هكذا أجهض البرادعي القرار العربي بتفتيش النووي الإسرائيلي
جميع الدول العربية التي لا تملك أسلحة نووية مواقفها ضعيفة في مواجهة إسرائيل
إيران أنتجت أكثر من 23 ألف جهاز طرد مركزي
الدكتور، يسري أبو شادي، اسم كبير في الملف النووي على المستوى الدولي، فقد تولى منصب كبير خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رئيس قسم الضمانات وكبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا، كما شغل منصب أستاذ قسم الهندسة النووية سابقا، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005، بالمشاركة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا المسار الكبير، يتيح له تفكيك الصراع الحاصل بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة وإيران من جهة، وبين هذه الأخيرة وإسرائيل ولماذا بقيت دولة الاحتلال خارج دائرة التفتيش، ولماذا سُحق العراق عبر مزاعم لا صحة لها.
في هذا الحوار مع “الشروق”، يتحدث الدكتور أبو شادي عن هذه الملفات وغيرها، وكيفية تحصين الوكالة الدولية من الضغوط الغربية وخاصة الأمريكية، ولماذا على العرب أن يمتلكوا الطاقة النووية.
استهدفت أمريكا منشأة فوردو الإيرانية، ولحد الساعة هنالك تباين حيال نتائج الاستهداف، في اعتقادك ماذا حل بالمنشأة؟
منشأة فوردو هي أحد ثلاثة مصانع لتخصيب اليورانيوم لإيران في برنامجها النووي العلني، وهي خاضعة لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث يزورها المفتشون بشكل مستمر.
تقع المنشأة على عمق يقارب 100 متر تحت جبل صخري شديد الصلابة، وتضم ما يقرب من 3 آلاف جهاز طرد مركزي، وهي مهمة جدًا في تخصيب اليورانيوم عالي النقاوة، حيث وصلت فيه إيران إلى نسبة 60% من تخصيب اليورانيوم، لكن ليس كل شيء يتم هناك، فهو واحد من بين ثلاث منشآت، ويمكن القول إنه يحمل الرقم الثاني في الأهمية.
إسرائيل فشلت في الوصول إليه بسبب عمقه، بينما استخدمت الولايات المتحدة أسلحة قوية خارقة للتحصينات، ولكن في تقديري وتقدير بعض الخبراء العسكريين، فإن المنشآت أو الغرف التي تحتوي على أجهزة الطرد المركزي موجودة على عمق 100 متر، ولكن ليس بشكل رأسي رئيسي بل أفقي، حيث إن الصواريخ عندما تصيب الموقع تخترق ثم تنفجر أفقيا.
وبغض النظر عن ذلك، فإن المؤكد أنه حصل تدمير كبير للمنشأة، سواء كان تدميرًا كاملاً أو جزئيًا، فهناك شك كبير، لكنه لا يفرق كثيرًا، لأن اعتقادي أن المواد عالية التخصيب قد سُحبت من هذا المكان مسبقًا.
ما هي فرص إيران لاكتساب النووي السلمي كما تؤكده، خاصة أنها خسرت عددا من العلماء في المجال؟
أشك في ذلك، لأنها تعلم أن المكان معروف، والعالم كله والولايات المتحدة يراقبونه عبر الأقمار الصناعية، وأعتقد أنه من غير المنطقي إعادة تشغيله مجددًا وإهدار المال والجهد، إضافة إلى أن الممرات المؤدية له قد دُمرت، سواء تم تدميرها بالكامل أم لا، فهذا لا يفرق كثيرًا. إيران أنتجت أكثر من 23 ألف جهاز طرد مركزي، ولديها مصانع تقوم بتصنيع أجهزة الطرد التي يتم من خلالها تصنيع 3000 جهاز في فوردو، ويحق لها تصنيع أجهزة أخرى، وهناك وحدات طرد مركزي غير خاضعة للتفتيش، ولا يمكن لأي دولة منع تصنيعها، خاصة إذا لم تكن موقعة على الاتفاق التكميلي أو الإضافي.
