روسيا والغرب، والذي لم تتردَّد فيه روسيا، بسبب الخطر الوجودي من خلال محاولات تمدُّد “حلف الناتو” في أوروبا الشرقية، والتوجُّه نحو ضمِّ أوكرانيا إليه، والإصرار على هذه الحرب الخشنة، رغم كلفتها البشرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، وعودة ترامب بشعبويته: “أمريكا أوّلًا”، والتي قد تؤدِّي إلى تصدُّع حلف الناتو، وإدارة ظهره للمكوِّن الآخر للحضارة الغربية (أوروبا).
وإنَّ “معركة طوفان الأقصى” التي أثبت معجزة عسكرية نادرة في التاريخ البشري، بعجز العسكرية الغربية -والتي تمثِّل 80 بالمائية من العسكرية العالمية– عن القضاء عن عنوان المشروع الحضاري للأمة الإسلامية، وهي المقاومة الفلسطينية، والتي أصبحت لاعبًا دوليًّا مؤثرًا في قرار الحرب والسلم في العالم، وفي موازين القوى، وفي اتجاهات الرأي العام العالمي، وانكشاف حقيقة المشروع الصهيوني النازي.
وإنَّ هذا التحوُّل الكبير في تعاظم قوة الصين، والتي لم تتوقف عند حدود النفوذ الاقتصادي الناعم، بل انتقلت إلى الحضور السياسي والديبلوماسي على المسرح الدولي، بل وفي استعراض القوة العسكرية والتفوُّق التقني والتكنولوجي المذهل، وحجم التحالفات الجديدة، كمنظمة “بريكس” الاقتصادية، و”منظمة شنغهاي” السياسية والعسكرية..
كلُّ ذلك يؤكد أنَّ مستقبل التحوُّلات العالمية على صعيد بِنية النظام الدولي الجديد تتَّجه نحو منظومة دولية متعدِّدة الأقطاب، تنزل فيها أمريكا من شجرة كبرياء “الأحادية القطبية” إلى ساحة القبول بعالمٍ متعدِّد ومتوازن، ويكون من أبرز منافسيها فيه حاليا الصين وروسيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!