-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هؤلاء الذين عرفوا ميدان السّباق الحقيقيّ

سلطان بركاني
  • 397
  • 0
هؤلاء الذين عرفوا ميدان السّباق الحقيقيّ

من المعلوم بالضرورة أنّنا جميعا مأمورون بأن نتقي الله ما حيينا، ونستقيم على طاعته ما استطعنا، ونتوب إليه كلّما غفلنا أو أخطأنا… لكنّنا كثيرا ما نفرّط ونقصّر ونغفل ونعصي ونتمادى في أخطائنا ومعاصينا، ونؤجّل التّوبة ونؤخّر إصلاح أحوالنا وتنظيم حياتنا… لأنّنا من كثرة ما نرى المفرّطين والمخطئين من حولنا نظنّ أنّ النّاس جميعا غافلون ومقصّرون مثلنا ونظنّ أنّ البلية إذا عمّت خفّت!
هذا ما نظنّ، لكنّ الواحد منّا لو فكّر قليلا لأدرك أنْ لو كان كلّ من هم حوله مثله مقصّرين وعلى الذّنوب والمعاصي والغفلة مصرّين، لما كان من الدّين ولا من العقل أن يركن إلى تقصيرهم ويكون مثلهم في تفريطهم، بل الواجب عليه أن يتقي الله ويستقيم على طاعته، لأنّه سيرِد القيامة وحده ويقف للحساب وحده، ((لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا))، وليس ينفعه أن يقول: “يا ربّ رأيت النّاس من حولي مفرّطين ففرّطت! رأيتهم يهجرون المساجد فهجرت! وألفيتهم يأكلون الربا فأكلت! وعاينتهم يعطون الرشوة فأعطيت….”، بل سيندم يومها حين يعاين الحقيقة ويرى أنّ المفرّطين جميعا يجازون بتفريطهم، فيقول: ((يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِين))، وتزداد حسرته حينما يرى أفواجا من النّاس كان يظنّهم مفرّطين ومقصّرين مثله، يساقون إلى الجنّة زمرا.
زماننا هذا هو بحقّ زمان التعلّق بالدّنيا والغفلة عن الآخرة، وكثير من المسلمين ألهتهم الدّنيا عن الآخرة، وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فهم بين إضاعة للصلوات والواجبات واتّباع للشّهوات والملهيات… لكنّ هذه الحال ليست واقع كلّ النّاس؛ فهناك معنا وبيننا مسلمون حزموا أمرهم وغلبوا أنفسهم ونظّموا حياتهم، واستقاموا على طاعة ربّهم؛ قلوبهم ليّنة وأرواحهم إلى ما عند الله متشوّقة؛ يحافظون على صلواتهم، ويتلون كتاب ربّهم بالليل والنّهار، ولهمّ حظّ من قيام الليل وصيام النّهار ومن الصّدقات… ربّما لا ننتبه لهم ولا نلتفت إليهم، لكنّهم موجودون بيننا وكفاهم أنّ الله يعلمهم ويعلم حالهم.
يروي أحد الأفاضل من الجزائر أنّ رجلا أتاه يسأله: كيف التقرُّب إلى ربّنا العظيم -سبحانه وبحمده؟ قال له: حدّثني عن نفسك واصدقني، عساني أجد لك أيسر أبواب القرب إلى الله وأنسبها لحالك، فأجاب الرّجل: أنا أسعى في طلب رزقي، غير أنّي لا تفوتني صلاة حاضرة، فإذا قُضيتِ الصلاة جلست أذكر الله تعالى، ولي في كلّ ليلة قيام إحدى عشرة ركعة. ولأجل أنّي لا أحسن قراءة القرآن الكريم، فأنا أقرأ ما تيسّر لي وأحاول أن أعوّض ذلك بالذكر، فرُبّما تيسّرت لي دبر العصر ألف أو ألفا تسبيحة أو تحميدة أو استغفار. يقول الراوي: عجبت لحال الرجل يسأل أين الطريق، وهو سالك له بما لا يقدر عليه اليوم غير من اصطُفي ووُفّق، فحرصت على ألا أردّه من غير جواب، واخترت أن أُرشده إلى ما يحفظ له هذا الخير، فقلت له: استمر على ما أنت عليه -تقبّل الله منك ويسّر لك المزيد-، لكن احذر أن يصدر منك ما يذهب بحسنات هذا التوفيق؛ احفظ لسانك عن محارم المسلمين. فأجاب الرجل: والله ما ذكرت مسلما بسوء قط. يقول الراوي: فازدادت دهشتي وقلتُ: لعلّ هذا الصفيّ الخفيّ ممّن قال عنهم النبي –صـلى الله عليه وسلم-: “كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره”.