إيران خسرت بين 20 إلى 25 عالمًا في هذا المجال، لكنها منذ زمن بدأت خطة لإحلال الأجيال، ومعظم العلماء الذين تم اغتيالهم كانوا أسماء معروفة وكبارًا في السن تجاوزوا السبعين عامًا، وقد أدوا دورهم في هذا المجال، ومن المؤكد أن إيران من خلال هؤلاء العلماء قد نقلت معارفهم وخبراتهم إلى الجيل الثاني والثالث، وبالتالي حتى في حالة اغتيالهم، فقد ذكرت السلطات أنه تم استبدالهم بأسماء أخرى من الجيل الثاني دون حدوث فجوات كبيرة.
إيران لديها مئات العلماء والفنيين والمهندسين، وأفكار تصنيع أجهزة الطرد الجديدة قد وصلوا إليها ولهم تصورهم الخاص في هذا الأمر. لقد صنعوا آلاف الأجهزة، ولا أعتقد أن الاغتيال له تأثير كبير، قد يكون له تأثير نفسي فقط، وليس له تأثير فني في نهاية المطاف.
هنالك فتوى لخامنائي بتحريم اكتساب السلاح النووي، هل يمكن للقيادة الإيرانية الاستمرار بالعمل بها في ظل التهديدات التي تواجهها؟
القيادة تؤيد تحريم وتجريم استخدام الأسلحة النووية باعتبارها أسلحة قاتلة للبشر الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى، وهذا الموقف يثبت أنهم متمسكون بأن برنامجهم النووي مخصص للأغراض السلمية.
لكن في الفترة الأخيرة، وفي ظل التهديدات الإسرائيلية والأمريكية بتدمير إيران، خاصة مع تهديد إسرائيل باستخدام هذه الأسلحة وهي تمتلك مئات الأسلحة النووية، ظهرت بعض التصريحات لعدد من مستشاري الإمام الخامنئي تشير إلى أن هذه الفتوى نحن ملتزمون بها، لكن إذا تعرض البلد للتدمير والعدوان الكبير، وإذا طلب الشعب ذلك، فقد يتم تعليق هذه الفتوى.
إيران وعبر سفيرها في الجزائر اتهمت الوكالة باستهداف بلاده، ومما قاله انقل لكم “تشكل المنشآت الإيرانية سوى 3% من المنشآت النووية في العالم، ومع ذلك فإن ثلث مراقبي الوكالة وخمس ميزانيتها مخصصة لمراقبة إيران” لماذا هذا التركيز على إيران؟
أقول أكثر من هذا، فحوالي نصف المفتشين التابعين للوكالة، التي لديها 260 مفتش، حصلوا على تراخيص لدخول إيران، وكان يوجد دائمًا بين 6 إلى 10 مفتشين بصورة مستمرة في إيران، ويتم تغييرهم بشكل دوري، وكانت إيران تسمح لهؤلاء المفتشين بالقيام بعمليات تفتيش مفاجئة في مصانع التخصيب، وعدد مرات التفتيش في إيران يصل إلى أكثر من 20% من مجموع عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة في العالم، والأيام التي يقضيها المفتشون في إيران تمثل أكثر من 25% من مجموع الأيام التي يقضيها المفتشون حول العالم.
أما من ناحية الميزانية، فإن عمليات التفتيش في إيران تستهلك أكثر من 20% من ميزانية الوكالة، حيث لها فروع كثيرة، ولكن بالنسبة للتفتيش، فإن أكثر من 50% من ميزانية التفتيش تُصرف على عمليات التفتيش داخل إيران، وهذا حجم ضخم على دولة لا تملك إلا 3% من المواد النووية في العالم، وهو أمر مبالغ فيه ويعود إلى الضغوط السياسية التي تتعرض لها الوكالة.
