-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
كان آخر لقاء عقده بن بولعيد قبل مرحلة توزيع السلاح

هذه تفاصيل اجتماع لقرين الذي مهّد لتفجير الثورة بالأوراس

صالح سعودي
  • 993
  • 0
هذه تفاصيل اجتماع لقرين الذي مهّد لتفجير الثورة بالأوراس
ح.م

يجمع الكثير من الباحثين، على أن اجتماع لقرين التاريخي كان حدثا مفصليا بخصوص حسم تفجير الثورة بمنطقة الأوراس تحت قيادة الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد، بحضور نوابه ومختلف مسؤولي المناطق والنواحي؛ إذ عرفت منطقة الأوراس حدثا بارزا خلال الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1954م، من خلال عقد اجتماع لقرين التاريخي بمنطقة أولاد فاضل بباتنة (يرجح أن يكون بين 17 إلى 23 أكتوبر 1954)، بغية وضع آخر الترتيبات قبل التفجير الفعلي للثورة بمنطقة الأوراس.
يؤكد الدكتور مختار هواري من قسم التاريخ بجامعة باتنة1، أن مناطق لقرين عرش أولاد فاضل والشمرّة وأولاد موسى وبوعريف بباتنة قد شهدت نشاطا نضاليا منذ فترة مبكرة، مؤكدا أن الموقع الجغرافي للمنطقة قد ساعد على ذلك، بحكم أنه يعدّ همزة وصل بين الأوراس وبوعريف ولفجوج، وهي منطقة سهلية جبلية وبها حواضر وأسواق أسبوعية وموارد تموينية خاصة في المواسم الفلاحية الجيدة، لذلك كانت “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” ترى فيها البيئة الخصبة للنضال.
أما بخصوص عقد اجتماع لقرين، فيرجح الدكتور مختار هواري أن يكون ما بين 17 و24 أكتوبر، وكان الاجتماع في غاية السرية وتحت حراسة مشددة من طرف عائلة بن مسعودة وجيرانه ومناضلي المنطقة.
وبحسب بعض شهادات ووثائق حصلت عليها “الشروق”، فقد اختيرت مشتة لقرين بدوار أولاد عمر بن فاضل (حوز عين لقصر) لعقد آخر اجتماع بمنطقة الأوراس، يجري فيه ضبط الأمور قبل أسبوع من تفجير الثورة بمنطقة الأوراس، وقد استضيف المجتمعون عند العلامة سعد حب الدين، إمام وكاتب الفوج والقسم، ومسؤول جمع الاشتراكات، ورفيق الزعيم مصطفى بن بولعيد منذ منتصف الأربعينيات، وعُقد الاجتماع في زاوية صغيرة ملك للمجاهد عبد الله بن مسعودة وإخوته ويشرف عليها الشيخ حب الدين سعد.

يقول عجول في هذا الجانب: “كنا جالسين على حصير.. فتح بن بولعيد المصحف ووضعه على الأرض وأدى اليمين هو الأول قائلا: “لن أخون أبدا القضية الإسلامية وسأضحي حتى النهاية”، ثم جاء دورنا واحدا تلو الآخر.. كما أقسمنا أن نطيع مصطفى بن بولعيد”.

وعرف اجتماع لقرين الإعلان عن تاريخ الفاتح نوفمبر 1954 موعدا لإشعال فتيل الثورة التحريرية، وجرى نسخ البيان باللغتين، كما عيّن مسؤولو الجيش والأماكن التي تكون هدفا للعمليات ليلة الفاتح نوفمبر، وكذا الأفواج وقانون الجيش، وحدود منطقة الأوراس، إذ جرى استحلافهم في الأخير على كتمان السر على المصحف الشريف.
ويقول المجاهد علي بن شايبة في كتاب “ثوار عظماء” للكاتب محمد عبّاس بأن اجتماع لقرين عُقد مباشرة بعد مصطفى بن بولعيد من الاجتماع الأخير لقيادة الثورة بــ(بوانت بيسكاد)، وعقد اجتماعا لقادة النواحي والقسمات في لقرين جنوب الشمرّة وبولفرايس، فيما يؤكد الباحث عزوز بركاني لـ”الشروق” أن هذا الاجتماع جرى في المدرسة القرآنية التابعة للشيخ المجاهد حب الدين سعد، والمحاذية لديار عائلة بن مسعودة، مضيفا بأن الشيخ حب الدين سعد أحضره القائد مصطفى بن بولعيد خصيصا لتكوين المناضلين وزرع الوعي الثوري في أوساط المواطنين.

