-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نحو قطب اقتصادي إسلامي جديد

بشير مصيطفى
  • 4383
  • 3
نحو قطب اقتصادي إسلامي جديد

اختتمت بداية هذا الأسبوع بأسطنبول التركية أعمال المنتدى العالمي الرابع عشر للأعمال تحت شعار “أهمية التكنولوجيا في تنمية الدول الاسلامية” بمشاركة 65 دولة و5000 رجل أعمال وحضور 25 وزيرا.

 ويأتي احتضان تركيا لهذا الحدث تزامنا مع صدور تقرير متشائم مشترك بين صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بخصوص وضعية الركود التي تمر بها الاقتصاديات الصناعية في المرحلة الراهنة، ومع اندلاع حرب عملات جديدة بين محورين تجاريين مهمين هما: بكين وواشنطن، حولت الصين الى متهم آخر من جانب القطب الرأسمالي في بحثه عن ذريعة لتخفيف الضغط على أوضاعه الداخلية جراء الأزمة المالية الأخيرة. ويستنتج من المشاركة القياسية لعالم الأعمال من داخل الدول الاسلامية في هذه التظاهرة والتي مست 550 شركة أن نواة لشبكة اقتصادية وتجارية بين رجال الأعمال المسلمين بدأت تتشكل مدعومة بإخفاق المدرسة التقليدية في تحقيق توازن الأسواق ونجاح التمويل الاسلامي في استقطاب مناصرين جدد وعلى درجة متقدمة من النفوذ.

فماذا يعني أن يقفز عدد المشاركين في المنتدى العالمي للأعمال من تاريخ أول دورة العام 1995 الى آخر دورة الأسبوع الماضي من 600 الى 5000 رجل أعمال؟ وكيف نقرأ الدور التركي المتصاعد اقتصاديا في تفسير هذا التقدم؟

 حسنات الديمقراطية الشريفة

حافظت تركيا على رقم مستقر للنمو في الاقتصاد يتجاوز قليلا نسبة 11 بالمئة بفضل حفز الطلب الكلي الداخلي ومساهمة فعالة للقطاع الخاص المنتج والمتمثل في 9 آلاف شركة وقدرة تركيا بفعل سياساتها الاقتصادية المدروسة والمستقرة على جذب استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 800 بليون دولار خلال بضع سنوات. وهناك عوامل موضوعية يسرت لتركيا سبل التفوق على رأسها ممارسة الديمقراطية الشريفة بأدوات شفافة مكنت الانسان التركي من الاختيار الحر، وكان آخر تلك الأدوات الاستفتاء الشعبي على تعديل دستوري أعاد للقضاء المستقل سلطته في البلاد وقلص من تأثير هيمنة الجيش على قرارات الدولة، ثم هناك حوكمة الاقتصاد ما يعني اختيارات جيدة في تقليد المهمات والوظائف ووضوح الرؤية بخصوص السياسة الاقتصادية قائمة على: خفض الضرائب، حرية المبادرة، سهولة التملك، مرونة الادارة، الدور المنظم للحكومة، ثم اتكاء تركيا على القدرات الثقافية الكامنة في الانسان نفسه من لغة ودين وحب العمل وأخلاق الممارسة التجارية، وهي نفسها العوامل التي ساعدت على بروز الصين كرقم اقتصادي وتجاري كبير، ولهذا من المناسب جدا تشبيه الانسان التركي الجديد بالانسان الصيني الذي يعمل في المعدل 54 ساعة فعلية في كل أسبوع.

وتعني تركيا في المشهد الاقتصادي الحالي: الرتبة الثانية عالميا في تصدير الزجاج، الأولى في صناعة النسيج، الأولى في انتاج الأسمدة الموجهة للفلاحة، الأولى في صناعة التلفزيون، السادسة في انتاج الإسمنت، السادسة في انتاج القطن، السادسة في انتاج الثلاجات، السابعة في صناعة الحديد والصلب، الرتبة 15 في صناعة السيارات. أما في المشهد الاقتصادي القادم (آفاق العام 2017)، فتركيا تعني: تاسع أكبر اقتصاد في العالم، ثاني اقتصاد في الرقعة الآسيوية، معدل نمو سنوي مستقر عند 6 بالمئة.

 تركيا الحكم الصالح

أبدت تركيا علاقة مباشرة وقوية بين التفوق الاقتصادي ودرجة الشفافية والحكم الصالح حيث ما زالت تركيا تتحسن في ترتيب الدول على محور الفساد، وإن كانت علامتها في آخر تقرير لمنظمة “شفافية دولية – 2009” لا تزال دون الخمسة من عشرة، أي 4.4 بسبب مخلفات النظام العلماني السابق.