أنت تتحدث عن حالة عدم حيادية، ما الإصلاحات التي تقترحها على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان حياديتها وفعاليتها؟
اليوم، أكثر من 70% من ميزانية الوكالة تأتي من الغرب، سواء من أمريكا أو أوروبا، وخاصة القسم المسؤول عن الضمانات والتفتيش على الدول، وهذا يتطلب مراجعة لتحقيق الحياد.
الصين أصبحت الممول الثاني للوكالة، وهو أمر مثير للاهتمام، حيث لم تكن مساهمتها تُذكر قبل عشرين عامًا، وأصبحت اليوم تمثل 15% مقابل 25% للولايات المتحدة، ويجب رفع هذه النسبة لتحقيق التوازن والحياد بعيدًا عن الضغوط.
اختيار مديري الوكالة كان دائمًا مواليًا للغرب، كما رأينا مع هانز بليكس مع كوريا الشمالية، والبرادعي مع العراق، والياباني أمانو الذي كان معتدلاً نسبيًا، أما الرئيس الحالي للوكالة رافاييل غروسي (أرجنتيني الجنسية)، فإن تقاريره منحازة وغير فنية ضد إيران.
منذ اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل، يعيش الشرق الأوسط على صفيح ساخن، فما حجم المخاطر؟
إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك الأسلحة النووية منذ حوالي 70 سنة، فهي منذ الستينيات تمتلك أسلحة نووية، والآن تملك المئات منها، وقد شاهدنا تهديداتها باستخدام السلاح النووي بشكل غير مباشر. العالم كله يعلم أن لديها أسلحة نووية عديدة، خاصة في مفاعل ديمونة. وعندما شنت إسرائيل حربها على غزة، خرج وزير التراث الإسرائيلي وقال إنه يجب استخدام القنابل الذرية لمسح غزة بالكامل لتقليل خسائر القتلى الإسرائيليين، وعندما يهدد شخص بهذه الطريقة، فهذا يعني أنه قد يفعلها ويستمر في تنفيذ تهديده.
وهذا يضع جميع الدول العربية، التي لا تملك أسلحة نووية، في موقف ضعيف، رغم أنها جميعًا موقعة على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، بينما إسرائيل لم توقع على هذه المعاهدة ولم تحضر أي اجتماع بخصوصها منذ 30 سنة. الدول العربية تعلم أن إسرائيل تمتلك السلاح النووي، فلماذا لم تتحرك؟ للأسف، الدول العربية ملتزمة بالمعاهدة التي وافقت عليها بشرط أن توقع إسرائيل عليها، وهو ما لم يحدث، وكان ينبغي أن تتم مراجعة هذا الأمر منذ زمن بعيد.
كيف تقيّم المواقف الدولية تجاه البرامج النووية في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل وإيران؟
الولايات المتحدة والدول الغربية منحازة بشكل كامل لإسرائيل في جميع المواقف، بما في ذلك الموقف النووي. أمريكا تعرف تمامًا قدرات إسرائيل النووية منذ اليوم الأول، ويقال إن الرئيس الأمريكي جون كينيدي لم يكن مقتنعًا بتفسيرات إسرائيل بعدم امتلاكها للسلاح النووي، وعندما اكتشف البرنامج النووي الإسرائيلي تم اغتياله، وهناك حديث كثير في هذا الخصوص.
بعد ذلك، جميع الرؤساء الأمريكيين دعموا إسرائيل بشرط ألا تعلن رسميًا عن امتلاكها للسلاح النووي، رغم علمهم بأنها تمتلك عشرات، إن لم يكن مئات، القنابل النووية، وهناك نوع من الازدواجية في هذا الموقف. العراق، على سبيل المثال، تعرض للتدمير رغم أنه وقع على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، بينما إسرائيل لم توقع، ولم تُفرض عليها أي عقوبات. العراق خاض حربين ودُمر، بينما إسرائيل محمية من كل انتقاد.