أسباب اختيار لقرين
من جانب آخر، يرى الأستاذ عزوز بركاني، بأن اجتماع لقرين التاريخي كان منعرجا حاسما لتحديد مصير انطلاق الثورة في منطقة الأوراس التي حظيت بشرف احتضان الثورة والصمود إلى غاية التحاق بقية المناطق والولايات بالركب تباعا.
ويفسّر محدثنا لجوء القائد مصطفى بن بولعيد إلى اختيار منطقة لقرين لاحتضان هذا الاجتماع الحاسم، بناء على عدة عوامل استراتيجية، وفي مقدمة ذلك العامل الجغرافي، بحكم أن مشتة لقرين تتوسط كل قسمات الولاية الأولى الأوراس، إضافة إلى ثقة مصطفى بن بولعيد بمناضلي المنطقة، بدليل أن القائد بن بولعيد فاز بانتخابات المجلس الجزائري سنة 1948 بنسبة كبيرة من الأصوات ضد غريمه بن خليل عن حزب البيان الجزائري، كما أن المنطقة -بحسب محدِّثنا- بعيدة عن أعين القوات الاستعمارية، مضيفا أن أهمّ قرارات اجتماع لقرين التاريخي الإفصاح لأول مرة في الأوراس عن تاريخ اندلاع الثورة، وتلاوة بيان أول نوفمبر، إضافة إلى استنساخه مع قانون جيش التحرير الوطني الذي يتضمّن ضبط تصرُّفات الجيش، وتحديد عدد الأفواج ورؤساء الأفواج، وتحديد الحدود الجغرافية للولاية الأولى، كما جرى في هذا الاجتماع تحديد اختصاص القائدين عباس لغرور وعاجل عجول، بناء على حنكتهما العسكرية والميدانية، وإمكانية الاعتماد عليهما في المواجهة المباشرة ضد الاستدمار الفرنسي.
وفي هذا الجانب، أوضح الأستاذ صالح لغرور لـ”الشروق” بأنه “بعد تنظيمه لمختلف الخلايا في الأوراس والتأكُّد من صدق وثقة الرجال الذين سيعوِّل عليهم، عُقد الاجتماع الشهير بـ”لقرين” على بعد 30 كلم من باتنة وأعلن فيه لرفاقه المقربين عن موعد اندلاع الثورة.

بعد ذلك أعلمنا بأن بداية انطلاق العمل المسلح سيكون يوم الاثنين أول نوفمبر 1954، وأقسموا مرة أخرى بعدم إفشاء السر لأي شخص بما في ذلك المجاهدين. وبحسب الأستاذ محمد الطيب حب الدين، فقد تم استحلاف الحضور على كتمان السر على المصحف الشريف، وهو ملك للشيخ سعد حب الدين منسوخ من طرف أبيه قبل أكثر من 100 عام.

وقبل ذلك أدى كل منهم اليمين بان لا يخون الثورة والقضية الإسلامية وأن يطيعوا بن بولعيد. بعد ذلك باشروا في سحب نسخ بيان أول نوفمبر التي ستوزَّع ليلة تفجير الثورة. وأضاف أن معظم المدن والقرى بالأوراس كانت مبرمجة ومستعدّة لعمليات أول نوفمبر، ومن أهم العمليات التي لقيت صدى واسعا في الإعلام الفرنسي والعربي هي عمليات خنشلة وباتنة وتيغانيمن.
وقال صالح لغرور إنه بعد هذه العمليات باشر بن بولعيد تنظيم المنطقة الأولى وإنشاء إدارة وقيادة عليا للثورة. وفعلا كانت قيادة أوراس- النمامشة تسمى “القيادة العليا للثورة”، هذه التسمية، بحسب محدثنا، ليست عفوية أو اعتباطية، فقد كانت فعلا القيادة العليا للثورة، إذ التحق بالأوراس في الأشهر الأولى للثورة أفواجٌ من الوطنيين الأحرار من كل مناطق الوطن، من وادي سوف ووهران والعاصمة ومنطقة القبائل لتدعيم الثورة، كما طبعت -حسب محدثنا- مناشير مختلفة وكذا جريدة le Patriote، وكانت توزَّع على المنطقة الأولى وحتى على بعض مناطق الوطن.

