هل شككّت العولمة المسلمين في إسلامهم؟!
إن القرن العشرين يكاد يمثل وحده نصف عمر البشرية بالنظر إلى كثافة أحداثه وسرعة تطورها وتقدمه المذهل في مجال العلوم التكنولوجية والكشوف العلمية، ولعل ما حدث في العقود الثلاثة الأخيرة وحدها لا نجد له مثيلا من حيث حجم التحولات الكبرى التي حدثت في شبكة العلاقات المعقدة التي طبعت حياة المجتمعات بعضها مع بعض بفعل الثورة المعلوماتية وضغوط العولمة التي تسببت في تداخل الثقافات والخصوصيات الحضارية، وكذا من حيث التحوّل المذهل الذي حدث في مستوى الفكر البشري برمته، فقد اهتز مفهوم الزمان والمكان واضطربت الموازين والمقاييس، مما جعل المفكرين في المشرق والمغرب على حد سواء يدقون ناقوس الخطر ويؤكدون أن الذي يحتاجه عالمنا اليوم القائم على”التطور الكمي والعنف” ليس مزيدا من القوة والقدرة على تسخير الكون والطبيعة، وإنما الذي يحتاجه هو “تجديد صلته بوحي السماء” واستناده إلى مرجعية دينية صحيحة يستمد منها منظومة قيم روحية وأخلاقية.
إن الفراغ العقيدي الذي تعانيه الحضارة المادية المعاصرة قد يعود بالبشرية إلى عهود الظلام والجهل، فقد تغذى خيال “التوجس الكارثي” عند الإنسان اليوم، أيّا ما كان موقعه في الكرة الأرضية لأنه أصبح يحس إحساسا عميقا بأن نعمة هذا التقدم العلمي التكنولوجي قد تنقلب إلى نقمة لأنه “انفلت” من يد الإنسان وأفقده إنسانيته،
إن هذا الوضع الحضاري العام إذا كان قد أورث العالم كله اضطرابا شديدا فإنه قد أورث المسلمين اضطرابا أشد أفقدهم الثقفة في أنفسهم وأصبحت طاقتهم موزعة بين الحفاظ على مكوناتهم الذاتية ومقومات شخصيتهم، باعتبارهم كيانا حضاريا متميزا وبين ضغوط الواقع المحكوم بمنظور الحضارة المعاصرة المهيمنة، وهم في كل ذلك تراهم مكرهين مضطرين أحيانا ومنبهرين منساقين أحيانا كثيرة! لقد اهتزت ثقة المسلمين بأنفسهم بعد أن شككتهم ضغوط العولمة في مقومات شخصيتهم الحضارية، بل وخوّفتهم من دينهم ومن شريعة دينهم، مما جعلهم يعيشون نوعا من التيه والضياع لاهتزاز مرجعتيهم الدينية والحضارية بفعل تأثير الاستلاب الفكري الذي أفرز ظاهرة غريبة حقا تشكل تحديا للفكر الإسلامي ومطالبة له بإيجاد تفسير لها ألا وهي ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، فبعد أن كان مرض “الخوف من الإسلام” مقصورا على الغربيين أصبح اليوم مرضا يعانيه بعض المسلمين أنفسهم ممن اقتنعوا بأن الخروج من التخلف مرهون كله باتباع نهج الحضارة الغربية الذي يقوم على مبادئ مقدسة ثلاثة لا تقبل الانفصال، هي إطلاق الحرية للعقل لكي ينشط بلا حدود، واستقلال الفرد وتمكينه من ممارسة حرياته بلا حدود، والفصل التام بين الزمني والروحي وكل ذلك بقيادة “الفكر الوضعي”، لكن الذي يغيب حتى عن بعض مثقفينا أن الفكر الوضعي هو نفسه دين، لأن هذا الفكر الذي يسمونه “الفكر الحر” إنما ينطلق في أسسه من الدين اليهودي والمسيحي، أي من رؤية لم تتحرر من إرث العداء التاريخي القديم للدين الإسلامي، فمن الطبيعي إذن أن يعمل هذا الفكر الوضعي اليوم من أجل “تنفير” المسلمين من الإسلام وتشكيكهم فيه وإقناعهم بضرورة التخلي عنه، وتبني ما يسميه “القيم العالمية” والقوانين الدولية بالمفهوم الغربي طبعا، الذي يسعى إلى تشكيل ملامح عالم جديد تغيب معه كلية معاني التمايز الحضاري أو الخصوصيات الثقافية أو مقومات الشخصية والهوية لتحل محلها ثقافة عالمية موحدة هي الثقافة الغربية القائمة على الفلسفة المادية الاستهلاكية التي “تشيّئ” الإنسان في عالم قائم على التنافس المحموم الذي لا مجال فيه للقيم الإنسانية ..الروحية والأخلاقية
إن مشكلة المسلمين أمام هذا الوضع الحضاري المعقد أنهم لم يتجاوزوا موقف “الانفعال” إلى المبادرة والفعل، فهم يستهلكون نتاج هذه الحضارة وينتفعون بثمار منجزاتها دون أن يرتقوا إلى مستوى الفكر الذي حققها، وفي الوقت نفسه يعانون من ضغوط هذه الحضارة ومشكلاتها وتناقضاتها وكأنها قدر محتوم لا يمكن معارضته.