هذا رجل من عامّة النّاس؛ ليس عالما ولا داعية ولا إمام مسجد ولا طالب علم، بل لا يحسن قراءة القرآن جيّدا، لكنّه عرف الطّريق فسلكه؛ أدرك أنّ رحلة الحياة قصيرة وأنّ العمر أنفاس معدودة، فشغل نفسه بطاعة الله وطلب رضوانه، ولم يشغلها بتتبع أحوال وأخبار النّاس من حوله… عرف كيف يكسب الحسنات وكيف يحافظ عليها… وكثير منّا يعرف كيف يكسب الحسنات لكنّه يتكاسل ويؤمّل ويؤجّل، وإذا كسب بعض الحسنات فإنّه لا يلبث أن يمحقها ويحرقها، بالكلام في النّاس، وظلم عباد الله، وتتبع العورات، وأكل الحرام،….
إن أردنا لأنفسنا فلاحا ونجاحا، فينبغي لنا ألا نسمح للشّيطان بأن يغرّنا بخدعة أنّ النّاس من حولنا حالهم جميعا كحالنا… فهناك عباد لله بين أظهرنا سبقونا سبقا كبيرا، ومن الصّعب أن نلحق بهم… وكثير منهم أتقياء أخفياء لا يُلتفت إليهم ولا يُسمع بهم… وأنا أعرف بين رواد المسجد الذي أرتاده عبادا لله أغبطهم على حسن علاقتهم بالله، أحسبهم كذلك، حينما يأتيني أحدهم ليسألني في بعض مسائل الدّين أحمد الله على أنّه لا يزال في الأمّة مثل هذا الخير… أحد الشّباب المواظبين على الصّلاة في المسجد، ما أن نعلن عن مشروع خيريّ حتى يكون من السباقين إلى المساهمة فيه، رغم قلّة ذات يده؛ جاء قبل أيام يسألني كيف يفعل لينقذ أباه المتوفّى الذي أخطأ في حياته خطأ تسبب في أذية عبد من عباد الله، يسألني وهو يغمغم بدموعه شفقة على والده لكأنّه يرى الآخرة بين عينيه!
قلوبنا في حاجة لأن نقرعها بأنّ الأعمار أقصر ممّا نظنّ، وأنّ السّبق الحقيقيّ والأنفع هو السّبق إلى الله. وأنفسنا في حاجة لأن نعوّدها على أن تغار من عباد الله الذين يسبقوننا إلى الله… ينبغي لنا أن نغار ممّن يسبقنا في مضمار الأعمال الصّالحة ومكاسب الآخرة، كما نغار ممّن يسبقنا في مشاغل الدّنيا ومكاسبها… ودائما ما أضرب لنفسي ولإخواني مثلا بموقف أحد أجلّة التابعين، أبو مسلم الخولانيّ –رحمه الله- الذي كان يقوم من الليل حتى يتعب، فإذا تعب خاطب نفسه قائلا: “أيظن أصحاب محمد –صلـى الله عليه وسلم- أن يستأثروا به دوننا، فو الله لنزاحمنهم عليه زحاماً حتى يعلموا أنهم قد خلفوا ورائهم رجالاً”، ثمّ يواصل قيامه… كان –رحمه الله- يفكّر في أنّ الصحابة سيحيطون بالنبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- يوم القيامة؛ فيغار منهم، ويجتهد حتى يلحق بهم ويزاحمهم على الحبيب –صلّى الله عليه وسلّم-… ونحن إن لم نر أنفسنا أهلا لأن نزاحم الصحابة والتابعين، فلا أقلّ من أن نغار من الصّالحين الذين يعيشون بيننا وفي زماننا عندما نرى أحوالهم ونسمع قصصهم.