بن بولعيد في مقدمة الحاضرين
وتميز اجتماع لقرين بحضور أبرز القيادات ومناضلي منطقة الأوراس، ويؤكد الأستاذ محمد الطيب حب الدين لـ”الشروق”، أن المجتمعين يعدّون من العناصر الهامة التي تمثل النواة الأساسية التي سهرت على التحضير للثورة بالأوراس وتفجيرها، ويتعلق الأمر بمصطفى بن بولعيد (رئيسا)، وشيحاني بشير الذي يشغل مهمة المراقب العام لدائرة باتنة، إضافة إلى رؤساء أقسام المناطق المختلفة، وهم عباس لغرور وعاجل عجول والطاهر نويشي والمسعود بلعقون ومصطفى بوستة وحاجي موسى، ومحمد خنتر وعبد الله بن مسعودة (يعدّ من المسؤولين السياسيين)، كما حضر الشيخ المجاهد سعد حب الدين الذي يعدّ مسؤول الاشتراكات، إضافة إلى مهامه ككاتب ومعلم وإمام، ويسكن في الديار ذاتها ويدرّس في الزاوية التي وقع فيها الاجتماع، كما كان كاتب تلك الجلسة، وكذلك شبشوب الصادق وهو المسؤول العسكرى (ومن الخارجين عن القوانين الفرنسية) وكان يسكن في الديار ذاتها التي وقع فيها الاجتماع)، كما يعدّ من رفقاء بن بولعيد، إضافة إلى تواجد قرين بلقاسم، وهو من المسؤولين العسكريين (من الخارجين عن القوانين الفرنسية)، إضافة إلى مرداسي بلقاسم (من المسؤولين السياسيين ومعلم القرآن في زاوية زيادى وهو محل بحث من طرف المستعمِر منذ 1953م)، إضافة إلى بن شايبة فرحات (مناضل وسياسي) وكلهم يعدّون من رفقاء الشهيد مصطفى بن بولعيد. وقال الأستاذ محمد الطيب حب الدين بناء على أرشيف والده الشيخ سعد حب الدين بأن مناضلي منطقة أولاد فاضل (خارج الزاوية المذكورة) قاموا بعمل جبّار، إذ استضافوا بقية مناضلي منطقة أولاد فاضل والشمرّة وجميع مناضلي منطقة الأوراس المصاحبين لرؤساء قسماتهم في هذا الاجتماع، وعددهم تقريبا ثلاثمائة.
كما جُمعت الحبوب والاشتراكات طوال مدة الاجتماع مع الحراسة، إضافة إلى وضع الحبوب في الزوايا المنتشرة بكثرة بالمنطقة، والتي هي مقر الخلايا والأفواج آنذاك ونُقلت في اليوم الموالي إلى أماكن التخزين التي عيّنها الشهيد بن بولعيد في اجتماعات سابقة متتالية عند سي عبود الشرقي وموري الشريف ومسعود ومحمد وبولسنان عبد الله وحسين يلجمل والصيد الربعي وعشي مسعود وغيرهم، وهذا تحت إشراف مسؤول الاشتراكات المجاهد سعد حب الدين ونائبه المجاهد أحمد معوشة).

قَسمٌ عظيم على المصحف
وفي استجواب خضع له القيادي عاجل عجول، صرح بأنه تمكّن من إنشاء ثلاثة أفواج في كيمل، يتكون كل فوج من عشرة أفراد ومقسّم إلى ثلاث خلايا مكونة هي الأخرى من ثلاثة أفراد، وقد عيّن قائدا لكل فوج وهم أوصيفي لخضر وبزقيل صالح وبايشي عبد الحفيظ، مضيفا أنّه اختار القادة بناء على صفتهم كعسكريين قدامى وبناء على شخصيّتهم المتّزنة.
وقال عجول في سياق آخر: “تلقّيت رسالة من غمراسي الطاهر بن نويشي في 18 أكتوبر 1954 يطلب مني التنقل إلى منطقة “لقرين” الواقعة في دوّار أولاد عمر بن فاضل، وبالضبط إلى بيت المسمى عبد الله بن مزيطي”. وأضاف: “ذهبت ووجدت شيحاني بشير وغمراس الطاهر بن نويشي وخنطرة محمد، وقد وصل في ما بعد مصطفى بن بولعيد مرفَقا بشيحاني بشير مسؤول الخروب، ثم وصل عباس لغرور”.
وأكد عجول أن بن بولعيد طلب أداء اليمين بالقرآن كما فعل كل المجنّدين، وسيعلن عن خبر مهم جدا. ويقول عجول في هذا الجانب: “كنا جالسين على حصير.. فتح بن بولعيد المصحف ووضعه على الأرض وأدى اليمين هو الأول قائلا: “لن أخون أبدا القضية الإسلامية وسأضحي حتى النهاية”، ثم جاء دورنا واحدا تلو الآخر.. كما أقسمنا أن نطيع مصطفى بن بولعيد”.
بعد ذلك أعلمنا بأن بداية انطلاق العمل المسلح سيكون يوم الاثنين أول نوفمبر 1954، وأقسموا مرة أخرى بعدم إفشاء السر لأي شخص بما في ذلك المجاهدين. وبحسب الأستاذ محمد الطيب حب الدين فقد تم استحلاف الحضور على كتمان السر على المصحف الشريف، وهو ملك للشيخ سعد حب الدين منسوخ من طرف أبيه قبل أكثر من 100 عام.