لذلك نقول إن المفكرين المسلمين هم المدعوون إلى توّحدهم وتوسيع دائرة اجتهادهم للتفكير في علاج المشكلة الجوهرية نفسها، التي لا تنحصر في الخروج من التخلف وتحقيق الذات، بل تتمثل في إصلاح الأسس نفسها التي قامت عليها هذه الحضارة التي سارت بالإنسان إلى طريق مسدود.
فالمسؤولية ثقيلة والمهمة عظيمة، إنها إنقاذ أمة تعيش في سجن كبير.. سجن العولمة الذي يبرزها في شكل كيان مشلول يضطرب وسط هذا العالم المعقد. ويغذي فيها شعورها بالنقص ويقوي انبهارها بهذه الحضارة الغربية ويدفعها إلى الإيمان بأن لا نهوض ولا حياة إلا باتباع نهجها لا غير، باعتباره عصارة التجربة البشرية كلها كما يزعم الفكر الغربي المعاصر الذي يرى بأن الحضارة والمدنية والتاريخ بل والإنسانية جمعاء هو فقط ما دار في فلك النمط الغربي، أما ماعدا ذلك فهو خارج التاريخ والحضارة.
إن هذا الغرور هو ثمرة طبيعية من ثمرات هذه الحضارة التي جعلت من الإنسان الغربي عملاقا ضخما بفضل تقدمه المذهل في مجال العلوم التكنولوجية، فدفعه غروره ذاك إلى توسيع دائرة تفوّقه في مجال المادة لتشمل الأفكار والقيم والعقائد والنظم والفلسفات والأخلاق، فنصب نفسه بنفسه “مشرعا” للبشرية كلها وحكما وحاميا في نزعة إقصائية مستعلية عنيدة وكلنا يعلم أن الذي يشرع للبشرية كلها إنما هو الله سبحانه، لكن الذي ينبغي توجيه النظر إليه هو أن هذا الغرب الذي يسعى اليوم إلى تعميم قيمه ونظمه ويجعلها عالمية مطلقة إنما يصنع ذلك بدافع من ثقته المطلقة بنفسه، هذه الثقة التي يستمدها من قوّته التكنولوجية الحربية والاقتصادية والصناعية، لكن الحقيقة التي لم يدركها المسلمون بوعي كاف هي أن هذه القوة التكنولوجية لم يصنعها رجال السياسة في الغرب وإنما صنعها العلماء المبدعون في مختلف مجالات العلوم، أي في مخابر الجامعات..فسرّ قوة الغرب وتفوّقه مرده إلى نشاط جامعاته العاملة المنتجة المبدعة المستجيبة لمتطلبات المجتمع الغربي ولطموحه، المحققة لرغبته في الهيمنة الحضارية وبسط نفوذه على الغير وعولمة قيمه ونظمه فالجامعة في الغرب لا تصنع التكنولوجيا فحسب بل إنها إلى جانب ذلك ترسخ الإيديولوجيا
هذا واقعهم بينما المسلمون لم يدركوا بعد أن استهلاك منتوج حضارة لا يصنع الحضارة بتعبير مالك بن نبي رحمه الله، كما أنهم لم يدركوا أن إبراز مرجعيتهم الدينية نفسها وتجسيد أحكام شريعتها لا يتم في الإدارة أو في الشارع، ولا تحققه المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية، وإنما تقوم بذلك كله الجامعات فأين مردود جامعاتنا اليوم؟!