أخي المؤمن؛ من سبقك إلى الله يوما واحدا واحد فقد سبقك سبقا عظيما؛ كيف بمن سبقك دهورا وأعواما؟ جارك الذي يصلّي كلّ يوم في بيت الله ويتحمّل الحرّ والبرد ليجيب النّداء ويكون من عمّار بيوت الله، وأنت لا تعرف طريق المسجد إلا يوم الجمعة؛ أتراكما ستكونان سواءً عند الله يوم القيامة؟ هيهات! بكم حسنة يسبقك كلّ يوم، وبكم حسنة سبقك في كلّ هذه السّنوات التي كنت تعمر فيها المقاهي والأسواق ويعمر هو المساجد، وربّما أنت تكرهه وتغتابه وتتكلّم فيه، فتأخذ عنه سيّئاته… أخوك من أبيك وأمّك الذي يحافظ على صلاته ويختم القرآن كلّ شهر ويتصدّق؛ أتظنّ أنّك ستكون وإياه يوم القيامة في منزلة واحدة؟ هيهات… ذلك الرجل الذي يعمل معك في نفس المؤسّسة وتراه حريصا على لقمة الحلال منضبطا في عمله، محافظا على صلاته، غاضّا لبصره، يتقي الله في أعراض المسلمين فلا يطلق بصره بالنظر إلى النّساء ولا يتبسّط معهنّ في الكلام الزّائد والمزاح والابتسامات؛ أتراك ستكون وإياه على صعيد واحد يوم الحساب وأنت الذي تتحايل في عملك وتقضي الوقت في التملّص والقيل والقال؟ هيهات.
عندما يتعلّق الأمر بالآخرة الباقية فإنّ ربّنا –جلّ وعلا- يقول: ((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))؛ يأمرنا بأن نتسابق إلى مغفرته، ونتنافس في طاعته وطلب رضوانه والرغبة في جنّته… لكن عندما يتعلّق الأمر بالدّنيا، يقول –جلّ وعلا-: ((وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))، كأنّه –سبحانه- يعلّمنا أنّ نصيب الدّنيا مضمون يحتاج فقط إلى سعي مقتصد، وتنافس شريف لا يصل إلى القلب… محلّ التنافس الحقيقيّ هو الآخرة ودرجاتها. لكنّنا مع كلّ أسف نتنافس في الدّنيا تنافسا محموما وغير شريف أدّى بنا إلى التباغض والتدابر والعداوات والمحاكمات والمخاصمات وإلى إسالة الدّماء في بعض الأحيان… وفي المقابل لا نتنافس في أعمال الآخرة… الأسواق عامرة، مسابقات التوظيف يتقدّم لها أضعاف أضعاف المناصب المفتوحة، الفرص التي تتيحها شركات الاتصال لا يكاد يفوّتها أحد… عندما تعلن بعض المحلات عن تخفيضات في أسعار بعض السلع، ترى الزّحام والتدافع… لكنّنا عندما يتعلّق الأمر بعمل الآخرة نصبح زاهدين غير آبهين. على العكس تماما ممّا كان عليه سلفنا الصّالحون الذين مكّن الله لهم في الأرض وأذلّ لهم الأباطرة والقياصرة؛ كان قائلهم يقول: “إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد، فافعل”، ويوصي بعضهم بعضا قائلا: “من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في الدّنيا فألقها في نحره”… هذا أحدهم: سعد بن خيثمة، لـمّا خرج رسول الله –صلـى الله عليه وآله وسلم- إلى بدر، أراد هو وأبوه خيثمة بن الحارث أن يخرجا جميعا مع رسول الله، فأمر النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- أن يخرج أحدهما؛ فاستهما (اقترعا)، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني أرجو الشهادة في وجهي هذا؛ فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله –صـلى الله عليه وآله وسلم- إلى بدر، فارتقى شهيدا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!