هكذا ساهم سكان قرية بني حافظ ببني ورتيلان في الثورة
مرّت علينا في هذه الأيام المباركة ونحن على مقربة من الاحتفال بالذكرى الستين لعيد الاستقلال والشباب، الذكرى السادسة والستون لأول عملية عسكرية على مستوى قرية “بني حافظ” ببني ورتيلان، ولاية سطيف.
عملية أسفرت عن استشهاد خمسة من خيرة شباب هذه القرية المجاهدة حاملين معهم شرف الشهادة في سبيل الوطن ومقدمين جرعة أمل للاستقلال عكس أن يكون استشهادهم مثبِّطا للعمل الثوري في القرية بل كان دافعا للمزيد، فهذه القرية وحدها قدمت واحدا وسبعين شهيدا لتعتلي قمة الجهاد في الناحية ككل.
قبل العملية العسكرية
بعد اندلاع ثورة 1 نوفمبر 1954، بدأ التحضير لتنظيم العمل العسكري بالمنطقة، وتمت أول عملية عسكرية للمجاهدين ضد القوات الفرنسية المتمركزة ببني ورتيلان في 19 أوت 1955، لتكون بذلك الشرارة الرسمية للعمل المسلح الطويل والمرير الذي خاضه سكان ومجاهدو المنطقة ضد الاحتلال.
في بداية شهر مارس من عام 1956 انسحبت القوات الفرنسية تقريبا من المنطقة لعدة أسباب، ما سهّل وصول العديد من القادة الثوريين إلى المنطقة وبداية تشكيلهم للجان القرى، وفي شهر ماي من نفس السنة قدِمت إلى هذه المنطقة مجموعة من الولاية الأولى بقيادة عمر بن بولعيد شقيق مصطفى بن بولعيد، وأقامت استعراضات عسكرية بحضور العديد من القادة الثوريين
وقتها بدأ التجنيد الفعلي للشباب وهذا ما أثار انزعاج القوات الفرنسية خاصة بعد تحصلها على تقارير سوداء حول المنطقة، فبدأت بشن غارات جوية مدمِّرة للقرى كقمع وحشي للعمل الثوري في المنطقة، وكذا نشر مناشير تدعو الأهالي إلى العزوف عن مد يد العون للثوار والالتفاف حول الجيش الفرنسي كحرب نفسية من جهة أخرى.
عملية الأمل والبندقية:
بعد الغارات الجوية على العديد من المناطق ببني ورتيلان إلى غاية “إلماين” و”سيدي إدير” وبعد معركة جسر “بني معوش” في 29 ماي 1956، حضر الجنرال ديفور شخصيا لمراقبة سير ما خطط له مسبقا لتسهيل عملية اكتساح المنطقة من قبل القوات البرية التي جند لها ما يفوق الثلاثين ألفا من المشاة للقضاء على الثوار نهائيا.
اختيرت “بني حافظ” لتكون مركزا لثكنة عسكرية جديدة ومقرا لوحدة إدارية خاصة مستقبلا، نظرا للتقارير التي كانت بحوزة القادة الفرنسيين لاسيما الاستعراض العسكري لفرقة قادمة من الولاية الأولى (الأوراس) في شهر ماي من سنة 1956، فبدأت الطائرات العمودية بالإنزال العسكري الكثيف في منطقة “إخربان” القريبة من القرية، ليتوجَّه بعدها الجنود إلى مركز القرية محدثين هلعا لدى السكان بصوت محركات تلك الطائرات والطلقات النارية في السماء.
بعد أن أكملت القوات الفرنسية عملية التمشيط في الناحية اكتشفت حقيقة تعامل الشهيد حميدة علي مع الثورة فتم اقتياده إلى منطقة “يرمان” حيث أعدم رميا بالرصاص ودفن هناك.