ولا تستورد تركيا شيئا مما تأكل أو تلبس أو تعالج، وكل واردات البلد من المحروقات بحجم سنوي قدره 20 بليون دولار، ولو تمكنت تركيا من  تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الدول النفطية في المنطقة العربية والتحرر من عقدة التفوق السياسي الاستراتيجي -وخاصة ما تعلق بالعلاقات التركية مع أقوى النظم السياسية العربية أي المملكة السعودية ومصر- لأمكن إطلاق تبادل متكافئ بين النفط العربي والصناعات التركية، ولكن الحكمة الأوربية في تعامل دول الاتحاد الأوربي مع الاقتصاديات الناشئة وفرت لتركيا بوابة تجارية مهمة ربما أغنتها الى حد ما عن الأسواق العربية في انتظار انضمامها المرتقب الى الفضاء الاقتصادي الأوربي من بوابة المؤسسات، خاصة وأن السوق الأوربية تستوعب 60 بالمئة من صادرات تركيا مقابل 16 بالمائة فقط لصالح السوق العربية، وتغطي السلع التركية الآن 40 بالمئة من واردات أقوى اقتصاد في أوربا أي ألمانيا التي تعتبر أنقرة أول شريك تجاري لها على الاطلاق.

 ثقافة الدولة ودروس مستفادة

لا يعني التفوق التركي الصاعد على السلمين الاقتصادي والعسكري تفوقا متناسبا على صعيد السياسة الخارجية وتلك هي الحلقة الأضعف في البناء التركي الجديد، ولكن العلامات المميزة التي سجلها الحزب الحاكم في أنقرة في حسم الملفات الداخلية والممارسة الديمقراطية والتعايش الرائع مع المؤسسة العسكرية ما زالت تثير الاعجاب بين الشعوب في دول الجوار التركي وداخل الأحزاب المسيحية واليمينية في أوربا وهي نفسها الأحزاب التي تعارض وبشدة انضمام تركيا للاتحاد الأوربي. وفي حالة ما حصل تطور ايجابي في المفاوضات التركية الأوربية حول هذا الملف فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا الأكثر التصاقا بالمصالح الأوربية ستعرف تحولا مهما في علاقاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع أنقرة.

ولو تحقق هذا المشهد في آفاق العشر سنوات المقبلة لأمكن القول بأن نجاح تركيا على صعيد السياسة الخارجية -على الرغم من المخلفات التاريخية مع أوربا من جهة ومع العالمين العربي والاسلامي من جهة ثانية- ناتج عن نجاح الحزب الحاكم في تركيا الجديدة بقيادة “طيب رجب أردوغان” -أي حزب العدالة والتنمية ذا التوجه الاسلامي- على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، فالحزب المذكور الذي نشأ على خلفية اسلامية تمكن في وقت قصير من تحقيق ثقافة الدولة في العمق التركي، وبفضل قيادته الحزبية القوية استطاع التعبير عن مصالح تركيا بكل قوة على العكس من جل الأحزاب في منطقة الجوار والتي لم تتمكن من إحداث الثغرة المطلوبة في الطريق الحزبي المسدود. ومن جانب آخر مكنت ثقافة الدولة لدى الحزب الحاكم في تركيا من تطبيق الحد الأدنى من معايير الحكم الصالح القائم على المساءلة الديمقراطية والشفافية واحترام ثقافة المجتمع دستورا وممارسة ودفاعا، ومن ثمة ربح معركة المنافسة ليس مع الأحزاب الأخرى في تركيا ولكن مع أنصار “العلمانية” أنفسهم، والنتيجة كما رأينا ربح معركة الانتخابات العامة العام 2007 بنسبة 46.7 بالمئة، ثم ربح معركة الاستفتاء على الدستور شهر سبتمبر  الماضي بنسبة 58 بالمئة، وفي الأفق توقعات بنسبة متقدمة في الانتخابات التشريعية القادمة في جوان من العام 2011، وفي ذلك الدرس الكافي لدولنا العربية والاسلامية وهي تبحث عن توازنها المفقود في عالم جديد قاعدته الذهبية “الديمقراطية الكاملة وتحقيق ثقافة الشعوب طريق التفوق الاقتصادي”.

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • جمال

    الله يبارك ياأستاذنا الفاضل و الله أنا من أكبر القراء إليك حتى إحدى مقالاتك الرائعة كانت محل إحدى المسابقات وكنت أنا درستها فكان النجاح حليفي أتمنى لك كل الخير أستاذي الفاضل

  • miss

    baraka ALLAH fik docteur,,un article tres interessant que je viens de lire.je suis tres fiere d'etre ton etudiante a l'INPS.

  • عبد الله

    الله يجزيك دكتور مصطفى ونتمنى من الدولة عندنا تبني الفكر التركي ذا الطابع الاسلامي