-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل تنتصر اليابسة على البحر في إيران؟

هل تنتصر اليابسة على البحر في إيران؟

إيران ليست قوة بحرية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الأخيرة تقول أنها دمَّرت ما بقي لدى إيران من أسطول بحري، وأنها بذلك باتت تتحكم في البحر تحكُّما تاما ولم تبق لإيران سوى اليابسة وبعض الإطلالة على البحر؟ هل تتمكن من الانتصار؟

لعل السيطرة على البحار مَكَّنت الكثير من القوى على تحقيق انتصارات أو منع حصول هزائم. لم يتمكن نابليون ولا القوات الاسبانية من السيطرة على بريطانيا، لأنها كانت قوة بحرية كبرى، ولم تتمكن اسبانيا ولا القوات الأوروبية المتحالفة من السيطرة على الجزائر، لأنها كانت سيدة البحر بلا منازع طيلة قرون وإلى غاية تحطم أسطولها في معركة “نافارين” سنة 1827، وهكذا كان شأن القوات البحرية الكبرى في العالم. كانت تستمر في هجماتها أو حصارها لأعدائها إلى حين الإطاحة بهم أو الانكسار وانتظار الهزيمة واحتلال الأقاليم البرية التي لم يعد بالإمكان الدفاع عنها.

إلا أن العمق الإقليمي وامتداد بر الدولة لمساحات شاسعة كان هو الآخر غالبا ما يعود ويتمكن من تحييد القوات البحرية ويمنعها من تحقيق أهدافها…

تاريخيا العثمانيون تمكنوا من إسقاط الإمبراطورية البيزنطية التي كانت قوة بحرية لا يستهان بها من خلال الاستفادة من كونهم قوة برية صاعدة تمكنت من الالتفاف على البحرية البيزنطية برا فيما عُرِف تاريخيا بمناورة محمد الفاتح العبقرية التي جعلت اليابسة طريقا للانتصار على البحر. والمغول تمكَّنوا من بناء امبراطوريتهم عبر عمق اليابسة من دون أن تتمكن أية قوة بحرية من منعهم أو حصارهم، والصينيون تمكنوا من الانتصار على القوات الغازية البحرية البريطانية واليابانية من خلال الاعتماد على عمق الإقليم والعودة باستمرار إلى الداخل لمواجهة المحتل إلى حين الانتصار…

وهكذا بين اليابسة والبحر، كانت دوما المعارك سِجال.. كما هي اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، فأيهما يمثل عمق اليابسة لإلحاق الهزيمة بالآخر؟ وأيهما يمثل قدرة البحر لتحقيق الانتصار على اليابسة؟

بلا شك الولايات الأمريكية هي القوة البحرية الأولى في العالم اليوم بما تملك من قوات وحاملات طائرات ومُدمرات، وبلا شك أن إيران ليس بإمكانها الدفاع في هذا المستوى سوى بقوى غير متناظرة من زوارق صغيرة لها قدرة هائلة على المناور تُسمّى أحيانا ببعوض البحر، إلا أن هذا لا يمنعها من الاعتماد على العمق البري للسيطرة على البحر ولِتحييد كل تلك القوة الأمريكية الضخمة.

ولعل هذا ما يحدث بالفعل في الميدان اليوم، بوجود صواريخ بر-بحر زادت أهمية البر في مواجهة البحر! وبوجود عمق كبير لدولة مثل إيران وإمكانات صاروخية معتبرة بات من الممكن استهداف أي نقطة في البحر انطلاقا من البر من خلال الصواريخ الباليستية الأخرى، بما يعني أن التكنولوجيا المتقدمة والتطور الكبير في سلاح الصواريخ ودقة إصاباتها جعل دولة مثل إيران لا تحتاج إلى قوات بحرية ضخمة لتحقيق أهدافها، يكفيها فقط تحديد ما تريد إصابته من أهداف والاستعداد لِتحمل ما سيترتب عن ذلك من رد، لكي تُنجز المهمة. البر العميق في هذه الحالة يهيمن على البحر!

وهذا الذي بات يحكم المعادلة بين الطرفين اليوم، خاصة وأن كل المساحة البحرية (مضيق هرمز) التي يدور حولها الصراع ليست كبيرة وبالإمكان السيطرة عليها برِّيا! ولعل هذا ما يؤرق الأمريكيين أكثر. أن يتحكم البر في البحر وتفقد البحرية الأمريكية قدرتها على الفصل في المعركة وإنهاء الصراع لصالحها!

صحيح، هناك القوات الجوية التي يتفوق فيها الطرف الأمريكي تفوقا كبيرا، إلا أنها أكدت هي الأخرى، في آخر المطاف، أنها قوات تحطيم وتخريب وليست قوات حسم إذا ما توفرت الإرادة والقرار أثناء المواجهة.

وهو ما يحدث اليوم في الحرب على إيران.. في الوقت الذي تبدو الولايات المتحدة الأمريكية كقوة بحرية وجوية جبارة، تعود إيران إلى عمقها الترابي، إلى جغرافيتها غير القابلة للتغيير في رمزية مضيق هرمز، إلى عمق إقليمها وشَسَاعته لتقول: أبدا لا يمكن للبحر أن يهزم اليابسة، وإنْ فعلها مؤقتا فسينكسر، أما العمق الترابي فسَينتصر ولو بعد حين…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!