نحو نظام ليبرالي هجين
شيئا فشيئا بدأت تتكشف معالم نظام الحكم الذي يكون قد أجمع عليه أركان النظام واعتُمِد لإدارة البلد في العقود القادمة بدفتر شروط من بندين: الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بأي ثمن، وحراسة النظام من التغيير الوافد من خارج مراكز القرار بالدولة العميقة، في قالبٍ ليبرالي هجين.
سبق أن لفتنا الانتباه إلى بداية العمل بنظام الحزبين المرتبطين عضويا بالدولة العميقة، بتوزيع الأدوار والريع السياسي في الواجهة: وطنيا ومحليا، بين جبهة التحرير والتجمُّع الوطني، له نظيرٌ على مستوى النموذج الاقتصادي المعتمَد، الذي يسعى إلى تحقيق انتقال سلسل للريادة من القطاع العمومي إلى القطاع الخاص على مراحل، وبالتقسيط المريح الذي لا يضرُّ بالاستقرار، ولا يخلُّ بميزان اقتسام الريعين: السياسي والاقتصادي، بطغيان مبكر لليبرالية متوحشة منفلتة العقال.
على امتداد عقدين من عمر حكم الرئيس بوتفليقة، دُشنت مدرستان لتدريب واختبار قدرة النموذج على العمل المتناغم، فكانت المدرسة الأولى ممثلة في ما سُمِّي بـ”الائتلاف الرئاسي” الذي بدأ بثلاثية من التجمع الوطني، وجبهة التحرير، وحمس، قبل أن يُختزل في حزبي السلطة، فكان “الائتلاف الرئاسي” فرصة لتجريب التداول على موقع رئاسة الوزراء بين الحزبين دون مراعاة للتمثيل داخل البرلمان.
أما المدرسة الثانية، فقد جاءت في صيغة مأسسة” الثلاثية” كإطار دائم لتدريب القطاعين العام والخاص، ومعهما النقابة على دعم ومسايرة خيارات الدولة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن ترقى إلى فضاء يحتضن ما سمي بالشراكة بين القطاعين (PPP) كبداية لمسار خصخصة قادمة تُنفذ على مراحل، لم تلغها تعليمة الرئيس بقدر ما أعادت فقط التذكير بالجهة المخولة للفصل فيها.
في استجواب نادر لرئيس الجمهورية أدمج ضمن تقرير 2017 لـ”مجموعة أكسفورد بيزنيس” نقرأ رسالة مشفرة لرؤية الرئيس لما هو مرجوّ من الشراكة بين القطاعين، والتي لا تعني بالضرورة نقل الأصول وبيعها بقدر ما تعني “ترسيخ نظم تسيير جديدة” أو ما يمكن أن يُفهم كمحاولة لخلق “فضاء نفعي” مشترَك بين القطاعين دون إحداث تغييرات كبرى في الأصول الثابتة للقطاع العام.
وفي هذا السياق نفهم جيدا حرص الرئيس على فرض نموذج 51– 49 الذي يفتح شراكة مستدامة ونشيطة، ليس فقط بين القطاعين العام والخاص، بل أيضا بين القطاعين الوطنيين والاستثمار الأجنبي، يضمن في الحد الأدنى الحفاظ على أصول القطاع الوطني دون حرمانه من بناء أصول جديدة مع القطاعين الخاص والأجنبي، هي التي يمكن مستقبلا أن تخضع للخصخصة أو لإعادة التأميم.
إلى هنا يكون النموذجُ السياسي والاقتصادي المعتمَد منطقيا ومتناغما، ليس فقط مع طبيعة الموروث في السياسة والاقتصاد، بل يستشرف الحاجة مستقبلا إلى استقرار سياسي واقتصادي لا تضمنه تعددية منفلتة العقال، أو الاندفاع المتسرِّع نحو ليبرالية متوحِّشة، ليكون النموذج أكثر قدرة على مواجهة اندفاع الشرق والغرب نحو افتراس مقدرات وثروات الدول النامية ومعها السيادة الوطنية.
وكما تستشرف نية النظام تأجيل منح فرصة القيادة للقوى الإصلاحية الليبرالية إلى ما بعد 2030، فإن برنامج الخصخصة الواسعة لن يفعل قبل هذا الموعد، شريطة أن يكون ما سُمي بـ”الاقتصاد الجديد” قد نجح في تحقيق النقلة المرجوَّة، من الاعتماد على الريع النفطي إلى مشاركة أكبر للمؤسسات الإنتاجية والخدمية في صناعة الدخل القومي الخام، ونجاحه في تحرير الدولة من العبء الاجتماعي، بتحرير السوق بالكامل من جهة التشغيل ومن جهة حقيقة الأسعار.