هذه أهم قرارات اجتماع لقرين الحاسم
خرج اجتماع لقرين التاريخي بعدة قرارات هامة وحاسمة، وهو آخر اجتماع جهوي قبل أيام قليلة عن تفجير الثورة بالأوراس، ويؤكد الدكتور مختار هواري بأن جرى في هذا الاجتماع مراعاة الدقة ورسم الاستراتيجيات وتوزيع المهام، من ذلك نسخ بيان أول نوفمبر بواسطة الطابعة التي جلبت من قسنطينة، وقد كلف عباس لغرور بسحبه باللغة الفرنسية وعاجل عجول باللغة العربية، إضافة إلى تحديد حدود المنطقة الأولى، وتحديد الأهداف المدنية والعسكرية التي سيستهدفها المهاجمون وشرح طريقة الهجوم على المواقع الفرنسية.

اجتماع لقرين التاريخي يبقى حدثا مفصليا حدّد مصير الثورة ودفع بها إلى الوجود، كما يبقى -بحسب قوله- فوج لقرين بدوار أعمر بن فاضل نواة صلبة في الحركة الوطنية وبها كان المناخ الذي جعل القائد مصطفى بن بولعيد يأتمن على نجاح هذا الاجتماع الذي لم يأخذ حقه من الدراسات التاريخية.

وأوضح الدكتور مختار هواري بأنه وقع الاختيار على مسؤولين آخرين للقيام بمهام معينة، مثل مصطفى غقالي الذي يتصل بالخروب لتقييم نتائج العمليات بعد تفجير الثورة، وبوعزة محمد (عرعار) ليكون واسطة بين الثورة والقاهرة، في حين كُلف شيحاني بشير بالاتصال بليبيا، وفي النهاية جرى الاتفاق على توزيع السلاح في الاجتماع القادم بخنقة لحدادة ودشرة أولاد موسى.
ويؤكد الأستاذ محمد الطيب حب الدين لـ”الشروق”، بناء على عديد الوثائق التي يحتفظ بها لوالده الذي كان كاتب الجلسة، بأن اجتماع لقرين دام يوما كاملا، وانتهى عند الصبح بمحضر حُرّر فيه بيان 1 نوفمبر، وما يجب القيام به ليلة الفاتح نوفمبر.
وفي السياق ذاته، تعاهد الجميع على كتمان السر، وكلفوا من سينسخ كمية كبيرة من البيان المذكور مع قانون الجيش قبل نهاية أكتوبر، وقد حُرِّر البيان باللغة العربية من طرف عاجل عجول بمساعدة سعد حب الدين ومرداسي بلقاسم، فيما تكفل الشهيد عباس لغرور بتحرير النسخة الفرنسية للبيان، في الوقت الذي تكفّل مناضلو منطقة أولاد فاضل، بواجب الضيافة، والسهر على راحة بقية مناضلي منطقة الأوراس المصاحبين لرؤساء قسماتهم في هذا الاجتماع، إذ بلغ عددهم نحو 300 مناضل.
ويخلص الأستاذ عزوز بركاني إلى القول إنه يمكن استنتاج ذلك التقارب والتقاطع الكبيرين بين الروايات الشفوية والوثائق التاريخية في عملية التوثيق لاجتماع لقرين التاريخي، مضيفا أن اجتماع لقرين التاريخي يبقى حدثا مفصليا حدّد مصير الثورة ودفع بها إلى الوجود، كما يبقى -بحسب قوله- فوج لقرين بدوار أعمر بن فاضل نواة صلبة في الحركة الوطنية وبها كان المناخ الذي جعل القائد مصطفى بن بولعيد يأتمن على نجاح هذا الاجتماع الذي لم يأخذ حقه من الدراسات التاريخية، مضيفا أنه مع تدفق وثائق من الأرشيف الفرنسي بدأت الكثير من الحقائق في الوضوح والتجلي، وهي، بحسب قوله، دعوة للباحثين للتعمق أكثر في محتواها لتشريح الكثير من الحقائق المتناولة سابقا بشكل شوفي أو دون سند علمي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!