-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نذير مصمودي في ذمة الله

صالح عوض
  • 4665
  • 0
نذير مصمودي في ذمة الله

بعد أشهر قليلة وأنا أتحسس مواطئ قدمي في الجزائر ودروب الأمان لشاب تغرب لتوه عن بلده ومخيمه في رفح بقطاع غزة، وإلى مناخ أركن إليه.. كان النذير المصمودي يصدح بصوته في الجامعة والأحياء الجامعية بقسنطينة، داعيا إلى الخير والهدى، متصديا لانحرافات فكرية شهدت رواجا لها في وطننا العربي في فترة السبعينات.. كان النذير المصمودي وأبوجرة سلطاني وحسن الكاتب وجمال الأحمر ومعهم آخرون قادرين على تحويل المناخ الثقافي في قسنطينة إلى حالة من الحيوية واستعادة مدينة العلماء لوظيفتها المتميزة.

أجل كانت سنوات العطاء الفدائي لجيل صنع الصحوة كان لنذير المصمودي بصمة واضحة فيها.. وجد الشاب البسكري نفسه أمام تحديات المدينة العريقة وحراك الأفكار والتيارات فيها، فتجشم أعباء الدعوة، فكان خطيبا وشاعرا وأديبا وكاتبا، فكانت كتيباته ومناظراته كافية لجيل من الشباب الحائر كي لا تجرفه تيارات التشويه والتيه.

نذير المصمودي عرفته عن قرب وحاورته بعمق وكما لا يتضح لكثيرين، فالرجل كان مهموما حتى نخاع روحه بالأمة وتجارب العمل الإسلامي الفاشلة.. كان الرجل بمجرد ما يتم إدخاله في دائرة التجارب والاخفاقات والآلام يتبدل فيصبح ليس هو الذي يعرفه غالبية الناس.. يتوجع ويتأوه ويحكي من الأسرار ما تشيب له الرؤوس.. ولكنه لمن لا يعرفه ذاك الرجل الذي يتشبب ويتطيب بعطر باريسي ويلبس من أجمل أنواع القماش ويتهندم مكررا بمزح لطيف ألا تروني جميلا؟ من هو الأجمل مني؟ كان يبدو لمن لا يعرفه أنه كما يقول المثل: ضارب هموم الدنيا بحذاء.. ولكن وجعه مستبد به في كل قضايا الأمة يحمل خيبات ومصائب لأناس حملوا الأمانة ولم يؤدوها..

أصابني الفزع والجزع عندما تلقيت صباح الأمس خبر وفاته لم أدر ماذا يمكن أن يكون أول كلامي وأنا أتلقى خبر الفاجعة.. لا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون.. فلئن كان الوقت لم يحن بعد لكلمة رثاء في فقيد الجزائر والعرب والإسلام المفكر والكاتب الأستاذ نذير المصمودي، فلا أقل من أن أذكر آخر مرة التقيت فيها به في رحاب مقر صحيفة الشروق العامرة.. كان يتفتت ألما على واقع الإسلاميين وعلى واقع الأمة.. كان يقاوم بابتسامته الدائمة وبضحكاته الطفولية وبتأنقه إلا أن ذلك كله يخلف في وجعا وهما لا حد له.

نذير المصمودي لطالما دعاني إلى بسكرة.. لا أدري لماذا كان دائم التكرار على زيارة بسكرة والدعوة لزيارتها.. ولكن من له بلد مثل بسكرة كيف يبتعد عنها؟ فيها المعاني تحتشد وصوت الفاتحين يشد إليه أرواح المرابطين على حد العهد والأمانة.. فها هو يعود إليها إلى بلدته الحبيبة ينغرس فيها، فلطالما أتعبه السفر.. عاد إلى بسكرة في دفء حب أهلها الكرام علما خفاقا يضاف إلى أعلامها الكرام وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!