ماذا نعرف عن البرنامج النووي الإسرائيلي؟
إسرائيل بدأت برنامجها النووي بالتعاون مع فرنسا عقب حرب 1956 بسبب دعم عبد الناصر للثورة الجزائرية بالسلاح والذخيرة والدعم العسكري والسياسي، وكانت فرنسا ترى في عبد الناصر عدوها الأول، فاتفقوا مع إسرائيل على خوض الحرب ضد مصر مقابل بناء مفاعل ماء ثقيل في صحراء النقب، وكان الاتفاق سريًا حتى عن بريطانيا. بدأ البناء سنة 1958، وفي عام 1964 بدأ تشغيل المفاعل، ومعروف أن مفاعلات الماء الثقيل تنتج بلوتونيوم عالي الجودة يصلح لصناعة القنابل الذرية، وفي عام 1967 امتلكت إسرائيل أول مادة لصناعة القنبلة النووية.
في حرب 1973، عندما انتصرت مصر وسوريا في بداية الحرب، قامت إسرائيل ليلة 8 و9 أكتوبر بشحن طائرات فانتوم بأسلحة نووية لاستخدامها، ولولا خوف أمريكا من تدخل الاتحاد السوفيتي وحدوث حرب نووية عالمية، لما امتنعت إسرائيل عن استخدام هذه الأسلحة.
لماذا لم تنفذ الوكالة الدولية للطاقة الذرية القرار الوحيد تجاه المفاعل النووي الإسرائيلي في سبتمبر عام 2009 بعد أن تقدمت به الدول العربية؟
للأسف، ورغم صدور قرار من الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة الذرية بضرورة تفتيش إسرائيل وإعلان قدراتها النووية، فإن القرار لم يُفعل، حيث تدخلت الولايات المتحدة كل عام لإيقاف القرار، لكن في إحدى السنوات، حصل خلل في التقديرات وصدر القرار بأغلبية الأعضاء. وكان حينها الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة، لكنه لم يفعل القرار بسبب ضغوط سياسية أمريكية وغربية، وظل يماطل حتى تقاعد، وترك المسؤولية للياباني يوكيا أمانو، الذي لم يعرف كيف يتعامل مع القرار، واستشار الأمريكيين الذين طلبوا منه عدم فعل شيء حتى تم إلغاء القرار، وهكذا ضاع القرار الوحيد الصادر من الوكالة ضد إسرائيل.
البرنامج الإسرائيلي خارج الرقابة كما تؤكد، كيف يمكن التعامل مع هذا الوضع؟
في اجتماع القمة العربية في الرياض، حاولت إرسال رسالة بضرورة تفكير الدول العربية في تعليق التزامها بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية طالما أن إسرائيل ترفض حتى مناقشة توقيعها على هذه المعاهدة. لقد مضت 30 سنة ولم ينفذ الشرط المتعلق بإسرائيل، ولهذا فمن حق الدول العربية تعليق التزامها أو التهديد بالانسحاب من المعاهدة.
ما هي نصيحتك للدول العربية التي ترغب في بناء مفاعلات نووية في ظل التغيرات المناخية والحاجة للطاقة النظيفة؟
المفاعلات النووية هي طاقة نظيفة ومهمة، وتشكل أكثر من 25% من إنتاج الطاقة النظيفة في العالم، وهي اقتصادية حيث يمكن تشغيل المفاعل النووي بين 60 و80 سنة، ويعيش وقوده 4 سنوات بتكلفة منخفضة مقارنة بالوقود الأحفوري. ورغم الكلفة الأولية العالية، إلا أنه يمكن تغطيتها في غضون 5 إلى 6 سنوات إذا تم تشغيل المفاعل لتوليد الكهرباء. مصر تبني أربعة مفاعلات ستكون جاهزة خلال 4 سنوات، ودول عربية أخرى مثل السعودية والأردن تتطلع أيضًا لبناء مفاعلات نووية.