نعم للتمويل الخارجي… ولا للإستدانة!
افتتحت الجزائر رسميا إمكانية اللجوء إلى التمويل الخارجي في المشاريع الوطنية الكبرى، في خطوة تعكس توجها مدروسا لتنويع مصادر التمويل من دون المساس بالسيادة الاقتصادية.
غير أن هذا الخيار لا يُفهم منه على أنه عودة إلى الاستدانة الخارجية بصيغها التقليدية، إذ لا يتعلق باللجوء إلى مؤسسات مالية تفرض شروطا أو إملاءات، بل يقوم على تعبئة موارد من بنوك تنمية وصناديق استثمار دولية تكون الجزائر مساهمة فيها، ما يتيح لها الاستفادة من تمويلات بشروط تفضيلية وميسّرة.
وفي هذا الإطار، تبرز مساهمة الجزائر في مؤسسات مثل بنك “بريكس” مثلا بحوالي 1.5 مليار دولار، وهو ما يمنحها أفضلية في الحصول على قروض موجهة بأسعار مناسبة وبعيدا عن الضغوط.
القانون يشترط الحصول على ترخيص مسبق من مجلس الوزراء
ويستهدف هذا التوجه حصرا المشاريع المهيكلة الكبرى ذات المردودية الاقتصادية، على غرار شبكات السكك الحديدية، الطرق السيارة، الجسور وتوسعة الموانئ، بما يعزز ديناميكية النمو ويدعم البنية التحتية الوطنية، ويؤكد هذا المسار اعتماد رؤية عقلانية في توظيف التمويل الخارجي كأداة تنموية فعالة، تُستخدم لرفع وتيرة إنجاز المشاريع الاستراتيجية، مع الحفاظ على التوازنات المالية وضمان استقلالية القرار الاقتصادي.
وحسب ما ورد في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، صدر قرار مؤرخ في 17 فبراير 2026 يحدد كيفيات اللجوء إلى التمويل الخارجي لإنجاز المشاريع ذات المصلحة الوطنية، في إطار تأطير أوضح لآليات تمويل المشاريع الكبرى وتعزيز متابعتها.
مقاربة براغماتية لتعبئة الموارد المالية من دون المساس بالسيادة الاقتصادية
ويستند هذا القرار إلى جملة من النصوص القانونية، أبرزها القانون العضوي رقم 18-15 المتعلق بقوانين المالية، والقانون رقم 19-14 المتضمن قانون المالية لسنة 2020، لاسيما المادة 108 منه، كما تم تعديله بالمادة 201 من قانون المالية لسنة 2025 (القانون رقم 24-08)، إضافة إلى القانون رقم 23-07 المتعلق بقواعد المحاسبة العمومية والتسيير المالي، وكذا المرسوم الرئاسي رقم 25-241 الخاص بتعيين أعضاء الحكومة، والمرسوم التنفيذي رقم 95-54 المحدد لصلاحيات وزير المالية.
وفي تفاصيله، تنص المادة الأولى من القرار على تحديد كيفيات اللجوء إلى التمويل الخارجي للمشاريع ذات المصلحة الوطنية، تطبيقا لأحكام المادة 108 من قانون المالية لسنة 2020، المعدلة بالمادة 201 من قانون المالية لسنة 2025.
بنك “بريكس” والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الإسلامي خيارات متاحة
وتوضح المادة الثانية أن وزارة المالية تتولى إعداد ومتابعة جميع الإجراءات المرتبطة بالتمويل الخارجي، بما يشمل اختيار الشركاء الماليين، وإيداع طلبات التمويل، وإجراء المفاوضات، وتعبئة القروض، وذلك بالتنسيق مع مختلف الوزارات والمؤسسات العمومية المعنية.