استقرار القوات الفرنسية ببني حافظ
استقرت القوات الفرنسية بقرية بني حافظ بمنطقة ” آزرولمال” وتحصلت على معلومات عديدة حول الناشطين في الثورة من سكان القرية، فبدأت بمداهمة البيوت بحثا عن الذين لم يفروا، فألقوا القبض على الشهيد لكحل دحمون، كما تحصلوا على معلومات دقيقة حول مجموعة من الشباب الذين اتخذوا من منطقة “الساحل”مخبأ لهم. أفادت هذه المعلومات أنّ الشهيد بوطلاع مختار عاد من فرنسا بعدما تلقي والده بوطلاع شريف رسالة من جيش التحرير مطالبة بالتحاق ابنه بالثورة كونه قد اجتاز الخدمة العسكرية بالجزائر وفرنسا في إطار التجنيد الإجباري، والشهيد شعلال إسماعيل كون عمه السعدي شعلال قد جعل منزله مقرا لاجتماعات القادة الثوريين.
في ليلة 11 جوان 1956، أقدمت القوات الفرنسية على اقتحام العديد من البيوت ليلا خاصة بيوت عائلات الشباب القابعين بمنطقة “الساحل” فتم اعتقال العديد منهم وكبلوا بالأغلال وربطوا بالحبال في أعناقهم واقتيدوا إلى سجن الثكنة ليُعذَّبوا أملا منهم في الحصول على معلومات أكثر.
في تلك الليلة كان الشباب في عزلة تامة عن القرية ولم يدركوا ما حصل وكانوا سبعة وهم:
- شعلال سماعيل (1920-1956).
- أوشن السعيد (1924-1956).
- صاري لعلى (1927- 1956).
- كشاوي سليمان (1927- 1959).
- بوطلاع مختار (1931- 1956).
- صاري محند أرزقي المدعو مختار (1937- 1956).
- هدار جمعة لايزال على قيد الحياة.
في فجر 12 جوان 1956 انطلقت القوات الفرنسية من ثكنة بني حافظ نحو منطقة “الساحل” مدججة بأحدث الأسلحة خاصة ما تعلق منها بالسلاح MAC 24 /29 وMAT49 ، فأحاطوا بالمنطقة ككل لتطوق عن آخرها، وعند وصولهم للمكان ،انتبه الدا جمعة هدار للعساكر القادمين فهُرع ليخبر رفقاءه بوجود قوات الجيش. حينها بدأ الشباب يسقطون الواحد تلو الآخر شهداء نتيجة وابل الرصاص الذي كان ينطلق من أسلحة الجنود، فسقط أولا الشهيد أوشن السعيد ثم تلاه الإخوة صاري لعلى ومحند أرزقي، أما الشهيد كشاوي سليمان فقد هرب من الكوخ وتلقى رصاصة على مستوى فخذه فتمكن من الفرار نحو “إلماين” حيث عولج والتحق بجيش التحرير بمنطقة “بوحمزة” فكلف هو وصديقه سيدهم الحسين (1923-1961) بتهيئة المستشفيات على مستوى المغارات وجلب المؤن للجرحى إلى غاية استشهاده بقرية “بوثواب” عام 1959.
أما الشهيد بوطلاع مختار فقط حاول هو كذلك مغادرة الكوخ لكن القدر سبقه للاستشهاد بعدما تلقى رصاصة على مستوى الرأس.
تقدّمت القوات الفرنسية وقاموا بجر جثمان الشهيد شعلال سماعيل داخل الكوخ وأضرموا النار في الكوخ المبني بالقش والأغصان فتفحم الجثمان كلية ولم يعد للشهيد أثر. كما فتشوا الجثامين الأخرى وأخذوا ما وجدوه عند الشهداء، وقاموا بتصويرهم لإعداد تقرير مفصل عن العملية.
بقي الدا جمعة هدار مختبئا عن أنظار الجنود، وبعدما تيقن أن القوات الفرنسية انسحبت من المكان انسحب متجها نحو قرية “إلماين”.
عادت القوات الفرنسية إلى مقر الثكنة ببني حافظ، وأخبروا الأهالي الذين سُجنوا قبل العملية بالقضاء على خمسة من شباب القرية.
بعد حصول سكان القرية على ترخيص من الثكنة العسكرية بدفن الشهداء، هُرعوا جميعا إلى مكان الحادثة وازدادوا حزنا وأسى لما عرفوا أن الشهيد شعلال سماعيل أحرق كلية وأصبح رمادا.
ظنت القوات الفرنسية أن العملية ستعمل على بتر المقاومة ودحرها من عقول السكان، إلا أن بني حافظ عقدت العزم على الاستمرار في الثورة المباركة؛ فإما النصر أو الشهادة.