أما المادة الثالثة، فتُلزم الوزارات والمؤسسات المعنية بالمشاريع المقترحة للتمويل الخارجي بتحمل المسؤولية الكاملة عن نضج هذه المشاريع وجودة الدراسات المنجزة بشأنها، إضافة إلى ضمان حسن تنفيذها، مع احترام التكاليف والآجال والأهداف المحددة.
وفيما يخص شروط اللجوء إلى هذا النوع من التمويل، تشدد المادة الرابعة على ضرورة الحصول على ترخيص مسبق من مجلس الوزراء، يتم طلبه بعد الموافقة على المشروع من طرف الهيئات المختصة لدى الممولين، وتنص المادة الخامسة والأخيرة على نشر هذا القرار في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، ليكون ساري المفعول وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
ومعلوم أن هذا التوجه نحو التمويل الخارجي لا يمكن قراءته على أنه عودة إلى الاستدانة الخارجية بمفهومها التقليدي، بل يعكس مقاربة مغايرة تقوم على تعبئة موارد مالية موجهة حصرا للمشاريع الكبرى ذات الجدوى الوطنية.
فالفرق هنا أساسي، إذ إن التمويل الخارجي لا يعني اللجوء إلى مؤسسات تفرض شروطا مقابل الإقراض، وإنما يرتكز على آليات تمويل عبر صناديق استثمار وبنوك تنمية متعددة الأطراف، تكون الجزائر من بين المساهمين فيها وأصحاب الودائع لديها، ما يمنحها حق الاستفادة من تمويلات بشروط تفضيلية، وبصيغ إقراض مرنة ومفصلة، بعيدا عن أي إملاءات أو قيود تمس بالسيادة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية بنوك التنمية، على غرار البنك الإفريقي للتنمية، التي أنشئت أصلا لدعم مشاريع التنمية في الدول الأعضاء، وبنك “بريكس” والبنك الإسلامي وغيرها، كما أنه في هذا الإطار، يندرج تمويل المشاريع المهيكلة الكبرى، على غرار السكك الحديدية، الطرق السيارة، الجسور وتوسعة الموانئ، باعتبارها المشاريع المؤهلة لهذا النوع من التمويل، لما تحققه من مردودية اقتصادية وقدرتها على دعم النمو على المدى المتوسط والبعيد.
وقد أكد رئيس الجمهورية في عدة مناسبات بشكل صريح أن الجزائر “لن تلجأ إلى الاستدانة الخارجية”، مشددا على أن أي تمويلات خارجية ستكون “وفق نظرة عقلانية وموجهة حصرا للمشاريع الاقتصادية ذات المردودية العالية”.
كما أوضح في تصريحات سابقة أن الجزائر قد تستفيد فعليا من تمويلات خارجية في هذا الإطار، من بينها تمويل يفوق 3 مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية، موجه لإنجاز مشروع توسيع السكة الحديدية نحو المنيعة وغرداية، مع إمكانية سداد ملائمة تمتد إلى 13 سنة.
ولفت رئيس الجمهورية إلى أن الجزائر، باعتبارها من مؤسسي البنك الإفريقي للتنمية ومن أكبر الممولين فيه، يمكنها الاستفادة من خدماته بشروط ميسّرة، مؤكدا أن هذه المؤسسة أُنشئت لدعم التنمية في الدول الأعضاء، وليست هيئة خاصة تفرض شروطا مجحفة.
وشدد في السياق ذاته على أهمية الاستفادة من هذه التمويلات “وفق رؤية عقلانية بالموازاة مع دخول المشاريع المهيكلة مرحلة المردودية”، مضيفا أن الجزائر “لن ترهن مستقبل أبنائها بالاستدانة ولن تتخلى عن استقلالية قرارها”.
ويعكس هذا الطرح توجها واضحا نحو توظيف التمويل الخارجي كأداة تنموية مدروسة، تقوم على تحقيق التوازن بين تعبئة الموارد المالية الضرورية لإنجاز المشاريع الكبرى، والحفاظ في الوقت ذاته على السيادة المالية وتفادي الوقوع في فخ المديونية.